من اعلام تارودانت مع المرحوم إسماعيل بن محمد هرماس الروداني

 

عن الصحيفة الالكترونية تارودانت نيوز

نشر على حلقتين

25 الجمعة  يوليوز 2014

الموافق 27 رمضان 1435

1)…

استقلالي حتى النخاع، وعضو مؤسس لأول مكتب سياسي للحزب بتارودانت بل بالقطر السوسي بعد انخراطه في صفوفه والتزامه مبادئه سنة 1944، بل قبل هذا لأن هذه السنة هي مجرد الإعلان الرسمي عن ميلاد الحزب واعتراف سلطات الحماية الفرنسية مرغمة به ؛ تشبع بأفكار المقاومة إبان تواجده الدراسي بمراكش وأصبح أحد أعضائها البارزين بتارودانت بل بالقطر السوسي، ترفع تعففا عن الإمتيازات المادية والمعنوية التي حصل عليها عدد من المقاومين بالالتزام الفعلي ، والمقاومين بالانتماء والإنتساب بعد الإستقلال ادناها بطاقة المقاوم، رغم كونه داق مرارة السجن بدون موجب ادانة ثابتة، حيث كانت أول تهمة واهية هي الاحتفال بذكرى عيد العرش في 18 نونبر 1953، نظرا لتوقيف هاته الاحتفالات من طرف سلطات الاحتلال بسبب تنصيب محمد بن عرفة ملكا على البلاد بعد نفي محمد الخامس وعائلته يوم 20 غشت من نفس السنة، كذلك الإعتقال مرارا بدون وجه حق بسبب تبنيه أفكار وطنية لا تتماشى و سياسة سلطات الحماية الفرنسية بالمغرب، وهو لازال طالبا بجامعة ابن يوسف بمراكش؛ كما أبت عليه شهامته بعد الاستقلال بيع الذي يبقى بالذي يفنى بعرض من الدنيا وهو قاض مفوض، اُمر بأمر إلاهي أن إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، فما وهن لما اصابه جراء قناعته العقائدية وما ضعف وما استكان بسبب الضغوطات والتدخلات الحزبية، مستبشرا بنعمة من الله وان الله لا يضيع اجر المحسنين، في مرحلة اتخذ كثيرون الههم هواهم، مع علمهم أن لا خير في كثير من نجواهم الا من امر بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس، هي معايير ومبادئ وقناعات تحدد المكافح المنافح بضمير أخلاقي وطني، وبين الذي ينطوي على نفسه وقت الشدائد ويستكين لنفسه وينزوي في ركن تستهلكه مشاغله الذاتية الى حين… هي كذلك مقاييس في فئة المقاومة بين من ابتلي في ماله ونفسه وبين من جنح للمهادنة وصاحبته السلامة الى حين …
نسب العائلة متجذر جدا في المدينة ومن الأسماء التي لها ذكر في الحوالة الحبسية لتارودانت ، وهو أمر غريب يدعو للتساؤل، كيف لهذا الاسم أن يدخل الحوالة الحبسية من دون بقية الأسماء المشهورة والمعروفة بتارودانت ؟؟؟ لولا ما عرف عن الأجداد، رحمة الله على الجميع، من سمعة حسنة ووجاهة معرفية وأخلاق دينية وتفقه في العلوم الشرعية، هو ما يفسر تواجد فريضة ميراث الحاج سعيد بن علي هرماص القاطن وقتها بحومة سيدي ياسين، الفريضة سجلت بحوالة أحباس تارودانت سنة 1308هـ ، كما توجد بنفس الحوالة وثيقة عدلية أخرى ذكر فيها اسم ” ورثة سي علي هرماص” يرجع تاريخها الى 23 محرم الحرام سنة 1226هـ أي قبل 200 سنة وزيادة ، الأمر الثاني هو كون الناس عامة مند القدم يتعارفون نسبا بصيغة الإسم المزدوج : فلان بن فلان مع زيادة تعبير : الغني عن التعريف، وإلا ينسب الى مكان ولادته أو سكنه، ولم يشرع في تسجيل الاسم العائلي إلا مع وضع نظام الحالة المدنية المغربية أواخر الستينات من القرن الماضي.
ولد المرحوم القاضي اسماعيل بن محمد بن سعيد بن علي هرماس سنة 1928 بحومة سيدي ياسين – فوق الحفرة – درب الأندلس بتارودانت حاضرة سوس العالمة، بدأ مساره التعليمي بكتاب مسجد أيت قاسم نواحي تارودانت حسب رواية شفوية للحاج بومهدي جلال قرينه في الكتاب القرآني، الذي لم يكن ليقنعه ويلبي طموحه وتطلعاته التعليمية ؛ الشيء الذي دفعه لشد الرحال في سن مبكرة حيث التحق بكلية جامعة ابن يوسف بمراكش ثاني العدوتين العلميتين وقتها بالمغرب بعد الجامع العامر القرويين بفاس، كان يرأسها يومئذ المرحوم الرحالي الفاروقي وهو خامس رئيس لها، وطني عنيد للاستعمار بعد نفي السلطان محمد بن يوسف ما جعل طلبة الجامعة ينظرون إليه معلما تربويا ونموذجا أبويا، هناك عمق المرحوم اسماعيل تكوينه ووسع مداركه الأدبية والعلمية ، كما مكنه تواجده بمراكش من نسج علاقات التزاور وأخوة الجوار الدراسي بكلية جامعة ابن يوسف، فترة شكلت فسيفساء