بقلم /د. حسن حنفي

مفكر وأستاذ جامعي مصري

 عن التجديد العربي

 

 

لا تعني الأصالة العودة إلى القديم واجترار الماضي، والفخر بالآثار، والاعتزاز بها، وكأن الماضي يحتوي على قيمة في ذاته، وكأن العودة إليه تكون غاية في ذاتها وليس وسيلة لتعميق الجذور، واكتشاف معوقات الحاضر أو الدوافع على تقدمه.

وكثيراً ما يعبر هذا الموقف عن قصور في فهم الحاضر، وانعزال عنه كلية، وتعويض عن ذلك بجعل الماضي بديلاً عنه، فيتم الغرق فيه إلى الأذقان. كما يكشف عن إسقاط تام للمستقبل، ولا يشير إلى أي رؤية له تجعل الحاضر إحدى مراحله.

والأصالة قد تكون في الطبيعة وفي الوجدان وفي العمق التاريخي وفي الأمثال العامية وفي الثقافة الشعبية وفي الشخصية القومية. ولا تعني الأصالة الحرص على التمايز والخصوصية بأي ثمن وعلى أي نحو وبأي شكل حتى لو كان عن طريق الإعلان التجاري عن النفس، والتمايز المصطنع عن الغير في الأشكال والرسوم وفي المظاهر الخارجية. فالأصالة بهذا المعنى قد يصبح فيها نوع من إيثار الانعزال على المشاركة، والانفصال بدلاً من الاتصال.

ولا تعني الأصالة أيضاً التقوقع على الذات، ورفض الغير، والنفور من الغريب باعتباره مزيفاً وارداً دخيلاً تفقد الذات هويتها فيه، فالأصالة بهذا المعنى عزلة وفراغ وتجمد وتقلص ثم ضمور واضمحلال وفناء. فالذات لا تقوى إلا بالغير، في صراعها معه أو تمثلها له. الذات قدرة على الخصوبة والنماء، وطاقة على الحركة والحياة، تضمر باختفاء التنوع، وتموت بانتهاء الباعث، وتذبل إذا ما غاب التحدي. إنما تعني الأصالة البحث عن الجذور، والتأسيس في الأعماق، وقد كان البحث عن الأصل والجذور والأساس أحد مطالب الحكماء، قدماء ومحدثين، سواء في تراثنا القديم عند علماء الأصول، أصول الفقه أم أصول الدين، وفي كتب «تأسيس النظر» (الدبوسي) أو في التراث الغربي في حركات العودة إلى الأصول، والرجوع إلى الأرحام، والبحث عن الأساس (روسو، هوسرل، هيدجر). فكل تغيير بلا أساس يكون حدثاً أهوج في التاريخ، لا يبقى ولا يستمر، قشرة خارجية سرعان ما تتكسر إذا ما تحركت الأعماق ونبتت الجذور. الأصالة بهذا المعنى شرط المعاصرة، وسبب استمرارها والمحافظ عليها، والضامن لها.

تعني الأصالة أيضاً التجانس في الزمان والتواصل في حياة الشعوب، وأن يكون حاضرها استمراراً لماضيها، ومستقبلها استمراراً لحاضرها، فلا يقع الانفصام في شخصيتها ولا تحدث الازدواجية في ثقافتها بين أنصار الأصالة وأنصار المعاصرة، بين دعاة القديم ودعاة الجديد، بين التعليم الديني والتعليم العلماني، فيحدث تعارض مصطنع بين الأصالة والمعاصرة، وكثيراً ما يتحول إلى تيارين متصارعين على مستوى الممارسة والسلوك. وينتهي الأمر إلى ضياع الوحدة الوطنية ممثلة أولاً في وحدة الثقافة، ووحدة الرؤية، ووحدة المنهج، ووحدة الهدف والغاية. فإذا ما انتصرت المعاصرة فإنها لا تبقى إلا لمدة محدودة سرعان ما تنحسر. وحينئذ تظهر الأصالة في صورة محافظة تقليدية تاريخية بعد أن تم كبتها وإيقاف مسارها أثناء وجود المعاصرة فوقها كغطاء ضاغط عليها كما حدث في تركيا وبولندا.

