انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة كان أول تقييم علني وشجاع للعمل الحكومي وأول إدانة مدوية وساطعة الوضوح لمشروع هذه الحصيلة التي كانت متوقعة

السيدان الرئيسان المحترمان،
السيد رئيس الحكومة المحترم،
السيدات والسادة أعضاء البرلمان المحترمون،
السيدات والسادة الوزراء المحترمون،

يسعدني أن أتدخل باسم الفريق البرلماني الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلسي النواب والمستشارين لمناقشة عرض السيد رئيس الحكومة حول الحصيلة المرحلية لعملها والذي قدمه أمام مجلسي البرلمان في 10 من رمضان 1435ه الموافق ل 8 يوليوز 2014م .

تحية لصمود الشعب الفلسطيني أمام العدوان الإسرائيلي الغاشم

السيدان الرئيسان؛
قبل الشروع في مناقشة حصيلة العمل الحكومي، نغتنم هذه المناسبة لنحيي صمود الشعب الفلسطيني أمام العدوان الإسرائيلي الغاشم الذي خلف ما يزيد عن 300 شهيد وآلاف الجرحى أمام مرأى ومسمع المنتظم الدولي والقاري والإقليمي، بما في ذلك جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي. ونسجل باعتزاز كبير المبادرة الملكية السامية القاضية بمنح مساعدة إنسانية عاجلة لسكان غزة بقيمة خمسة ملايين دولار.

إننا في حزب الاستقلال نجدد التأكيد على رفضنا المطلق لهذا العدوان الغاشم الذي يجسد إرهاب الدولة بكل تجلياته ونندد بمختلف أشكال العنف والعمليات الإرهابية أينما وجدت ومن أي جهة كانت.

استقرار المغرب

السيدان الرئيسان،
لابد في البداية من الإشارة بنوع من الاستغراب وبكثير من الاستهجان، إلى أن السيد رئيس الحكومة لازال يصر على ترديد لازمته التضليلية في الحديث بنوع من المن السخيف عن استقرار المغرب.

فالسيد رئيس الحكومة – الذي تعوزه الإنجازات – ، يريد أن يقحم حكومته في نجاحات، هي بريئة منها براءة الذئب من دم يوسف، وهو يعلم علم اليقين، أن الاستقرار الذي ينعم به المغرب لا يمكن إدخاله في بنود حصيلة العمل الحكومي، ولا أن يعده من منجزات حكومته، بل على العكس من ذلك، فالاستقرار الذي ميز الله به هذا البلد الأمين، هو الذي جاء بهذه الحكومة، وأن النضال الطويل والمسؤول للقوى الوطنية الديمقراطية والمؤسسة الملكية، هو ما جعل نعمة الاستقرار خاصية مغربية بامتياز، حيث تعد حكومتكم حصيلة ونتيجة له وليس العكس، وأن القوى الوطنية الديمقراطية وفي طليعتها حزب الاستقلال، لم تتعامل مع الوطن بمنطق المن، بل من منطلق الواجب والغيرة القائمة على الوطنية الصادقة .

