(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي (13من 28)

بقلم د.عدنان عويّد

 

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

مراسيم الاعتزال للمأمون ورده على المجسّمة:

في عام 218 هـ. أصدر المأمون سلسلة قرارات ومراسيم حكومية تدل على اندماج المعتزلة وفكرهم القدري في الدولة والسلطة, حيث جاء في أحد هذه المراسيم: ( إن من حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم في إقامة دين الله الذي استخلفهم ومواريث النبوة التي أورثهم, وأثر العلم الذي استودعهم, والعمل بالحق في رعيتهم, وقد عرف أمر المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية, وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا رؤية ولا استدلال له بدلالاته الله والاستضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق. أهل الجهالة بالله , وعمى عنه وضلالة على حقيقة دينه وتوحيده وإيمانه نكوص عن واضحات إعلامه وواجب سبيله وقصور من أن يقدروا الله حق قدره ويعرفون كنه معرفته ويفرقون بينه وبين خلقه لضعف آرائهم ونقص عقولهم وجفائهم فأطبقوا مجتمعين واتفقوا غير متعاجمين على أنه قديم أول (القرآن). لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه. وقد قال الله تعالى في محكم بيانه : (إنا جعلناه قرآناً عربياً ). فكل ما جعله الله فقد خلقه.).(50).

إن قراءة أوليه لهذا المرسوم وما تضمنه من موقف سياسي للمأمون تجاه قضايا الصراع الفكري بين أهل الرأي آنذاك ومن تبعهم من الرعية الذين قالوا في مسألة خلق القرآن أو عدم خلقه, أو بين كونه قديماً بقدم الله, أو كونه محدثاً, وبين من قالوا بصفات الله وجسمدوه, وبين من قال ليس كمثله شيئ, أو الصراع بين من قال بالجبر وقال بالقدر, يتبين لنا ذاك التحول العميق في قضية انتشار حالات الجدل والنقاش بين أهل القدر وبين ما سمي بأهل الحديث والجماعة من جهة. ثم كيف راح هذا الفكر وكل ما يدور حوله من صراع بين تياراته يندغم في السلطة بشكل مباشر بعد أن لمست السلطة مدى انتشاره وتأثيره على الجمهور, إن كان في عهد المأمون والمعتصم والواثق, أو بعد استلام المتوكل الخلافة وإصدار فرمانه القاضي بمحاربة الفكر القدري/ ألمعتزلي والعمل بالجبر من جهة ثانية, حيث جاء ذلك عام 234هـ وهو تاريخ استلام الخليفة المتوكل الخلافة. فبعد استلامه مباشرة أصدر فرمانا أيضاً بين المؤرخ المسعودي مضمونه بقوله 🙁 لقد جاء في المرسوم بأن السلطة تمتلك صلاحيات واسعة بالنهي والأمر عن ممارسة التعقل والاجتهاد (النظر والمباحثة), ويأمر بالجبرية والتبعية (التسليم والتقليد). ثم أمر المحدثين بالتحديث وإظهار السنة والجماعة ووضعها أمام العقل والتعقل وحرية الرأي والإرادة). (51). وبذلك أعلن الخليفة المتوكل تاريخ ترك النظر, وإنهاء دور العقل وتحطيمه بعد أن ساد في عهد كل من المأمون والمعتصم والواثق. وهذا مؤشر واضح على حالة الصراع السياسي الذي كان يدور على السلطة أولاً, ومؤشر واضح أيضاً على أن القضايا الفكرية وبخاصة الفلسفة وعلم الكلام قد بدأت تأخذ دورها وتأثيرها على عامة الناس, وتأخذ استقلاليتها النسيبة أيضاً كحالة ثقافية فكرية تبحث في بنية النص الديني والغوص في جوهره لكشف الكثير من الدلالات المسكوت عنها وأهمها حرية الإنسان وإرادته وتحكمه بمصيره ثانياً. وهذا الأمر وجدت فيه القوى الدينية السلفية والسلطوية التي يهمها تبرير وجودها عبر مسألة الجبر أمراً خطيراً يهدد وجودها وينسفه بالكامل. وهنا تعمقت المصالح المشتركة ما بين الدين والسياسة بشكل ممنهج بعد محنة ابن حنبل حيث أعطي تياره كل الصلاحيات من أجل إعادة ترتيب بنية العقل لدى الرعية وفق ما تريده السلطة, وهو خضوع الرعية لها وإيمانها أو اعتقادها بأن هذه السلطة أمر مقدر عليها, وما عليها إلا الخضوع والطاعة وعدم الخروج على الحاكم حتى لو كان فاسداً أو ظالماً.