كما تعني الأصالة القضاء على معوقات التقدم في الحاضر، والقضاء عليها من الأساس، وذلك باستئصال الجذور التاريخية للتخلف المتراكمة من الماضي في وجدان الشعوب حتى يمكن أن تتحقق المعاصرة بسهولة ويسر في زمن أقل وبرسوخ أكثر، وبرؤية تاريخية واعية، وبتدبير وتدبر بعيداً عن التخبط والعشوائية، ومن دون وقوع في مناهج المحاولة والخطأ، وتحويل الشعوب إلى حقل تجارب مستمرة وإلى ما لا نهاية. كما تعني أيضاً دفع مسار التقدم، وذلك باكتشاف دوافعه المتراكمة من الماضي في وجدان الشعوب حتى تتحرك الجماهير دون ما حاجة إلى دعاية سياسية أو توجيهات حزبية أو منظمات شبابية أو أجهزة إعلامية. إذ تكون حركة الجماهير حينئذ حركة تلقائية تساهم في التقدم، ولا تعتبره غريباً عليها، ولا تعتبر نفسها مقحمة فيه.

وعلى الجانب الآخر لا تعني المعاصرة العيش على مستوى العصر سواء في الفكر أو في أسلوب الحياة. فلا تعني نقل أحدث الأفكار، والحديث عن آخر النظريات، ولي اللسان بأعقد المصطلحات. فالنظريات نفسها لا تنشأ في فراغ بل هي ردود أفعال على نظريات سابقة، وهذه بدورها ردود أفعال أخرى على نظريات أسبق، وهكذا. فالنظريات لها جذورها التاريخية، وبيئاتها الطبيعية. والمعاصرة بهذا المعنى تقتلع الجذور، وتسقط البيئة من الحساب، وتجعل النظريات تنشأ في فراغ، وتنقلها في فراغ، فتصبح هامشية، طائرة في الهواء، تذروها الرياح

ولا تعني المعاصرة فقط نقل أحدث وسائل العلم والتكنولوجيا إلى المجتمعات، فالعلم ليس هو نتيجة العلم أو تطبيقات العلم بل هو التصور العلمي للعالم، والرؤية العلمية للواقع، والموقف العلمي من الحياة، والمنهج العلمي في حل المشكلات. فلا يمكن أن ينقل نتاج العلم والتكنولوجيا في مجتمعات تحركها الخرافة، ولا تأخذ بالأسباب، ولا تربط بين العلل والمعلولات. صحيح أن التكنولوجيا تحضر قيمها معها، ولكنها في الغالب لا تكون قيم العلم والسيطرة على قوانين الطبيعة والتنبؤ بمسارها بل قيم الاستهلاك.

ولا تعني المعاصرة أيضاً نقل آخر صيحات العصر في أساليب الحياة، في الفن والعمارة والزينة والعطور، في الغذاء والكساء، والتنقل والمعلومات، والتمتع بما يقدمه العصر من وسائل رفاهية العيش. المعاصرة بهذا المعنى لباس لقشرة الحضارة، ونقل لأسلوب حياة مجتمع الوفرة والرفاهية إلى مجتمع الندرة وشظف العيش وهي مجتمعات النهضة والتنمية، بل وإغفال حتى لما تعتز به من تراث حضاري.