إن جميع المغاربة يعلمون الأجندات الدولية التي تحركت في محاولات فاشلة لبت الفوضى وزرع الفتنة، ويعرفون التيارات المعنية بهذا الحراك من المحيط إلى الخليج، ومن كان يظهر في الواجهة أثناء التظاهرات، ومن كان يهيج الشارع من الباطن بيد، ويساوم بيد أخرى، ويعلمون أيضا مصدر الاستقرار الذي ينعم به وطنهم، ويعون تمام الوعي قيمة التلاحم التاريخي بين العرش والشعب، ومفعول الأوراش الاستباقية الكبرى، كورش تنزيل المفهوم الجديد للسلطة، وورش الإنصاف والمصالحة، وورش المبادرة الوطنية التنمية البشرية، وأوراش التجهيزات الأساسية الكبرى، ومدونة الأسرة وغيرها، وينظرون بعين الإكبار إلى دور حكومتي المجاهدين عباس الفاسي وعبد الرحمان اليوسفي، ويقدرون نضالات القوى الحية في البلاد، التي دفعت إلى تحريك عجلة الإصلاحات مع الحيلولة دون وقوع البلاد في براثين الفوضى، أو محاولة تحويل الوطن إلى رهينة لخدمة مشروع سياسي ودعوي بأجندات و ولاءات تتجاوز حدود الوطن، حيث الانتصار للانتماء الإيديولوجي الأممي، على حساب الانتماء للوطن ولمصالحه العليا.
وحين كان الاستقرار يُرخي سدوله على الوطن، ويغطي بضلاله ربوع البلاد، لم تكن حكومتكم السيد الرئيس شيئا مذكورا، وكان تجاوب الشعب المغربي مع خطاب 9 مارس في جو من الاستقرار والترحيب، وتم إعداد الوثيقة الدستورية في جو من الاستقرار ومن التعبئة الشاملة، وتم الاستفتاء على الدستور في جو من الاستقرار والمشاركة الواسعة، وتمت الانتخابات التشريعية في جو من الاستقرار والنزاهة المعترف بها دوليا ووطنيا، وهي نفس الانتخابات التي قادتكم إلى سدة الحكومة باختصاصات لم تتوفر لأحد من قبلكم.. ولهذا فالاستقرار حجة عليكم، وليس حجة لكم.
وهكذا يتبين من الكلمات الأولى، ومن مدخل خطابكم السيد رئيس الحكومة، أنه خطاب من لا يتحرى الموضوعية، ولا يعرف لغة الشفافية، خطاب من تزعجه وتؤرقه الحقيقة، وخطاب من يتهرب من المرآة، ويتخفى وراء ورقة الاستقرار، ويتحجج خارج حدود المنطق، بسياقات وصفها مرة بالمتقلبة ومرة بالاستثنائية، وأوضاع نعتها بالصعبة، وهو ما يجعل من خطابكم خطابا مكررا، لا يتجاوز الخطابات الاستهلاكية، خطابا عديم الجدوى والفائدة، لا يثير الرغبة في الكلام، ولا يفتح الشهية للنقاش، خطاب كتب بأسلوب لا يمت بصلة إلى الأسلوب العلمي الدقيق والواضح الذي يجب أن تُصاغ به الحصيلة، فالعديد من فقراته تدخل في باب السماء من فوقنا…، وتدخل العديد من مضامينه في باب المعلوم من الدين بالضرورة، خطاب غير متوازن: إطناب في ناحية، وسرد عناوين في ناحية أخرى، وصمت مطبق على أمور حيوية في ناحية ثالثة.

خطاب يتحدث في معظم أجزائه عن سياقات وظرفيات وإكراهات يجلبها من تاريخ ما قبل ميلاد الحكومة، و يؤثث واجهة الحصيلة بالوعود والمتمنيات والمستقبليات التي لم تحصل بعد، والتي لا يمكن مناقشتها في إطار الحصيلة المخصصة بالضرورة إلى ما تم إنجازه عند منتصف الولاية، خطاب تتكرر فيه عبارات «ستعمل الحكومة» « ستحرص الحكومة» «ستقوم الحكومة» عشرات المرات.

خطاب يفر من الحيز الزمني المعني بالحصيلة، ويلوذ بالآفاق، «كأفق 2020» التي مكانها الطبيعي هو التصريح الحكومي و البرنامج الحكومي، وليس الحصيلة. خطاب وحصيلة من هذا القبيل «إثمهما أكبر من نفعهما» يكرسان لواقع حكومي بئيس بكل المقاييس، وهذا شيء يؤسف له.

تطبيق المادة 101 من الدستور

السيد رئيس الحكومة؛

لقد اخترتم أن ترفعوا عنكم وعن حكومتكم العتب، بخصوص تطبيق المادة 101 من الدستور، والواقع أنكم حتى على مستوى صياغة الحصيلة كإنشاء من الناحية المنهجية، صادفتم مجددا الفشل، فجاء خطابكم باردا بدون أرقام ولا مؤشرات ولا نسب تقيس وعود التصريح الحكومي وما تحقق منها على أرض الواقع، والأكثر أهمية من كل ذلك والمثير للشفقة فعلا، أنكم أعفيتمونا من مناقشة حصيلة العديد من القطاعات الحكومية، لأنكم ببساطة فضلتم – كعادتكم – أن لا تغادروا جُبتكم الحزبية، حيث اقتصرتم في الغالب على القطاعات الوزارية التي يقودها وزراء من حزبكم، لتُؤكدوا مجددا للرأي العام ما سبق وأن وصفناكم به في تشخيص موضوعي، بأنكم غارقون في الانتماء الحزبي الضيق، وأنكم بعيدون كل البعد عن سلوك رجل الدولة، وأنكم تشعروننا دائما بأن الانتماء للجماعة والحزب، أهم من الانتماء للوطن، بل حتى في الموت، شاهد المغاربة كيف لم تكلفوا أنفسكم عناء تقديم العزاء وعيادة الجرحى والمصابين في فاجعة بوركون بالبيضاء، بينما عندما تعلق الأمر بوفاة طالب من جماعتكم – رحمة الله عليه – سارعتم إلى بيت العزاء..

