بقلم /يونس مجاهد

كان تقديم حصيلة نصف ولاية الحكومة الحالية، فرصة أخرى، لتقييم مدى إدراك السيد عبد الإله بنكيران، لجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقه، ليس لأنه رئيس الجهاز التنفيذي فحسب، و لكن لأن الأقدار ساقته لكي يتولى، إلى جانب الأغلبية، مهمة تنفيذ أول دستور، يؤهل بلادنا لانتقال ديمقراطي. لكن المناسبة أكدت من جديد كل الإنتقادات التي وجهت لهذه التجربة، و لم يخرج الخطاب السياسي الذي قدمه رئيس الحكومة، سواء في عرضه الأول أو في الرد على المعارضة، عما تعوده الجمهور منه، مثل تمييع النقاش و المزايدات والتهكم والسخرية، بهدف التهرب من الجواب على القضايا الأساسية التي طرحت في الجدل الذي عرفه البرلمان.
ومن الواضح أن القضية الأولى التي تفادى الدخول في النقاش حولها، هي الأزمة التي دامت شهورا، بعد إعلان حزب الإستقلال قراره الإنسحاب من الحكومة، و قد أثر هذا على أدائها، و جعل رئيسها يخوض مفاوضات لا تنتهي، حتى يتمكن من مواصلة زعامة الأغلبية، و أدى في كل هذه العملية ثمنا باهظا، حيث اضطر إلى التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي كان رئيسه مستهدفا من طرف بنكيران و أعضاء حزبه. و من المؤكد أن كل هذه التطورات طبعت الوضع السياسي، و أداء الحكومة، و ما كان من اللائق أن يتجاهلها رئيسها في عرضيه، الأول و الثاني.
لم يكن لائقا هذا التجاهل احتراما للرأي العام، الذي كان من الضروري أن يطلع على تقييم رئيس الحكومة لانسحاب حزب الإستقلال، و آثار الوضع الصعب الذي خلقه، ذلك، على الحكومة، و التغيير الذي حصل في برنامجها مع التحاق حزب الأحرار و مجموعة لا يستهان بها من الوزراء المستقلين. كما أن واجبه الدستوري كان يحتم عليه أن يقدم كل التوضيحات حول طبيعة الحكومة في نسختها الثانية، حسب وجهة نظره، خاصة وأن هذا الموضوع أثار نقاشا دستوريا كبيرا.
غير أن بنكيران فضل أن يتصرف بشكل يناقض تماما المكانة المتميزة، التي أولاها الدستور لرئاسة الحكومة، و من هذا المنطلق دخل مع المعارضة في سجال يذكر المغاربة بحكومات ما قبل التناوب، حيث كان وزير الداخلية الأسبق، إدريس البصري، على الخصوص، و بعض الوزراء الآخرين، يأتون للبرلمان للتهجم على المعارضة، و التهكم على مواقفها، و هذا ما فعله بالضبط رئيس الحكومة الحالي.
و بدل أن يناقش موقع المعارضة وصلاحياتها، انطلاقا من الدور الذي يوليه لها الدستور الجديد، و الذي أكد عليه الخطاب الملكي، في افتتاح الدورة التشريعية لأكتوبر 2013، فإنه لجأ، كعادته إلى التلاسن، بل و إلى التحامل على المعارضة، مخاطبا إياها بأن زمن «الترهيب و التحكم و الإبتزاز»، الذي كانت تمارسه، في اعتقاده، قد انتهى. و هو يقصد طبعا المعارضة التي كانت تواجه نظام الإستبداد، منذ الستينات، و التي أدت من أجل ذلك التضحيات الكبيرة، لكن بالنسبة لبنكيران، فهذا ليس سوى «ترهيب و تحكم»، من طرفها، و هكذا يحول الضحية جلّادا.
من المعروف أن بنكيران، عندما كانت المعارضة تواجه القمع و التنكيل، كان في الصف الآخر، لكنه اليوم رئيسا للحكومة، و كان عليه على الأقل أن يلتزم بموقف مؤسسة الإنصاف و المصالحة و المجلس الوطني لحقوق الإنسان، لا أن يتقمص دور البصري وأمثاله.
و في نفس هذا السياق، فعندما ناقشت معه المعارضة مسألة الخطاب الذي أصبح لازمته، حين يتغنى بفضله على استقرار المغرب، و إنقاذه من الهاوية، و تقول له بأن نضال الشعب المغربي لم يبدأ في 2011، فإن بنكيران يرد بالعودة إلى كفاح المغفور له الملك محمد الخامس، من أجل الإستقلال، في محاولة لتمييع النقاش، و الحقيقة هي أن النقد الذي وجه له مفاده أن استقرار مؤسسات الدولة و تماسك المجتمع، هو نتاج جدلية لعبت فيها القوى الوطنية الديمقراطية دورا كبيرا، و كذا المنظمات النقابية و نسيج المجتمع المدني، و هذا ما أدى إلى نوع من النضج و القدرة على تجاوز الأزمات، و ليس بنكيران هو الذي أتى بهذه «النعمة»، كما يدعي في خطابه.
لذلك فوت بنكيران على نفسه فرصة تقديم نفسه كرجل دولة، يدرك مكانته في الدستور الجديد، و عاد إلى عادته القديمة، من قبيل القول، لماذا لم ينتفض الشعب ضد حكومته إذا كان رافضا لسياستها، و هذه قمة العبث، إذ يمكن طرح السؤال أيضا بالنسبة لحكومة التناوب و ما تلاها، لماذا لم ينتفض الشعب عندما كان حزب بنكيران يمارس المعارضة؟ إن مثل هذا النوع من المزايدات لا فائدة منه، فالمعارضة و رفض السياسات لا تعني حتما الإنتفاضات و الثورات، فقد أنتجت التقاليد الديمقراطية أساليب حضارية أخرى، لا نعتقد أن بنكيران قد استوعبها، لذلك يمكن ان نجزم أن عملية الإنتقال الديمقراطي في المغرب، قد تم إجهاضها، لحد الآن، عندما تولى تنفيذ الدستور حزب و رئيس حكومة، ينتميان لمدرسة لم تكن أبدا من عشاق الديمقراطية، و يحنان إلى أدوار حكومات ما قبل التناوب.

………

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

26 يوليوز 2014