شخصيته الحازمة مع رفقاء من العيار الثقيل في النضال والوطنية، منهم المصطفون في خندق المقاومة الشرسة، نذكر منهم محمد البصري الملقب بالفقيه ومولاي عبد السلام الجبلي والسوسي محمد بن سعيد الشتوكي/ ايت ايدر ومحمد بن البشير بن بوراس الفيكيكي ومحمد الحبيب الفرقاني وعبد الله ابراهيم الذي يعتبر من علماء مراكش الذين ساهموا في تأسيس كتلة العمل الوطني وحزب الاستقلال لما كانوا طلابا بجامعة ابن يوسف بمراكش / مجلة جامعة ابن يوسف عدد 3 -2004 ص 207 ، والصديق الحميم ابن البلد الذي كان يتابع مسلك علمي محض بثانوية ……… البروفسور سي عبد القادر التونسي عميد اطباء مستشفى ابن سيناء حاليا وغيرهم ممن انتدبوا ضمائرهم ووهبوا حياتهم خدمة لله ، وفداء للوطن والعرش بصدق وأمانة.
يشار أن الكتلة الوطنية تقدمت الى المقيم العام الجنرال نوكيس بالرباط في اكتوبر 1936 بمطلب لإصلاح التعليم، ولما ظهر تلكأه بادر المغفور له السلطان محمد بن يوسف بعد ثلاث سنوات بإصدار ظهير 1939 أضفى على جامع ابن يوسف صبغة الجامعة بالمعنى الحديث للكلمة، وتحقق المطلب بداية اكتوبر من نفس السنة، وأصبحت تتوفر على نظام داخلي وتحديد المقررات والبرامج والمناهج في الشعبتين الأدبية والشرعية، تتوج الدراسة بشهادة العالمية تمنح لصاحبها صفة العالم معترف بها وطنيا ودوليا/ انظر مجلة جامعة ابن يوسف العدد 3 سنة 2004 صفحة102-103.
1937 حل بسجن تارودانت بعض الوطنيين يتقدمهم المقاوم الكبير عبد الله ابراهيم مع مجموعة من علماء مراكش بعد اعتقالهم ونفيهم لقضاء ثلاثة أشهر سجنا نافدا مع الأشغال الشاقة ( شق الطرق بغابة الوطنيين وتنظيف مجاري الواد الحار) حينها لاقوا تعاطفا وتضامنا مجيدين من لدن سكان تارودانت البسطاء خصوصا الحرفيون ؛ فأسرها عبد الله ابراهيم في نفسه ولم يبدها لهم حتى سنة 1950 وثم اختيار بعض الوطنيين اليوسفيين (طلبة جامعة ابن يوسف ) لإجراء تكوين ونقل التجربة لباقي المدن المغربة كل حسب موطن ولادته، أطره عبد الله ابراهيم شخصيا حول مجال تأسيس الجمعيات المهنية والتعاونيات الحرفية لخلق تكتلات أمناء الحرف لمواجهة غطرسة الاحتلال بإعلان الإضراب وقت الحاجة وتوحيد الكلمة ورص الصفوف، وضمن الذين وقع عليهم الاختيار بل تمت المناداة عليه عن قصد ليخضع للتكوين المرحوم اسماعيل هرماس ليتكلف بنقل التجربة الى تارودانت .
يذكر أن أزمة 1953 التي كان باشا مراكش التهامي الكلاوي بطلها الرئيسي ، قد بدأ الإستعداد لها عمليا قبل ذلك بثلاث سنوات، لأنه في 1950 قرر بدأ مسيرته بالقضاء على الحركة الوطنية في جامعة ابن يوسف، لما بدا له أنها تضم خلايا وطنية بإمكانها التأثير سلبا على الجهود التي كلف للقيام بها، نظرا لما للحركة من تأثير على الشارع المراكشي، كما تُكون تجمعا وطنيا يضم عناصر من مختلف مناطق المغرب كمحمد بن البشير بن بوراس الفيكيكي من الشرق وعمر البيضاوي من المنطقة الوسطى ومحمد بن سعيد الشتوكي- أيت يدر- من الجنوب وغيرهم كثير، فبدأ يستدعيهم حينا ويهددهم حينا آخر، لكن المجموعة فطنت لحيله مما جعلها ترص الصف وتعقد اجتماعاتها من حين لآخر خارج الجامعة في سرية تامة، وتربط الاتصال بخلايا جامعة القرويين بفاس، لدرجة بدأ بين الخليتين المتنورتين فكريا تنافس تحدي سلطة القمع والجهر بالظلم ونبد الإستعباد والاستبداد؛ في أحد الأيام نظم اليوسفيون فجأة مظاهرة صاخبة احتجاجا على ابعاد بعض رفاقهم من مراكش الى مناطقهم الأصلية واعتقال الآخرين، خرجت المظاهرة من رحم جامعة ابن يوسف جابت بعض الدروب والأزقة القديمة بمراكش وصولا الى قصر الباشا الكلاوي، لما أدخلهم بعض الخدم المكلفين بالحراسة، أمروهم بانتظار الباشا قبالة قبة الستينية، ليخرج عليهم رفقة مساعده الحاج ادار الذي كان يحمل بندقية رشاش، فصاح في وجههم ” أش هاد الروينة دايرين؟؟؟ ” فرد عليه الطالب العياشي السرغيني بتحد ” أضربنا تضامنا مع اخواننا في القرويين !!! ” في رواية أخرى ” أش بغاو هاد الناس ؟؟؟ ” فأجابه أحد الطلبة ” أضربنا تضامنا مع طلبة فاس !!!” هنا ثارت ثائرة الكلاوي واستشاط غيظا وغضبا فأجابهم ” ألا تعلمون أن فاس يحكمها الباشا الجامعي أش جابوا لعندي لمراكش، ألا تعلمون أن كلمة فاس عندي من نواقض الوضوء ” لأن بين الباشان تنافس الحظوة عند سلطات الإحتلال، فانتزع الرشاش من يد الحاج ادار، فترجاه هذا الأخير أن لا يفعل، وبإشارة يد منه بدأت سياط وهراوات الجند والخدم تنهال عليهم من كل اتجاه، لما هبوا للخروج هربا بجلودهم وجدوا الباب الذي دخلوا منه قد أغلق دونهم وعليه حراسه ليبقوا محتجزين حتى آخر المساء، لما عاد المرحوم اسماعيل هرماس الى غرفته بجامعة ابن يوسف وجدها قد نهبت عن آخرها كذا بقية غرف الرفاق اليوسفيين، كان ذلك ثمنا غاليا من إحتجازهم وجلدهم، وضاعت منه عدة مخطوطات ثمينة وكانت وقتئذ من ضمن ما يتلهف على اكتنازه القواد والباشوات وبعض مسؤولي الاحتلال، وعدد من الكتب حملها معه من تارودانت للدراسة ،،، هذا ما جعل القسم الأول من الشهادة الثانوية من كلية ابن يوسف في اسم الطالب اسماعيل بن محمد هرماس الروداني مؤرخة في 16 ربيع2 عام 1369 موافق 4 ابراير – هكذا كتب – سنة 1950 سلمت له في سنتها، بينما القسم الثاني من الشهادة الثانوية من كلية ابن يوسف – العالمية – لم يتسلمها إلا سنة 1963 عوض 1953.
شهادة العالمية كان يتم تحضيرها في المغرب بجامعة القرويين بفاس أو جامعة ابن يوسف بمراكش فقط، وتعتبر سدرة المنتهى في التحصيل العلمي النظامي الأدبي والشرعي، فيطلق على حامل شهادة القسم الأول اسم” العالم”، وحين يحصل على شهادة القسم الثاني يصبح “علامة” ويجمع له الإثنان في تسمية واحدة هي ” العالم العلامة ” الحاصل على شهادة ” العالمية ” ويوازيها في النظام الجامعي الأكاديمي الحالي ” الأستاذ” ثم “الدكتور” فنقول تشريفا وتقديرا لحاملها ” الأستاذ الدكتور” ؛ سجل التاريخ الحديث أن السلطان محمد بن يوسف بعد إصداره مرسوم إصلاح التعليم الذي طالبت به كتلة العمل الوطني، حضر حفل تخرج أحد الأفواج من الحاصلين على الشهادة العالمية ، فأعجب بمناقشة أحد طلبة القرويين يدعى عبد الهادي بوطالب، حيث طلب من لجنة المجلس التحسيني أن تسلمه شهادة العالمية ليوقعها له السلطان بيده، الشهادة العالمية مكنت بوطالب بعد مدة قصيرة من أن يصبح أستاذ للمرحوم الحسن الثاني باقتراح من والده السلطان محمد بن يوسف، ليفتح له بعدها مسار تاريخي ومسيرة عمر قوامها ” نصف قرن في السياسة” وهو عنوان كتاب عبارة عن استجواب مع بوطالب أورد فيه هذه المعلومة، الكتاب ضمن منشورات الزمن طبع في أكتوبر 2001 ، فهل نفس الشهادة العالمية التي حصل عليها أيضا الوطني المقاوم اسماعيل بن محمد هرماس من جامعة ابن يوسف بمراكش لم تكن كافية لتصبح حصانة وظيفية ؟؟؟
عين المرحوم قاضيا متدربا بمحكمة الحاكم المفوض بتارودانت في 3 نونبر 1956، أي ثمانية أشهر بالضبط بعد الإعلان المشترك بين الحكومة الفرنسية وجلالة المغفور له محمد الخامس عن نهاية عهد الحجر واستقلال المغرب. في تلك اللحظة كان المغرب في أمس الحاجة لسواعد جميع أبنائه وأحوج ما كان للطبقة المثقفة وأصحاب العقول المتنورة، لم يكن التعاطف الحزبي ولا ماضيه السياسي ونضاله في صفوف المقاومة ليؤثرا على استقلاليته وتجرده ونزاهته في اتخاد التدابير الوقائية أو القرارت الإجرائية وانتهاء بتطبيق المساطر القانونية وإصدار الأحكام القضائية ، في فترة حرجة جدا صادف تعيينه خروج المغرب المستقل من مخاض عسير وبداية تجربة مريرة ، لأن مؤسسات الدولة الحديثة العهد بالإستقلال التي شكلت قطار المغرب ، قاطرته هي حزب الإستقلال صاحب النفود والمنتسبون له أصحاب كلمة قوية وحصانة حزبية فولادية . هذه المرحلة تعتبر نقطة تحول ومحطة وقوف ومفترق طرق ، حتمت على المرحوم اسماعيل هرماس سنوات معدودة بعد تعيينه ، التوقف الإضطراري لمراجعة تطلعاته التي آمن بها وندر حياته من أجلها وناضل على قبلها في صفوف الحزب في فترة السر والعلن ، أهم تلك التطلعات إستقلالية القضاء باعتباره أقنوم العدالة الإجتماعية ، وأحد المبادئ الأساسية التي تشبع بها في أحضان المقاومة وحزب الإستقلال ابان فترة الحماية .