السيد رئيس الحكومة، لم تقدموا حصيلة تستحق أن تكون موضوع مناقشة في مؤسسة دستورية على درجة كبيرة من الأهمية كمؤسسة البرلمان، حيث كنا نأمل أن تكون العلاقة بين المؤسسات الدستورية مبنية على الاحترام، وأن يتجلى هذا الاحترام في جودة ما يتم تقديمه للمناقشة تحت هذه القبة، سواء كان صادرا عن الحكومة أو عن البرلمان، والواقع أن ما قدتموه في ثوب الحصيلة لا يعدو أن يكون إنشاء لا تربطه رابطة مع ما قصده المشرع الدستوري في المادة 101 من الدستور، كما أن نسبة مشاهدة المواطنين لخطابكم لم تتجاوز 5 في المائة، وهو ما يعكس جيدا أن المغاربة يعرفون بأنكم بدون حصيلة..

إن حكومة كحكومتكم لا يمكن أن تكون فعالة، وهي التي تعاني من الهشاشة، وضعف الانسجام، ومن عقدة الإصرار على الخطأ، ومن التضخم غير المبرر في عدد أعضائها – علما أننا في حزب الاستقلال طالبناكم بتقليص عدد أعضاء الحكومة ولم تفعلوا- ، هي التي تشكو من التخمة في عدد التابعين لوزرائها، وتكرس النظرة الدونية للمرأة وعقلية الوصاية عليها بتعيين وزيرات منتدبات لدى وزراء ذكور، ربما «حسب مفهومكم الشخصي للمرأة» لمجرد تزيين البيت الحكومي ببعض «الثريات» وهذا الفهم القاصر لم يعد خاصا بكم، بل إن وزيرتكم في التضامن والأسرة والتنمية الاجتماعية المفترض فيها الدفاع عن النساء، هي أول من يسخر منهم والأمر من كل ذلك، هو أن سخريتها كانت بمناسبة تبرير تدني مشاهدة خطابكم حيث علقت على ذلك بقولها « المتعلمون يذهبون لصلاة التراويح ومن يشاهد التلفزة هم فقط النساء والخادمات «…فهل ننتظر حصيلة من مثل هؤلاء الوزراء؟

إن الحكومة تشتغل في ظل غياب برنامج حكومي حقيقي، يُساير ما طرأ من تحولات على بنية الحكومة نفسها، إذ هي فقط حكومة تائهة، تعكس صورة مأساوية، لنوع جديد من أنواع إهدار المال العام، الذي يؤدى هباء منثورا من أموال دافعي الضرائب. ولذلك ليس عجبا أن تعاني هذه الحكومة من الارتباك، ومن بطء وثيرة الأداء، ومن ضعف في الإنجاز، وتصاب بانعدام القدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين وانتظاراتهم، وليس مفاجئا أن تهدر حكومة من هذا القبيل الزمن المغربي الثمين، في رسم الحدود بين القطاعات الوزارية المتداخلة، والاختصاصات المتضاربة، وفي تفاهة جبر الخواطر المتضررة، وفي ارتكاب جنحة التستر على ما يطفو على السطح بين الفينة والأخرى من فضائح، وفي إطلاق التصريحات والتصريحات المضادة، وتأكيد المعلومة من وزير، ونفيها من طرف وزير آخر، وفي مهزلة المس بمصداقية الأرقام الصادرة عن مؤسسات وطنية لا يجوز التشكيك فيها بطريقة تسيء إلى صورة بلادنا وتمس باستقلاليتها، حيث تصر الحكومة على تقديم أرقام لا تعكس الواقع ومبالغ فيها، كما كان الأمر مع المندوبية السامية للتخطيط ومع بنك المغرب.

