بقلم /د.عدنان عويّد

بالرغم من تعدد المفاهيم التي تناولت الثقافة ودلالاتها, حتى كادت أن تتجاوز المئة تعريفاً, بل تجاوزتها, أستطيع أن أدلو بدلوي في هذا المجال لأقول: إن الثقافة في سياقها العام, هي مجموع ما قام الإنسان بإنتاجه في الاتجاهين المادي والروحي عبر علاقته التاريخية مع الطبيعة والمجتمع, مضافاً إليها كل ما اكتسبه هذا الإنسان من مهارات بفعل نشاطه الفردي, أو ما تجذر عنده من قابليات واستعدادات فطرية انطبعت
في جيناته بفعل نشاط
الإنسان التاريخي. وانطلاقاً من هذا الفهم للثقافة, فالثقافة إذاً, تبدأ بالحرف, وبأول وسيلة إنتاجية اكتشفها الإنسان وهي (العصا), وصولاً إلى ذروة الثورة المعلوماتية وأقمارها الصناعية الفضائية.
إن الثقافة في التحليل السوسيولوجي إذاً, هي ثقافة إنسانية, قام الإنسان بإنتاجها, وعمل تاريخياً على تطويرها, وفي كل مرة يقوم بإنتاج عناصر ثقافية جديدة أو تطوير ما قام بإنتاجه, تقوم هذه العناصر- مادية كانت أو روحيه – بدورها أيضاً على تطوير عقل وأخلاق منتجها, وإدراكه وحواسه ومهاراته, فالعلاقة بين عناصر الحضارة والإنسان علاقة جدلية, كل منهما يؤثر ويتأثر بالآخر.
إن الإنسان وفقاً لهذا المعطي هو إنسان ثقافي/حضاري, وانه أثناء وجوده في معطيات حياته أو جوده الاجتماعي, أي أثناء إنتاجه المادي الروحي وما يترتب أو يقوم على هذا الإنتاج من علاقات إنسانية, قد ساهم هذا الوجود أو الإنتاج ذاته في تحقيق اغتراب الإنسان وضياعه المادي والروحي أيضاً في هذا الإنتاج. فالإنسان في قسم كبير من حياته هو مغترب أو ضائع في منتجاته. ألم يصنع هو ذاته ألهته من حجر ويعبدها, أو من تمر يصلي لها وعندما يجوع يأكلها.. الم يصنع الإنسان ذاته النقود لتتحول إلى قوة مادية يباع هو ذاته بها ويشرى..ألم يخلق الإنسان بنفسه آلامه وقهره ومعاناته بفعل صراعه مع أخيه الإنسان حول ملْكِيَةِ منتجاته.. ألم يكتب الإنسان ينفسه قوانين التشريع كي تحل النزاع بينه وبين أخيه الإنسان. ألم يؤلف الشعر والقصة والرواية واللحن

التي أنتجها بنفسه, ثم راح بعض ما أنتج يأخذ حالة التقديس .
نعم .. هذه هي ثقافته التي كونها عبر التاريخ, وهذه هي ثقافته التي أثرت فيه وطورت وبدلت في حياته مثلما طور وبدل بها هو أيضاً. وأخيراً هذه هي ثقافته التي ضاع في منتجاتها وراح من جديد يبحث عن ذاته فيها لِيُكَوِنَ ثقافة أخرى تَصور أنها غير ثقافته… ثقافة من خارج التاريخ . إنها الثقافة ألْعَالِمَة .
الثقافة الْعَالِمَةُ :
هي ثقافة غربة الإنسان وضياعه في منتجاته. إنها الثقافة التي فقد فيها الإنسان ذاكرته التاريخية, فراح يبحث عنها في عصر طفولته الإنسانية وما استجد عليها من أساطير نسج هو مكوناتها الفكرية بما تتناسب مع حلمه في الخلاص وتحقيق السعادة والأمن والاستقرار. فالإنسان في كل دورة حياتية لمعطيات هذه الثقافة, يعيد إنتاج رؤاها الأسطورية وطقوسها ورموزها, كونه يشعر في كل دورة حياتية لها – وغالباً ما تكون سنوية – استعادة جديدة لحياته يتخلص فيها من كل ما علق فيها من خطايا وذنوب ليخرج من جديد إنساناً بولادة جديدة. إنها ثقافة الأسطورة والمقدس والروحي بكل أشكالها التاريخية ومن ضمنها الثقافة البدائية التي لم يستطع الإنسان حتى هذا التاريخ أن ينسلخ عن الكثير من معطياتها. إنها ثقافة تقديس الشجر, والحجر, الضحية ودمها, سن الذئب وجلده, ثقافة نضوة الحصان, وريشة الطائر, ورأس الوعل, والثعبان, والخرزة الزرقاء, وإشعال الشموع …
إنها ثقافة الخوف من الحاضر والآتي, وما يرافق هذا الخوف من بحث عن سر الخلاص عند الشيخ وحجبته أوتميمته, أو عند الساحر ومائه ورماد نيرانه وأسماء جنياته وجنه.. إنها الثقافة العالمة لسر الوجود وحركة الكون وكوارثه أو نعمه.. إنها ثقافة الأسطورة التي لم تزل تهيمن على حياتنا ونفسر بها قوانين حركة الطبيعة والمجتمع, وعالم الإنسان الداخلي في خوفه ومرضه وألمه وحلمه ورغباته .. إنها ثقافة استرداد الماضي التي لم نزل نعتقد أننا بإحياء ذكرى بعض محطاتها سنوياً نستعيد فردوسنا المفقود, أو ما يمنحنا تجديد حياتنا, وما أكثر تلك المواقف وتعدد دلالات إحيائها, أو الوقوف عند ذكرها, كأعياد الميلاد وغيرها.. إنها الثقافة التي تجسدت في بعض صيغها الأكثر حضارية في الطائفة والمذهب والحزب والطريقة الصوفية, التي تَلَقَنَهَا ألأفراد عبر طقوس تنسيبية, ومُنحت لهم على درجات ومراتب يشعر المرء في كل مرحلة فيها أو مرتبة انه خُلق خلقاً جديدا, وانه حقق تمايزاً معرفياً عن غيره في معرفة نفسه وما يحيط به.. إنها ثقافة الشيخ والبطل السلبي الذي نزحف على ركبنا للوصول إليه وتقبيل يده أو اخذ البركة من حضوره ولمسات يده… إنها ثقافة كل الرموز التي تُحول الفرد منا إلى ريبورت يشعر أن كل ما تعلمه من هؤلاء هو بداية المعرفة ونهايتها, وأن معرفة الكون والمجتمع والفرد تكمن فقط فيما تعلمه من هؤلاء… إنها ثقافة الرموز والطلاسم التي لا تنتمي للعقل ولا لنشاط الإنسان, بل هي تريد للعقل والإنسان وحاضره أن ينتمي إليها, كونها هي وحدها من تمتلك الحقيقة المطلقة والعارفة بما كان وما هو كائن وما سيكون. وهي وحدها الصالحة لكل زمان ومكان… إنها الثقافة الْعَالِمَة.

………………………………………………..

كاتب وباحث من سورية.. الدكتور عدنان عويد .. لنشرة المحرر