بعد سبع سنوات من الحياة المهنية في سلك الوظيفة العمومية كقاض كفؤ ونزيه بشهادة رؤسائه المباشرين السابقين، واعتراف المفتشين الجهويين لحزب الإستقلال لنفس الفترة باكادير وناحيته – اقليم اكادير وطرفاية – ، كونه “وطني مخلص ونزيه”، تنقل المرحوم القاضي للعمل بعد تارودانت في محاكم القطر السوسي بكل من مدن تزنتت وبيزكارن وانزكان واكادير ( المحكمة الإقليمية) التي حولت مقر عملها الى تارودانت بقسارية التيوتي ساحة تلمقلات إثر فاجعة زلزال مدينة اكادير في 29 فبراير 1960 ؛ في هذه الفترة الحرجة من تاريخ المغرب عامة وسوس خاصة كلف من قبل النيابة العامة للبقاء بانزكان مكلف بالتأشير على رخص الدخول الى المنطقة المنكوبة laissez-passer بعد تطويقها بالجيش لمنع عمليات النهب والسرقة ووضع نقطة المراقبة عند المرور بقنطرة وادي سوس / ايت ملول حاليا ، بعدها استفاد المرحوم مع كل انتقال من الترقية المهنية. أمام استماتته القوية للمبادئ الوطنية وقناعاته الشخصية المعلنة حزبيا، عبثا حاول إفهام بعض مناوئيه، السياسيين على الخصوص ، الذين يعتبرون سلطة الحزب أقوى من سلطة القضاء ، فيما المرحوم المقاوم القاضي يرى عكس ذلك ، كون مبدأ استقلالية القضاء يحتم عليه التجرد وعدم التدثر لا بميدعة الحزب ولا بعباءة المقاومة ، توخيا لإحقاق الحق في القضاء وتكريس العدالة الإجتماعية كتشريع إلهي قبل أن تكون مطلبا أجمعت عليه كل القوى الوطنية والسياسية إبان فترة الحماية الفرنسية بالمغرب وبعد انجلاء عهد الحجر وبزوغ فجر الحرية .
في شهر يوليوز 1961 بدأ يتداخل الشأن الحزبي بالقضائي ، لتختلط الألوان وتتشابك الخطوط وتتعقد الخيوط ؛ بدأت عملية شد الحبل والتدخل في استقلالية القضاء وجعل سلطة الحزب أقوى من سلطة القضاء عن طريق إملاءات مفتش الحزب بالناحية للتأثير على سير القضاء بل التدخل في مسطرة العدالة ، هذا إضافة الى ظروف عمل مشحونة مع الرؤساء المباشرين خلاف نظرائهم الستة السابقون والذين عملوا على تزكية عمل المرحوم اسماعيل كقاض كفأ ونزيه استفاد في تلك الفترة ثلاث مرات من الترقية . وغريب أن تجتمع الصدف السيئة دفعة واحدة سالكة غاية بعينها لتتفق على نفس الهدف ؛ والأغرب من ذلك أن جملة مآخذ واتهامات بخصوص مساطر سير العدالة وجهها مفتش حزب الاستقلال وقتئذ للقاضي المقاوم في كتاب/رسالة رسمية ، كان الأولى أن تصدر عن الرؤساء المباشرين باعتبار ذلك أولا شأن داخلي للمحاكم ثانيا كون مهمة الرؤساء الأولى هي مراقبة مدى تطابق الأحكام التي يقضي بها القضاة مع التشريعات المعمول بها عموما ، مما يبين بالواضح والملموس قوة حزب الاستقلال ونفوذ بعض أعضائه الذين يريدون قضاء استقلالي عوضا عن استقلالية القضاء، ؛ مراقبة مدى تطابق الأحكام بالتشريعات كانت موضوع مراسلة من النيابة العامة بتاريخ 8/8/1960 عدد 318 في موضوع لعب القمار حيث لوحظ أن العقوبة المحكوم بها – شهرين -لا يتضمنها أي قانون وأن الفصل 75 من القانون الفرنسي ينص على غرامة فقط، ليجيب القاضي اسماعيل أن قضايا القمار يطبق فيها ظهير 14 مارس 1914 المتم بظهير 10 فبراير 1917 ليتساءل هل يمكن الحكم طبقا للقانون الفرنسي مع وجود نص مغربي؟؟؟ يُذكر أن رئيس النيابة العامة ورئيس المحكمة الإقليمية زارا سابقا محكمة القاضي المفوض، وفتشا في حيثيات هذا الملف بالذات دون سواه ولم يقتنعا الا بإعادة التذكير به كتابة !!! أما على المستوى المركزي فقد ورد بتاريخ 17 اكتوبر 1959 مراسلة من مدير ديوان وزير العدل الى رئيس جمعية علماء سوس باعتبار الأخيرة الجهة المسؤولة والمشرفة على تسيير معهد محمد الخامس بتارودانت، المراسلة تطلب توضيح بخصوص محاضرة نظمتها الجمعية وحضرها المرحوم اسماعيل هرماس حسب ما بلغ الى الوزارة، هذا ما ذكره المرحوم عمر المتوكل الساحلي في كتابه التاريخي المعهد الاسلامي ج 1 ط 1985 صفحة 102 ، الاستفسار يقول كتابة ” حسب ما بلغ الى الوزارة ” مما يعني أن هناك من يترصد ويراقب تحركات المرحوم اسماعيل كافتراض حصل فعلا، وربما ذاك مجرد اشاعة مغرضة ورجم بالغيب كافتراض ثاني، في كلا الحالتين تجدر الاشارة ان المرحوم اسماعيل هرماس يعتبر وقتها عضو اللجنة الثقافية الى جانب محمد عصامي ومحمد بن اسماعيل الاكراري واحمد بن ابريك الواثق الذين سيعرضون مقررات اللجنة على الجمع العام للجمعية التي صادقت عليها بالاجماع في الجمع العام بتاريخ 3 دي الحجة 1375هـ ثم عرضها على الوزارة بحضور مندوب وزارة التعليم الفقيه محمد العمراني، المعهد الاسلامي ج1 ص 69 و 70.