ولأنه تنقصكم الإنجازات في القضايا التي تهم المجتمع، نعترف لكم « بإنجاز» السرعة في تعيين المقربين في المناصب العليا على شاكلة اقتسام الغنائم، مما خلف موجة واسعة من الإحباط لدى الأطر في مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، ولائحة التعيينات طويلة لا يكاد يخلو مجلس حكومي من التداول الشكلي فيها…بل إنكم سارعتم إلى وضع معايير التعيين في مؤسسات عمومية غير موجودة أصلا ولم تخجلوا في طرحها على المجلس الوزاري، بينما نصوص إحداث هذه المؤسسات لازالت موضوع نقاش في البرلمان، نتساءل عن سر هذه العجلة، وهل وجدتم الإدارة المغربية خاوية على عروشها؟ بل إنكم وبدون خجل، قررتم الانتقام من الأطر و من أبسط الموظفين، لمجرد تشبثهم _ باعتزاز- بانتمائهم السياسي أو رفضهم الانخراط في توجه سياسي معين، إنها عملية تصفية لا يليق بها سوى وصف العار، وهي سابقة في الحياة السياسية الوطنية تعد من ضمن حصيلتكم…

لقد حققتم الإجماع فيما يخص السخط على أدائكم، فالمواطن البسيط يشتكي إلى جانب الأطباء والمحامين والصحفيين والقضاة والموثقين والصيادلة والمستثمرين والطلبة والتلاميذ والعمال والمستخدمين والفلاحين والمهاجرين والتجار والرياضيين والعاطلين والأساتذة في مختلف أسلاك التعليم الأولي والأساسي والثانوي، والحرفيين والأساتذة الجامعيين وسائقي سيارات الأجرة وسائقي الحافلات، والمتقاعدين والمتصرفين والتقنيين، والمهندسين والأطباء البيطريين، والمُؤَمِّنين والممرضين، والبنكيين…باختصار كل فئات المجتمع.

السيدان الرئيسان
إذا أراد السيد رئيس الحكومة أن يعرف وقع الصدمة القوية التي يعيشها الشعب المغربي، وخيبة الأمل المريرة التي مني بها المغاربة في حكومته، ما عليه إلا أن يقارن بنفسه بندا بندا بين الوعود العظيمة التي بشر بها، والأرقام القياسية التي وعد بتحطيمها، والأهداف التي روج لها بحماس مفرط، وأطلقها زورا بكل سخاء وتسرع، حين كان يستجدي بها ود الناخبين، ويتحايل بها على أصواتهم، وبين شح النتائج، وهزالة الحصيلة، وفراغ جعبته من الإنجازات، وخطابه التبريري البارد، وتقديمه الاعتذار والأعذار قبل الكلام، والشكر المخجل للمقهورين على صبرهم، ودعوتهم الصريحة والضمنية إلى المزيد من الصبر.

أليس هذا الشكر على الصبر، الصادر عنكم، وحده كاف للتدليل على اعترافكم بعظمة لسانكم، أنكم جرجرتم الناس إلى المحن، ودفعتموهم إلى ضيق العيش، وأن الحكومة التي تدعون أنها نزلت بردا وسلاما، قد تاجرت في المكتسبات الاجتماعية، وتجاوزت الخطوط الحمراء الشهيرة، وتحولت إلى نافخ الكير الذي ينفث لهيب الزيادات في الأسعار، ويلفح جيوب المواطنين، ويلتهم قدرتهم الشرائية، ويحول حياتهم الهادئة المطمئنة سابقا إلى جحيم اليوم؟

ماذا ستقولون للمواطنين الذين صدقوا وعودكم، واعتقدوا جازمين أن المؤمن إذا عاهد وفا؟
هل ستقول لهم لا قدر الله.. وعدتكم فأخلفت؟

وجودنا هنا، في هذه المؤسسات، ليس لنشكرالناس على صبرهم، ونهنئهم على تحملهم، ولكن لنرفع عنهم المعاناة، ولنجنبهم الحرج، ولنفتح في وجوه أبنائهم أبواب الأمل، ونمهد لهم الولوج المريح إلى المستقبل الزاهر.

