جيل قدماء الجنرالات هو دائما حاضر في الجيش المغربي

أجرى الحوار: يوسف الهلالي

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

26 يوليوز 2014

سعيد حداد هو أستاذ محاضر وباحث أكاديمي في العديد من المراكز العلمية ومؤسسات التكوين العسكري، ومن أبرزها مدارس سان سير الفرنسية، يعتبر في أطروحته إن الجيوش المغاربية، باستثناء القوات المسلحة الليبية، مدعوة إلى الاضطلاع بدور مهم عقب «الربيع العربي» والتحولات المختلفة التي نتجت عنه، خاصة والمنطقة تعيش اليوم انتقالا مزدوجا على المستوى الداخلي الخاص بكل دولة وعلى المستوى الجهوي.
في هذا الحوار الذي خص به مراسل الاتحاد الاشتراكي بباريس، يحدثنا عن التعيين الجديد على رأس القوات المسلحة الملكية الجنرال بوشعيب عروب، وعن مفهوم القوة العسكرية الذي تنشره مختلف المعاهد المختصة، وهل قوة جيش ما تعتمد فقط التجهيزات أم أن مفهوم القوة أوسع من ذلك، ويشرح التحولات التي عرفها مفهوم الدفاع لدى الجيش بالجارة الجزائر، خاصة المؤشرات الجديدة مثل توغله الكبير في الأراضي الليبية لإجراء عمليات عسكرية، واندماجه في المنظومة الدفاعية لواشنطن وباريس بمنطقة الساحل وفتح مجاله الجوي أمام الطائرات الحربية الفرنسية أثناء عملية سيرفال بمالي وهو ما يعتبر تحولا كبيرا بهذا البلد الجار.