بدأ دق الطبول بمراسلة من صفحة واحدة صادرة عن مفتش حزب الإستقلال باكادير تحمل رقم 34 بتاريخ 14 يوليوز 1961، هي عبارة عن جملة اتهامات ومؤاخذات بخصوص مساطر قضائية على سبيل المثال ـ كما ورد بالمراسلة ـ واختتمت بتشبيه المرحوم القاضي ” بأحد قواد العهد البائد” . أرسلها المعني بها القاضي الى أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب بالرباط تحت إشراف مكتب الحزب بتارودانت ، بعدما رد على مضمونها في جواب من أربع صفحات باسطا كل الحيثيات وما وراء الكلمات وما بين السطور ، حسب مقتضيات التشريع القضائي المغربي، لربما تتدخل اللجنة التنفيذية للحزب لترد مفتش الحزب بالناحية الى رشده . ما يزال المشكل قائما في انتظار الحل، حتى أرسل كتاب ثان الى وزارة العدلية الشريفة يتهم القاضي المقاوم بتعاطي الرشوة ، لكن هذه المرة من دوي القربى الرؤساء المباشرين ( وظلم دوي القربى أشد مضاضة من السيف المهند ) دون أن يعلم بما يحاك له ويدبر في صمت . فورد اليهم من الوزارة تعقيب بضرورة إقامة الدليل ، وعبثا حاولوا عن طريق مسرحيات هزيلة السيناريو رديئة الإخراج ، آخرها إعطاء الأمر الى الشاوش المكلف بمهمة الخدمة بباب مكتب القاضي المقاوم اسماعيل هرماس للذهاب لدى مركز الشرطة والتصريح باطلا بذلك كون القاضي يتعاطى الرشوة ، فرفض رغم تهديده بتسريحه ، وعوضا عن دلك صرح بالمكيدة التي تحاك لصاحبها في الخفاء دون علمه ، لما يشهد به للقاضي من خصال من النزاهة والاستقامة والصدق ثم كتبوا ثالثة الى الوزارة أن القاضي اشترى أملاكا عديدة مند توليه القضاء ، ولما علم أن المكائد تولاها الرؤساء المباشرون نيابة عن مفتش الحزب ، رفض الإدلاء هذه المرة بأية إجابة ، وكاتب الوزارة مطالبا إيفاد لجنة محايدة للتحقيق معه ، فصدر الأمر الى المدعي العام بمحكمة الإستئناف بالرباط للقيام بذلك، والاشراف على البحث في النازلة وهو موضوع الاستدعاء الصادرة عن المحامي العام مجيد بن جلون رئيس النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 9 غشت 1961 سجلت تحت رقم 3459 توصل المعني بها في 19 /8/61 عدد440 ، فأدلى القاضي المقاوم بمجموعة رسوم لأملاك عددها 19، منها ما يعود لمائتي سنة خلت ورثها عن والده باع بعضا منها سنة 1949 و 1960 واشترى عوضا عنها أملاك أخرى ، كما أدلى بعقود عدلية لأملاك أخرى لازالت مشاعة الملكية مع أبناء عمومته ، وكان آخر مسمار يدق له أسفل النعل اتهامه بعدم الكفاءة وسوء السلوك ؛ لما وصل الأمر الى هذا المستوى تيقن القاضي اسماعيل هرماس أن سلسلة تفنيد الادعاءات الباطلة والاتهامات الواهية لن تنتهي الواحدة منها الا لتبدأ الأخرى مما يكلفه وقتا ثمينا في حاجة الى تقديمه خدمة للواجب والضمير المهني الوطني، دفعته هذه المعاناة التي يحركها مفتشو حزب الاستقلال من الخلف لطلب للمثول تلقائيا أمام اللجنة التنفيدية لحزب الإستقلال للدفاع عن نفسه ودحض التهم الملصقة بتلابيبه ، وقيام الحزب بدور الوساطة لدى مسؤولي وزارة العدلية الشريفة ليكونوا على بينة من نزاهته ووطنيته وصدق طويته ونقاء أساريره . لكن جميع الحجج الواقعية والقرائن المادية لم تكن كافية ـربماـ لتمنع صدور رسالة وزير العدل الإستقلالي المراكشي مع كامل الأسف والحسرة محمد بوستة تحمل رقم 622 G.S.M بتاريخ 26 /04/1962 سجلت تحت عدد 40 بتاريخ 5 ماي 1962 بالمحكمة الاقليمية التي حول مقر عملها من اكادير عقب فاجعة الزلزال الى قيساري التيوتي بتلمقلات في تارودانت ، تخبر المعني باتخاذ قرار لوضع حد لفترة تدريبه والتشطيب عليه من مجلس القضاء نظرا لعدم كفاءته وسلوكه مخبرة اياه أنه سيصله فيما بعد ظهير وقرار في هذا الشأن وأن انتهاء عمله محدد في متم يونيه 1962 ، هكذا بعد عدة سنوات مهنية وترقيات وظيفية في سلك العدلية الشريفة تأتي الرسالة وتعتبر القاضي متدربا !!! علما أنه لم يبق متدربا اعتمادا على المرسوم المدرج بالجريد ة الرسمية عدد 2482 بتاريخ 20/05/1960 . ……..