ولا تعني المعاصرة أيضاً قطع الصلة بالماضي، واقتلاع الجذور، واعتبار الماضي أحد المعوقات عن المعاصرة. وهنا تتحول المعاصرة وكأنها نوع من احتقار الذات، والوقوع الكلي في التغريب. فتتقلص الحضارات والثقافات المحلية للشعوب، وتنزوي إلى متاحف التاريخ، وتصبح الثقافة «الغربية» وهي النموذج الأكثر انتشاراً، ثقافة عامة وشاملة لكل الشعوب يقلدها الناس، وتقتفي أثرها كل الحضارات. فتظهر حضارات ممسوخة، لا هي استطاعت اقتلاع جذورها، ولا تمثل ثقافة الغير. وهنا تبدو ظواهر «التفرنج». وتتكون طبقة اجتماعية أو تصبح مجتمعات بأكملها لا مكان لها ولا زمان تلفظها المجتمعات المحلية ولا تقبلها المجتمعات العصرية، تفقد مكانها في التاريخ، كما تفقد أهليتها في ممارسة أي دور في التقدم والنهضة.

إنما تعني المعاصرة مجابهة مشكلات الواقع، والدخول فيها، ومواجهتها مواجهة مباشرة، فالمعاصرة تعني هنا رؤية الواقع والإحساس به، والنظر إلى ما تحت الأقدام. وتعني أن يعيش الإنسان أحداث الزمن، وأن يعرف روح العصر، وأن يرفض جميع أشكال الزيف لتغليف الوعي القومي وتعميته ودفعه نحو الغربة والاغتراب.

كما تعني المعاصرة كذلك عدم إغفال شيء من مكونات الواقع أو ابتسار جزء منه، بل قبول مكوناته. فالتراث مثلاً جزء من الواقع، يفعل فيه، ويؤثر عليه من خلال سلوك الناس ورؤية الجماهير له. والضنك والبؤس والفقر والجوع والحرمان واقع اجتماعي عريض للأغلبية الصامتة في بعض مجتمعاتنا. كما أن التسيب والخلل والفوضى وغياب العلاقات الواضحة بين الأفراد جانب أيضاً في واقعنا الاجتماعي. وضياع الولاء، وانحسار القضية، واختفاء الصالح العام كل ذلك أيضاً أحد مكونات مشاعر بعض الجيل وإحساسات العصر.

وتعني المعاصرة أيضاً البحث عن الواقع في أساسه وليس في فروعه، والبحث عن الحلول الجذرية لقضاياه الأساسية وليس عن الحلول المؤقتة التي سرعان ما تتبدد وتبقى القضايا معلقة ودائمة بعد أن ينقضي أثر الحل الوقتي. وبهذا المعنى لا تكون المعاصرة استسلاماً للأمر الواقع بل هي بحث في جذوره التاريخية وأبنيته الحاضرة ومتغيراته المستقبلية. وبهذا المعنى أيضاً لا تعني السير وفقاً لمنطق الأحداث الواقعة تمشياً مع التيار السائد. فالعصري بهذا المعنى اشتراكي مع الاشتراكيين، ورأسمالي مع الرأسماليين. بل تعني المعاصرة أخذ موقف واضح ودائم من الواقع. وتعني إيثار الصالح العام على الصالح الخاص.

 *****

ماذا تعني الأصالة والمعاصرة؟

لا تعني الأصالة والمعاصرة وجمعهما معاً أن يتحول الأفراد أو المجتمعات إلى شقين: شق أصيل وشق معاصر، أو أن يعيش الأفراد وتحيا المجتمعات على مستويين: مستوى أصيل ومستوى معاصر. فيؤمن الفرد ببركة بعض أفكار التراث الأصيل. ويكون عالماً طبيعياً حائزاً على جائزة نوبل في الفيزياء مثلاً. أو يكون مهندساً ويعهد إليه بالسيطرة على الفياضانات ومياه الأمطار بإقامة السدود وتشييد الخزانات أو يكون قائماً على التخطيط ويعهد إليه بتدبير غذاء الأمة وإعداد مخزون موفور لها يحميها من المجاعة وسوء المحاصيل. فيسلك بشخصيتين، ويعيش بمنهجين.