كتابة السنة وتأصيلها خدمة للصراع الدائر على السلطة:

تعتبر ظروف كتابة النص النهائي للسنة (الحديث) من أخطر الأحداث أثراً في التاريخ الإسلامي كله, حيث كتب في غضون الفترة التالية للانقلاب السني (بيان أو مرسوم الخليفة المتوكل عام 234 هـ , كما بينا قبل قليل أعلاه, وقد كتب على يد أهل الحديث, وفي ظل أجواء من العصبية والتعصب, بل وتحت ظل محاكم للتفتيش صاحبت حمى الانتقام التي فرضت على المعتزلة والقدرية وأهل الرأي عموماً. الأمر الذي ترك أثره واضحاً على تقويم الرجال ممن حضر محنة الخلق (خلق القرآن) وممن لم يحضرها. فهذا ابن حنبل راح يمارس الجرح والتعديل على كل من عاصره وعاصر محنته, كما راح يقر الخط النهائي للسير في طريق الجبرية, حيث يقول عندما سئل: (إذا كان هناك شخصان , شخص حضر المحنة وامتحن من قبل السلطة لمسألة خلق القرآن, وشخص لم يمتحن, فأيهما يكون إماماً ؟. قال : من لم يمتحن .). (52).

ما نريد قوله في هذه المسألة أخيراً : إن الانقلاب الانتقامي الذي قام به ألخليفة المتوكل سنة 234هـ, قد مكن أهل الحديث (السنة والجماعة) ووفر لهم الجو من التفرد بكتابة الحديث أو تدوين الإسلام. أي كتابة تصورهم ألمفهومي الخاص للإسلام, ثم طرحه باعتباره الطرح الإسلامي الملزم. ففي غضون الفترة المباشرة التالية للانقلاب السني, فرغ أهل الحديث من تفعيل النص النهائي للسنة سنداً ومتناً, فظهرت كتب الحديث الستة الشهيرة وهي : (صحيح البخاري المتوفى سنة 256 هـ. وصحيح مسلم . المتوفى سنة 262هـ . وكتاب الحديث لإبن ماجة المتوفى سنة 273هـ. وسنن أبي داوود المتوفى سنة 275هـ. و كتاب الترمذي المتوفى سنة 279هـ. وكتاب النسائي المتوفى سنة 303). وقد اكتسبت كتب الحديث هذه وخاصة مسلم والبخاري صفة المصداقية المطلقة في كل ما ورد فيهما من حديث, كما سيتبين لنا لاحقاً من هذا البحث.

أما مسألة عملية التدوين على مستوى الفقه السني, فقد جاءت مع الشافعي كما بينا في موقع سابق, حيث قلنا بأنه هو من أسس لأصول الفقه السني, ثم جاء الأشعري المتوفى سنة 324هـ فثبت المنظومة السلفية عبر صياغة كلامية للمفاهيم الأساسية التي طرحتها هذا المنظومة على مستوى المنهج. وفي تلك الفترة من الصراع بدات تؤلف أيضاً أهم كتب الجرح والتعديل التي وضعها أهل السنة والجماعة, فراحوا عبرها يُقَوِمُونَ أخلاقياً ومعرفياً كل من خالف أهل الحديث من المعتزلة والشيعة, أوكل من قال بالرأي وحرية الإرادة. فكان اقل ما قيل بحقهم : أنهم ضالون. (53).

*************
كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر..23 يوليوز 2014

الموافق 25 رمضان 1435