2)…

تكالبت الأقدار المفتعلة في المسار الإداري للقاضي اسماعيل ، فاضطر أواخر ربيع نفس السنة 1962، تجشم عناء السفر الى الرباط كمسلك ادري وسياسي وطرق جميع الأبواب ذات الصلة بالموضوع بحثا عن الحل ـ أو بالأحرى الحق ـ فاتضح له مند البداية أن المسؤولين المركزيين انما يماطلونه الى حين صدور ظهير الإعفاء ، فلم يجد بدا لربح الوقت الميت سوى طرق آخر الأبواب ، باب مكتب يحمل رقم 3 بشارع علال بن عبد الله بالرباط حيث يعمل محام من العيار الثقيل هو الآخر، ومناضل شرس ، ومقاوم فد، اسمه عبد الرحيم بوعبيد ( وعبد العلي بالحاج) الذي تقدم نيابة عن موكله القاضي اسماعيل هرماس ، بمقال أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى للقضاء بالرباط يطعن في قرار وزير العدل و يعيب عليه الشطط في استعمال السلطة ، حيث يقضي بتوقيف المعني والتشطيب عليه….

بموازاة هذا المسلك توجه اسماعبل هرماس بتاريخ 8 ماي 1962 عبر رسالة مفصلة طلبا للانصاف موجهة الى صاحب الجلالة الحسن الثاني مبرزا فيها حيثيات القضية وملابساتها التي لا تستند على أساس واقعي ولا بحث موضوعي، الرسالة بعثت بالبريد المضمون تحت عدد 5927 بتاريخ 11 ماي 1962.

لا غرابة أن يكون القاضي المقاوم إسماعيل هرماس الروداني أول قربان مبدأ استقلالية القضاء ، لكن الأغرب ان تصادف سنة تعيينه 1956 سنة ميلاد القاضي الروداني مولاي حسون جعفر آخر قرابين نفس المبدأ المناضَل من أجله مند نصف قرن وزيادة . هل هو مكر الأقدار أم هما رجال المبادئ الذين يضحون بمناصبهم المرموقة اجتماعيا في سبيل قناعتهم وارضاء لضمائرهم ، خلاف رجال الأفكار الذين يتغيرون بتغير الإيديولوجيات ورجال الأشخاص الذين يتقلبون بتغيير أولي النعمة في مناصب القرار ؟؟؟

خريف نفس السنة 1962، على المستوى السياسي هذه المرة ، إلتأم أعضاء المجلس الوطني لحزب الإستقلال بسوس ، في إجتماع بضغط من أعضاء الحزب الملتزمين والمتعاطفين بتارودانت ونواحيها لمناقشة وتقييم ما آلت إليه وضعية أفراد الحزب بالقطر الجنوبي ، خصوصا بعض أطره المعدودين الذين يعتبرون أطرا حزبية مثقفة ويعول عليها في القيادة وتبني مبادئ الاصلاح ( جل المنخرطين أصحاب حرف ) بعد الصدمات واللطمات الواحدة تلو الأخرى لربما تكون الأخيرة التي يتلقونها من أعضاء الحزب بالرباط بين الفينة والأخرى ، و خرجوا بتقرير مفصل في ثلاث نسخ رفع الى كل من رئيس الحزب بالرباط واللجنة التنفيذية به ومفتشية الحزب لإقليم كادير وطرفاية – التسمية الإدارية القديمة – . طال أمد الانتظار، بقي التقرير بدون جواب، فكان الحل هذه المرة ليس طرق الأبواب ، بل دق آخر مسمار في النعش لتبرئة الذمة و إراحة الضمير ، فكان قرار تقديم إستقالة جماعية لأعضاء المكتب السياسي المحلي لحزب الإستقلال بتارودانت مؤرخة في 2 نونبر 1962 ، ومما جاء في مضمونها ” … وإنه لمن المؤسف أن نرغم أخيرا على اتخاد موقف عجزت السلطات الفرنسية وهي في أوج عزتها فرضه علينا ، فانقدنا اليه آخر الأمر طوعا واختيارا … بعد عشرين سنة قضيناها جميعا داخل صفوف حزب الإستقلال تحدونا الرغبة الصادقة في الإصلاح …”