وبهذا المعنى يكون شعار «العلم والإيمان» كأساس تقوم عليه المجتمعات تعبيراً عن هذه الازدواجية بين الأصالة والمعاصرة. فالفرد مؤمن وعالم، والمجتمع مؤمن وعالم، والحياة تقوم على العلم والإيمان. ولكن الإيمان له ميدان والعلم له ميدان آخر، لا يتحدان بل يتجاوران، دون نظر للإيمان من خلال العلم أو للعلم من خلال الإيمان. وهو الموقف الذي أدانه تراثنا القديم الذي يقوم فيه صلب علومه على الوحدة العضوية بين العلم والدين، بين الدين والفلسفة، بين العقل والنقل، بين علوم الوسائل وعلوم الغايات. وقد تتم التضحية في هذه المجتمعات بالعلم والدين معاً عندما يستخدم العلم لتأويل الدين أو الدين لتأويل العلم في محاولات الربط بينهما من العلماء المتدينين أو من المتدينين العلماء.

وغالباً ما ينتهي هذا النوع من الجمع المزدوج بين الأصالة والمعاصرة في الأفراد والمجتمعات إلى نوع من الازدواجية السبية. إذ يعيش الفرد أو المجتمع أحد المستويين في الأعماق، والمستوى الآخر في السطح. وقد تفرض المعاصرة نفسها ثم تأتي الأصالة في سلوك البعض كغطاء خارجي لها. فتصبح المعاصرة هي الأساس، والأصالة هي الفرع، المعاصرة هي الحياة في العمق، والأصالة هي الحياة على السطح، فتنقلب الآية، ويعيش الإنسان في الدنيا مقلوباً.

إنما تعني الأصالة والمعاصرة وحدة باطنية عضوية بينهما بحيث تتحقق وحدة الشخصية في حياة الأفراد والمجتمعات. فالإنسان لا يكون إلا واحداً في حياته وغايته ومنهجه. والمجتمع أيضاً لا يكون إلا واحداً في هدفه ونظامه ورؤيته. الحقيقة واحدة سواء كانت دينية أم علمية، والحياة واحدة سواء كانت دنيوية أم أخروية، والعالم واحد سواء كان في معمله أو في دار للعبادة، والعلم واحد سواء كان دينياً أم إنسانياً. ومن ثم لا ينشأ خطر الازدواجية وما يصاحبها من مظاهر انفصام بل تكون الحياة الصريحة المتمثلة في وحدة الداخل والخارج.

ولا تحدث هذه الوحدة العضوية بين الطرفين، الأصالة والمعاصرة، إلا بوجود طرف متوسط ثالث تتحقق فيه هذه الوحدة، ويكون أشبه بمركب الموضوع بعد الموضوع ونقيضه. وهذا الطرف الثالث هو الواقع، حياة الإنسان، العصر الحاضر، روح العصر، دور الأجيال. لا تتحقق هذه الوحدة إذن نظرياً بل تتحقق عملياً في الزمان والمكان، في عصر معين، وفي مكان معين، ولجيل معين. فالواقع الاجتماعي هو الذي يفرض نفسه على الأصالة والمعاصرة للتوحيد بينهما من خلاله وتحقيقاً لمتطلباته. ومستقبل البشر هو الذي يحدد مدى ارتباطه بالأصالة ومدى حاجته إلى المعاصرة.

تعني الأصالة والمعاصرة إذن وحدة بُعدي الزمان، وحدة الماضي والحاضر. فما الحاضر إلا تراكم للماضي، وما الماضي إلا معيش في الحاضر. فالإنسان كائن تاريخي، له مساره في الزمان. فلا هو كائن ميت، تحول إلى متحف، ولا هو يعيش لحظات انبثاق وفورات مستمرة، مجرد قطرات من الغيث، يمتصها الواقع ولا تمتد في التاريخ، لا تتحول إلى روافد وأنهار أو تنتهي إلى تكوين واد ومصب. تعني الأصالة والمعاصرة بهذا المعنى القضاء على الانفصام في الشخصية وعدم ضياع العمر في مشاهدة حوادث التاريخ والإنسان خارجها دون أن يكون جزءاً منها، ودون أن يكون له دور في تحديد مسارها.