< تم مؤخرا بالمغرب تعيين الجنرال بوشعيب عروب من طرف جلالة الملك محمد السادس مفتشا عاما للقوات المسلحة الملكية ومسؤوال عن المناطق الجنوبية، هذان المهمتان كانتا سابقا من مسؤولية الجنرال عبد العزيز بناني. في نظرك، هل لهذا التغيير في القيادة انعكاسات على الجيش المغربي؟
> ذهاب الجنرال عبد العزيز بناني يشكل نهاية لمرحلة معينة، وهي مرحلة جيل تحمل المسؤولية في بداية استقلال المغرب. ويبدو أن ذهابه يعود بالأساس إلى أسباب صحية. والرجل يعود إلى جيل الاستقلال الذي ساهم في بناء الجيش المغربي و تميز بولائه إلى ملك المغرب. تعيين الجنرال عروب، وهو من نفس الجيل، يعكس خيار الاستمرارية. وبتعبير آخر، إن جيل قدماء الجنرالات هو دائما حاضر في الجيش المغربي. الرجل الثاني في القوات المسلحة الملكية سوف يستمر، في نفس الوقت، في تحديث الجيش المغربي وهي عملية بدأها سلفه ويستمر في تواجده على الحدود. هذا في وقت تعرف فيه منطقة الساحل تطورات خطيرة ومقلقة بدأت في التطور منذ 2011 . هل سيقوم بإعادة تنظيم بنية الجيش المغربي، والذي يتم وصفه في أغلب الأحيان بالجهاز الثقيل والممركز. اختيار الاستمرارية مع تعيين الجنرال بوشعيب عروب تسير في اتجاه عدم التغيير في هذا المجال.
< ما هو تعليقك على التصنيف العالمي « كلوبل فاير بويير2014 « الذي يصنف الجزائر في المرتبة 31 فيما يخص القوة العسكرية، بعيدة بشكل متقدم على المغرب الذي يصنف في المرتبة 65 فقط؟
> الجزائر دخلت منذ عدة سنوات في مسار تحديث جيشها. وهو ما عكسه ارتفاع النفقات العسكرية منذ2011 ، هذا الارتفاع الذي سهلته مداخيل البترول. ولكن ما يجب التسطير عليه بأهمية، ورغم أن ذلك المجهود لا يوازي ميزانية الجيش الجزائري، فإن الجيش الملكي اخذ هو الاخر نفس المسار. ومرة أخرى فان الهزات والهزات المضادة التي تعرفها القضية الليبية تفسر الى حد بعيد هذا التطورات. وهو ربما مؤشر على وضعية القوات بالمنطقة. واذا كانت مواصفات الترتيب الذي اشرت اليه هي مهمة، فان القوة العسكرية لجيش ما لا يمكن اختزالها في جانب التجهيزات والتي هي نسبية. فهناك مواصفات اخرى، ما هو الانسجام الموجود بين القوات، تكوين الاطر والجنود وولاءهم تجاه النظام وتمثيليتهم وعلاقتهم بالمجتمع، مدى انتشار الرشوة داخل الجهاز، ومدى توغل للحركات الاسلامية المتطرفة في جسم القوات المسلحة الخ. مدى توفر هذه الجيوش على نظرية تمكنهم من فهم التحولات في المحيط السياسي والاجتماعي في المجال الذي يتطورون فيه؟ ان الجمع بين كل هذه المواصفات، والتي ليس من السهل ابرازها – هو الذي يبدو لي اكثر وجاهة من أجل تصنيف قوة الجيوش.
حصل المغرب سنة 2013 على تجهيزات عسكرية مهمة من روسيا، وحسب احد التقارير، فان روسيا تسعى الى تكسير هيمنة الولايات المتحدة الامريكية في بعض المناطق بالعالم منها المغرب. لماذا يسعى المغرب الى البحث عن ممولين اخرين بدل واشنطن وباريس؟
هذا المشتريات لا بد من وضعها في مجال اعلان النوايا، ولم تتأكد بعد من جانب الطرفين. وإذا حدث ذلك، فهو سيكون في اتجاه الاتصالات التي بدأت بين الجانبين الرباط وموسكو حول هذا الملف منذ عدة سنوات. هذه المشتريات تعكس تطورا مزدوجا. من جانب روسيا التي عادت الى اخذ مكانها في مجال الصناعة العسكرية منذ وصول فلاديمير بوتين الى السلطة. واصبحت موسكو اكثر اسرارا وعدوانية في هذا المجال. حيث انها لا تقتصر على تقوية روابطها مع زبنائها القدماء، بل محاولة البحث عن اسواق جديدة. وبالنسبة لموسكو، بغض النظر عن الجانب المالي، وهو الواضح في هذه العلمية، هي ايضا وسيلة لتأكيد عودتها على الساحة الدولية ومحاولة زعزعة الهيمنة الامريكية، وهو امر نراه في ملفات متعددة . بالنسبة للمغرب، هذا الامر يدخل في اطار سياسه تنويع المزودين، وهي ارادة نراها في كل بلدان العالم منها بلدان مثل الجارة الجزائر. ويسعى المغرب من خلال ذلك الى عدم التبعية الى ممول واحد وهو الولايات المتحدة الامريكية. بالاضافة الى ذلك، لا يمكننا ان نبعد التوتر المغربي- الامريكي على خلفية ملف الصحراء والتأثير السلبي الذي تقوم به الجزائر تجاه واشنطن لعب دورا هو الاخر في هذا التطور.