التنبيه إلى خطورة الأوضاع

السيد الرئيس؛
وحتى لا يتهمنا أحد اليوم بالتحامل عليكم، أو مجانبة الموضوعية والإنصاف في تقييم حصيلتكم، أذكركم، وأذكر الرأي العام المغربي معكم، أننا تقدمنا لكم بالنصيحة وبالتنبيه إلى خطورة الأوضاع، في إطار تفعيلنا لميثاق الأغلبية، ومن منطلق الحرص على إنجاح التجربة الحكومية، والوعي بأهمية المرحلة، وفي إطار التزامنا بمنهجية النقد الذاتي، التي هي نوع من النزاهة الفكرية التي تهدف إلى التقويم الذاتي، ومراجعة سلوك الذات وأساليب العمل ولتدارك النقائص والثغرات وإدخال التعديلات في الوقت المناسب، وتوجهنا لكم بالاقتراحات البناءة، وقلنا لأنفسنا ولكم نفس الكلام الذي نقوله اليوم، ونحن آنذاك جزء لا يتجزأ من الحكومة، ومكون أساسي لها، في محاولة منا لثنيكم عن أسلوب العشوائية والارتجال الذي تديرون به أشغال العمل الحكومي، ولتدارك ما ضاع من الوقت وتفادي آفة البطء القاتل في وتيرة الأداء، ولدرء عواقب التحرك بدون بوصلة، و الاشتغال في غياب تام للرؤية الواضحة للإصلاحات، وانعدام تام للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الإرادية والمندمجة. ولكنكم تمسكتم بغي التعنت والاستبداد والفردانية، التي تطبع سلوككم، واتبعتم سياسة الأذن الصماء كسياسة جديدة تتفردون بها في «الإنصات» لنبض الشارع، وأصررتم على أسلوب «ما مسوقش» كطريقة أخلاقية للتجاوب مع شركائكم في الحكومة، وتجاهلتم المذكرتين اللتين بعث بهما إليكم حزب الاستقلال خصوصا منهما «مذكرة جهاد الكرامة» التي تتضمن مجموعة من التدابير والإجراءات العملية القابلة للتطبيق، للخروج من الأزمة دون المس بالقدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين. ولهذه الأسباب كان قرار الانسحاب من التحالف الحكومي والتموقع إلى جانب الأغلبية الشعبية المقهورة والمهمشة.
إنه قرار تاريخي تتعزز مصداقيته ومشروعيته يوما بعد يوم، خاصة في ظل هذه الحصيلة المرحلية الهزيلة، والتي لم ترقى قطعا لأبسط تطلعات الشعب المغربي، فبالأحرى مقارنتها ببرنامجكم الحكومي الذي أصبح جزءا من التاريخ.

إن انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة كان أول تقييم علني وشجاع لعملكم الحكومي، وأول إدانة مدوية وساطعة الوضوح لمشروع هذه الحصيلة التي كانت متوقعة، وهو بمثابة النأي بالحزب عن الوقوف أمام الشعب المغربي هذا الموقف المخجل، بعد سنتين ونصف من الانتظار.

فمناضلونا في المجلس الوطني لا يقبلون منا تزييف الوقائع ولا قلب الحقائق، ووزراؤنا لا يستطيعون الانقلاب على مبادئهم، ولا يحسنون تبيض وجه حصيلة هزيلة، تخذل الشعب وتجهز على مكتسباته، وتأزم أوضاعه ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أنوه بأدائهم الإيجابي والمتميز داخل النسخة الأولى لهذه الحكومة، باستثناء واحد منهم، آثر الحكومة على الشعب.

ولهذا السيد الرئيس لا تستغرب إن نحن ثرنا في بعض الأحيان، وتجاوزنا معك خطاب المجاملة، فنحن لا تحركنا إلا غيرتنا الوطنية، ونحن مجبرون أخلاقيا على ذلك، لأننا مدعوون إلى أن نؤسس لثقافة الصراحة، ومنهج الشفافية، كسبيل وحيد، إن أردنا بناء مغرب الديمقراطية، والحداثة، والمواطنة، والكرامة، وحقوق الإنسان، والحكامة الرشيدة، والتقدم الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، والنبل السياسي، والتوازن البيئي. وإن نحن أردنا أن نحافظ لهذا البلد الأمين على رصيده الحضاري، وتميزه الثقافي، وثوابته الخالدة.