للتذكير والأمانة التاريخية ، كان القاضي المرحوم اسماعيل هرماس يحضر خارج أوقات العمل الى المحكمة وهي بناية يعود تاريخها الى فترة الحماية الفرنسية توجد بحومة القصبة شيدتها سلطات الاحتلال قبالة تكنة تجردة اللفيف الأجنبي – كانت تسمى تداولا قشلة لاليجو- la légion estrangère، شيدت المحكمة بحجر الصلصال الأصفر، بسواعد وأكتاف المعتقلين من المقاومين الوطنيين المغاربة ، يحضر القاضي يوم الأحد ليس للاشتغال على الملفات ودراستها، بل للقيام بأشغال البستنة ، وقد كان بإمكانه إعطاء الأوامر لمن يقوم بذلك وهم كثر، أسهلهم تنفيذا المعتقلين أو المساجين المتواجدين بالسجن أمتار معدودة عن مقر المحكمة بحومة القصبة ؛ لكن إباءته الأخلاقية ومروءته الوطنية ضمير القضاء بالعدل يأبوا عليه بعضا من كل ذلك وهو المقاوم المخلص المعتقل سابقا بسبب أفكاره الوطنية بنفس السجن ، يأبى إلا أن يقوم شخصيا بغرس شتائل الورد جوار مكتب عمله وأشجار البرتقال بمدخل المحكمة يضعها في الأرض ويسقيها بيديه النظيفتين ، بقيت اشجار البرتقال شاهدة للتاريخ بمدخل المحكمة الابتدائية بحومة القصبة بتارودانت الى حدود سنة 2000 وثم اجتثاثها ، حيث عرف مقر المحكمة المذكور إصلاحات هيكلية خصصت بمقتضاها لقضاء الأسرة.

في إطار مسعى البحث عن مجال للعمل على تكريس المبادئ الوطنية والقناعات الشخصية التي تربى عليها وتشبع بها قدم بتاريخ 7 يونيو 1963 لرئيس اللجنة الادارية بتارودانت طلب الترشيح للانتخابات الجماعية الأولى في تاريخ المغرب المستقل، المزمع تنظيمها وتسلم وصل الايداع بتاريخ 26/6/1963 بصفته محايد غير منتمي / اللون الأزرق مرشح عن الدائرة الانتخابية 20 وهي حومة أكافي مقر السكنى، كان رئيس اللجنة الانتخابية هو المرحوم الوطني المقاوم مولاي عبد الحفيظ الوثير. يشار أنه في فترة الحماية كانت بتارودانت مجالس محلية تشرف عليها سلطات الاحتلال، كان المجلس في تارودانت يتكون من تسعة أعضاء 6 فرنسيين ينتخبون و 2 مغاربة يتم تعيينهم وليس انتخابهم وممثل الطائفة اليهودية يدعى الشيخ مسعود.

بعد القضاء التحق المرحوم اسماعيل بالتعليم في 1/10/1963 كانت الوزارة المشرفة عليه وقتئذ تسمى وزارة التهذيب الوطني والشباب حيث عين بصفته معلم اللغة العربية بثانوية ابن سليمان الروداني وهو من الأطر الوطنية المغربية الأوائل المعدودين آنذاك على رؤوس الأصابع الذين عملوا بالثانوية مع الأجانب الفرنسيين ، ولم يلبث أن غادره لأسباب لا تقل عن ما سبق ذكره، منها التدبدب الذي حصل على مستوى التطبيق لمطالب الحركة الوطنية في مجال إصلاح التعليم ضمنها قضية التعريب التي كانت الكثلة الوطنية ترفعها شعارا، ثم تبناها المجلس الإستشاري المعين أعضائه بظهير من قبل السلطان محمد بن يوسف (1956/1959)، هذا المجلس الذي يعتبر محمد هرماس شقيق المرحوم اسماعيل أحد أعضائه، بل التخلي الكلي أو التراجع النسبي عن مبادئ السياسة العامة التي كانت كتلة الحركة الوطنية تطالب بها، منها مراجعة المناهج بما يجعلها تنسجم مع الأولويات المغربية والروح الوطنية التي ما فتئت تطالب بها سابقا كتلة العمل الوطني ضمنها اصلاح التعليم وربطه بالتكوين التقني المهني و الزراعي. ولهذا السبب بعد عقد ندوة المعمورة من 13 الى 30 أبريل 1964، وهي ثاني ندوة وطنية لاصلاح التعليم بالمغرب ليصل عدد المبادرات مع عشرية التربية والتكوين الأخيرة الى ثمانية دون نتيجة ملموسة، ندوة المعمورة حضرها 300 مشارك يمثلون كل الجهات المغربية، انتدب اسماعيل هرماس لحضور أشغالها ضمن لجنة وفد اقليم اكادير وطرفاية ،حيث تقدم الوفد بمطلب تخصيص اعتماد مالي لبناء مدارس جديدة خاصة مع ولوج الفتاة المغربية مقاعد الدراسة أو على الاقل توسعة تلك الموجودة ببناء أقسام جديدة استجابة للطلب المتزايد على التمدرس، فكان جواب مدير التعليم ……… “انتم بسوس محظوظون تتوفرون على مدرستين كبيرتين – يقصد معهد محمد الخامس1958 وثانوية ابن سليمان الروداني1921 – والوزارة ليس عندها اعتمادات”.