– منذ استقلال الجزائر سنة 1962 يقوم الجيش الجزائري لأول مرة في تاريخه بعمليات عسكرية في الخارج وذلك بالأراضي الليبية.» هذا الخبر لم يؤكده اي مصدر رسمي، ويقوم الجيش الجزائري منذ 29 ماي الاخير بعمليات في الغرب الليبي، وهذا الخبر اعطته يومية التايمز، التي اعتمدت في ذلك على إحدى مجموعات البحث البريطانية «هنري جاكسان سوسيتي»، حيث اعلن احد مسؤوليها بعث قوات خاصة امريكية، فرنسية وجزائرية الى ليبيا تحت هدف اساسي وهو تصفية ارهابيي القاعدة في المغرب الاسلامي وتدمير بنيتهم التحتية من الأسلحة وبنية التواصل والتدريب بالمنطقة.
< هل هذه العمليات العسكرية للجزائر بالخارج تعكس تحول جدريا لسياسة العسكرية لهذا البلد الجار؟ وهل للجزائر القدرات العسكرية لوحدها للقيام بهذه المهمة بليبيا؟
> هذا الخبر لم يتم التعليق عليه من طرف السلطات الجزائرية. واذا تأكد الأمر فهو يشكل تطورا في سياسة هذا البلد، والتي تتركز على عدم تدخل القوات الجزائرية خارج حدودها الترابية. الوضعية المثيرة للقلق بليبيا، و الصراع بمالي وعملية تيغاتورين، فرضت فعلا طرح اسئلة على الموقف الرسمي الجزائري والتحولات الاقليمية التي احدثها انهيار الجماهرية جعلت الجزائر في الواجهة وفي وضعية تناقض وهو وضع يطرح السؤال حول وضعيتها الفعلية كدولة رائدة بالمنطقة. فاعل أساسي بالمنطقة، مندمج في العمليات الامنية والعسكرية التي وضعتها واشنطن بالمنطقة. هكذا تجد الجزائر نفسها في مفترق الطرق. بتعبير اخر، الخيار بين وضعية دفاعية تقليدية (وضع الجيش بالحدود الجزائرية الليبية ومراقبتها المكثفة) او موقف تدخلي. وهل قيامها بذلك يعكس موقفا ظرفيا أم هو تحول اساسي في سياستها العسكرية للجزائر وبشكل اوسع في السياسة الجهوية لهذا البلد. وإذا كان سابقا لأوانه الاجابة على هذا التساؤل ، لا بد من التاكيد على أن هذا التحول جاء بعد ان سمحت الجزائر لطائرات الفرنسية في الطيران باجوائها عند قيام الجيش الفرنسي بعمليات سيرفال وكذلك العمليات المشتركة للجانبين القوات الجزائرية والقوات الفرنسية على الجانبين من الحدود الجزائرية المالية. ويبدو أن الجزائر قررت قطع خطوات في الضبط التدريجي لعملياتها السياسية – العسكرية على مستوى طموحاتها الجهوية والتهديدات تجاه حدودها. لكننا علينا ان لا ننسى ان الجزائر كانت دائما مرتبطة بقضية سيادة الدول والوساطة في المنابر الدولية سواء في منظمة الوحدة الافريقية او الامم المتحدة. ووحده التعاون الجهوي الذي يدمج كل من الرباط وتونس والذي يتجاوز العداوات الوطنية هو الذي يمكن من ايجاد حل للتحديات ألاقتصادية الاجتماعية، السياسية والامنية التي تزعزع كل المنطقة.
< قلت في مقالك الاخير « بعد الثوارت، الجيوش المغاربية في مواجهة انتقال مزدوج» انه «بعد هذه الثورات العربية والتي مست بشكل متفاوت البلدان المغاربية، حالة العلاقة بين المدنيين والعسكريين اعطت على المستوى الداخلي الوطني اجندات مختلفة منها ، التضامن والترابط في الوضع الجهوي وتنقل المخاطر. ما هي نوعية المخاطر التي تشير اليها، هل الارهاب الذي يهدد المنطقة او الصراعات المسلحة بين دول المنطقة؟
> الأجندات الوطنية جعلتهم متضامنين، ولا بد ان نعرف ان بلدان المنطقة تواجه نفس التحدي الذي تشكله تواجد مجموعات جهادية تتحرك بالمنطقة. هذه المجموعات التي تتحرك على المستوى الجهوي بديناميات متعددة ولهم اجندات وطنية، تطور الوضعية الليبية، بمعنى خطر « تقب اسود» في شمال افريقيا هو الذي يفسر التحركات التي يتم ملاحظتها بالحدود الليبية مع الجزائر، مصر وتونس. والتضامن يتعلق الامر بتحدي شامل ولا بد له من جواب شامل يوحد كل بلدان المنطقة ويتجاوز البعد الامني لوحده من خلال تقديم اجوبة سياسية، اقتصادية واجتماعية والتي تستجيب لمتطلبات الكرامة، العيش اللائق وديموقراطية الشعوب.