الإصلاح في إطار الاستقرار

السيد الرئيس؛
صحيح أن المغاربة اختاروا بقيادة صاحب الجلالة السير في طريق البناء تحت شعار: «الإصلاح في إطار الاستقرار». والاستقرار في هذه المعادلة ليس إلا مناخا ملائما تشتغل في إطاره الحكومة، ويتيح لها الفرصة لكي تقوم بدورها في الإصلاح على أحسن وجه، وفي أحسن الظروف، ولا يبقي لها أي عذر بعد ذلك. ولكنكم افتتحتم كلمتكم بالأعذار، وقفزتم عن الإصلاح، وغضضتم الطرف عنه، واقـتصرتم وأطلتم في الحديث عن مناخ الاستقرار وجعلتم منه صلب ما يسمى بالحصيلة التي تقدمتم بها للبرلمان. ذلك لأنكم تتفادون الاعتراف بالمسارات التنموية التي تم توقيفها، والإقرار بأوراش الإصلاح التي قامت حكومتكم بإلغائها أو التماطل في تفعيلها. وقد أعد إخواني في الفريق لائحة يصعب قراءتها كلها، فعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر منها هذا النزر القليل:

ــ البطء في تنزيل الإصلاح الدستوري، والتعثر في التفعيل السليم للدستور، الذي يعد مفخرة لجميع المغاربة، على الأقل لأنه انبثق لأول مرة بفضل مقاربة تشاركية، واستشارات موسعة، مع مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين والمجتمع المدني والحقوقي، وأفضى إلى وثيقة متوافق عليها؛ فعلى سبيل المثال هناك العديد من القوانين التنظيمية لم ينطلق النقاش حولها وهو ما قدمتموه في مخططكم التشريعي، كالقانون التنظيمي للأمازيغية.

ــ التأخر في وضع أسس جهوية متقدمة حقيقية تعكس مكانتها الجديدة في بناء الدولة كما جاء ذلك في الخطاب الملكي ل9 مارس وكما كرسته الوثيقة الدستورية، جهوية تأخذ بعين الاعتبار الحكم الذاتي كمبادرة ذات مصداقية طرحها المغرب لحل النزاع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية، وأن ما قدمته الحكومة في شكل مسودة للقانون التنظيمي للجهوية المتقدمة، لا يستحضر وضعية الأقاليم الجنوبية للمملكة كما يجب أن تكون عليه، بناء على إلتزامات المغرب الدولية وحفاظا على مصداقية أطروحتنا في قضية الصحراء.

ــ تعطيل مسلسل الانتقال الديمقراطي إلى الملكية البرلمانية التي ينص عليها الدستور، والتي لا تقوم إلا بدور أساسي للبرلمان، وأنتم جعلتم كل معركتكم طيلة سنتين ونصف، في حدود التضييق على السلطة التشريعية ولي عنق النصوص لتحويل البرلمان إلى مجرد غرفتين للتسجيل، لا بوصفه صاحب السلطة التشريعية الأصلية، وهذا يعتبر مسا بالمسار الانتخابي وباختيارات الشعب المغربي ولا يؤسس لممارسة ديمقراطية حقيقية ؛

ــ الفشل في تفعيل الاختصاصات الجديدة لرئيس الحكومة وتوظيفها على الوجه المطلوب، بدل الاقتصار على توظيفها في تعيين المقربين في مناصب المسؤولية.

ــ التماطل والتسويف في الحوار الاجتماعي؛

ــ التضييق على العمل النقابي وقمع الاحتجاجات السلمية؛

ــ تعثر إصلاح التعليم مع هذه الحكومة، كما أشار إلى ذلك الخطاب الملكي في 20 غشت المنصرم؛

ــ تعثر إصلاح منظومة التقاعد، التي أعدتها الحكومات السابقة ولم تستطيعوا إضفاء لمستكم عليها، وفق ما يقتضيه التطور الطبيعي للمجتمع؛

ــ اختزال إصلاح نظام المقاصة في رفع الدعم عن المواد الأساسية، بدون أي مقاربة إصلاحية شاملة، وكان من الأجدر بالحكومة البدء بتحسين حكامة نظام المقاصة، والتخلي عن كل الامتيازات والريع، وتقليص هوامش ربح المتدخلين إلى مستوى معقول، من خلال مراجعة شاملة لتركيبة أسعار المحروقات وغاز البوطان؛

ــ انطلاقة متعثرة للحوار الوطني حول المجتمع المدني، بسبب إقصاء عدد من جمعيات المجتمع المدني، ومحاولات تحكم الحكومة في تشكيل اللجنة المكلفة بقيادة هذا الحوار وفي سير أشغالها، والذي انتهى به المطاف في النهاية إلى كونه شكل جديدا من أشكال تبدير المال العام؛