في هذه المرحلة لوحظ أن اثقان اللسان الفرنسي يعتبر الجواز السحري نحو المناصب العليا الشيء الذي أدى بالمعربين الى الخيبة حيث أغلقت السبل أمامهم وتبخرت فرص التسلق الإجتماعي التي حظي بها نظرائهم من المثقفين بالفرنسية ، فالمناصب المهمة يحظى بها أصحاب الشهادات العصرية، ليبقى المعربون على الهامش ومكمن الخطأ هنا هو تحميل الازدواج اللغوي كل الآثام بينما مصدر الداء هو الازدواج الثقافي ، ليستمر التعليم بالمغرب على يد الأطر الأجنبية وما يشكلونه من رمزية فرنسية.

يشار أن في هذه السنة 1963 مر المغرب بلحظات سياسية عصيبة لم تكن لتمر دون التأثير على التعليم ورجاله باعتبارهم بوصلة توجيه ومنارة اتجاه، خاصة الصدى الذي خلفه تأسيس معهد اسلامي على يد مجموعة من السوسيين بتزكية من المجاهد الوطني والتربوي محمد بن يوسف وتموينه بجمع الأعشار واستقطابه للمتمدرسين الجدد بأفواج سنة بعد أخرى ، الى أن قيل للجمعية صاحبة المشروع والمشرفة عليه سنة 1963 كفى !!! من طرف العالم عامل اقليم اكادير وطرفاية، كما قال المرحوم عمر المتوكل الساحلي في كتابه المعهد الاسلامي ج 1 صفحة 98، يعتبر هذا أحد الأسباب التي جعلت المرحوم اسماعيل يعين سنة 1963 بثانوية ابن سليمان الروداني وليس معهد محمد الخامس لسببين متناقضين الأول أن حفل تدشين الدروس بالمعهد الاسلامي ألقيت خلاله محاضرة للعلامة المختار السوسي حضرها عدد من رجال المقاومة الوطنية وقدماء الطلبة اليوسفيين رفقاء الدراسة بجامع ابن يوسف للمرحوم اسماعيل هرماس منهم محمد بن سعيد الشتوكي /أيت يدر ومحمد البصري/ الفقيه وعبد الرحمان اليوسفي، بحضور الفقيه الغازي عن اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال وآخرون. نفس المرجع صفحة 146 ، أما السبب الثاني وهو نقيض ما ذكر أن الشخص الوحيد الذي عمل كمدرس بالمعهد عند انطلاقه رغم كونه من قدماء جامع ابن يوسف هو الحسين وكاك ، بعدها أصبح الانتماء لجامع ابن يوسف وجامع القرويين وهما مهد المقاومة الوطنية موجب عرقلة وقناعة فكرية مشبوهة يجب تفادي الوقوع فيها بدريعة تجنب التسييس الوطني. ص148 .

لما خرج إسماعيل هرماس مرفوع الرأس من الوظيفة العمومية سنة 1968، قرر خوض غمار الفلاحة العصرية (مبادئ الإصلاح الزراعي)، واستثمر لأجل ذلك ذكائه وحنكته وإرثه من والده الذي نازعته فيه الأيادي الخفية لما كان قاضيا ، فكانت أول مرة يبتسم فيها القضاء الإلهي له فيما عزم غير أن القدر عجل به، حيث توفي رحمه الله سنة 1977م وعمره 49 سنة في عز شبابه وأوج فلاحته. ومن بين الذين رثوه الأديب العلامة الحسن البونعماني في مرثية من بحر البسيط تضم 115 بيتا وهي من أروع القصائد بلاغة وفصاحة وأطولها نظما فيما قرضه الشاعر البونعماني، الذي كانت تربطه بالمرحوم المرثي علاقة أخوة جمعتهما عليها مبادئ فكرية وتطلعات وطنية وما هو أعلم به الواحد عن الآخر، أيام كان الحسن البونعماني عامل على اقليم اكادير ويملك سكن بانزكان واسماعيل هرماس قاضي مفوض بنفس المدينة، المرثية بعث بها البونعماني تعزية للحاج محمد هرماس شقيق المرحوم اسماعيل النسخة الأصلية بخط صاحبها طلبها المقاوم الحاج عمر المتوكل الساحلي لنسخها في مؤلف المعهد الإسلامي بتارودانت والمدارس العلمية العتيقة بسوس الجزء الأول طبعة 1985 من صفحة 377 الى 390 ، كما نسخها من الكتاب المذكور كمرجع الدكتور الحسين أفا في مؤلفه القيم ديوان الحسن البونعماني جمع وتحقيق ودراسة طبعة 1996 عن منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية جامعة محمد الخامس بالرباط.
image