كما تعني الأصالة والمعاصرة الصدق مع النفس لتحقيق وحدة الشخصية، والصدق مع الواقع لتحقيق الوحدة الوطنية. فكل قوى النفس العلمية والوجدانية العقلية والقلبية تجد معبراً عنها، ومحفزاً لطاقاتها، ومحققاً لها. كما أن قوى التغير الاجتماعي ومناهج تحديث المجتمعات على اختلافها تجد حداً أدنى من الحوار والتعاون فيما بينها. فأنصار الأصالة لا يرفضون وحدة عضوية بينها وبين المعاصرة بحيث تكون المعاصرة امتداداً لها. وأنصار المعاصرة لا يرفضون وحدة عضوية بينها وبين الأصالة بحيث تكون الأصالة تعميقاً وتثبيتاً لها

ولا تتحقق الأصالة والمعاصرة فقط عن طريق التوفيق الخارجي بين الاثنتين من أجل تحقيق هدف قد يبتغيه الجميع ويسعى إليه الكل للجمع بين الحُسنيين، الدين والدنيا، الماضي والحاضر، الأنا والغير. ولما كان احتمال الحكم الخاطئ قائماً فقد تؤخذ من الأصالة معوقات التقدم وتترك دوافعه، وقد تؤخذ المعاصرة بمعنى الحداثة والعصرية كأسلوب في الحياة وبالتالي يتحول الأفراد كما تتحول المجتمعات إلى كائنات مشوهة لا قوام لها.

وكثيراً ما يتم التوفيق على نحو انتقائي صرف وطبقاً لأهداف شخصية خالصة أو مصالح فئوية. فيدعي المحدث أو المصلح أو المجدد بأنه هو وحده الذي جاء بمربط الفرس، وأنه وحده هو القادر على حل العقدة. فيأخذ نصيبه من الشهرة، ويعتلي منصات الخطابة وتتصدر أخباره وصوره أجهزة الإعلام خاصة إذا ما راجت السوق. وإذا كانت المجتمعات بطبيعتها ترفض الاختيار بين الطرفين المتعارضين، الأصالة والمعاصرة، وتريد الجمع بينهما، فإذا ما حقق لها أحد ذلك فإنها ترفعه إلى مستوى الأبطال، وتجعله المتحدث الرسمي باسمها.

وغالباً ما تكون الانتقائية من الخارج أي من المعاصرة وعلى الأصالة أن تكيف نفسها طبقاً لها. فيؤخذ مذهب غربي على أن به خلاص الأمة من غفلتها وسكونها وتخلفها مثل الوضعية أو الشخصانية أو الوجودية أو الماركسية أو الليبرالية وذلك من أجل القضاء على معوقات التقدم مثل الخرافة أو غياب الإنسان أو الصورية أو الاستغلال أو التسلط. كما قد يحدث انتقاء لبعض المناهج الغربية لتجديد التراث وإعادة فهمه مثل الديكارتية وإعمال الشك في الموروث أو البنائية أو الفينومينولوجيا. وغالباً ما يكون الانتقاء أيضاً بناء على الهوى والمزاج الشخصي.

وفي أقل الأحيان يكون الانتقاء من الداخل أي من الأصالة، فتؤخذ نماذج مضيئة، شخصيات أو مذاهب أو حركات اجتماعية، من القديم كنبراس للمعاصرة. كما قد تؤخذ اتجاهات وفرق كنموذج لتحديث الأمة مثل عقلانية المعتزلة وابن رشد. وقد تؤخذ بعض المناهج كنموذج لما يمكن أن يكون عليه منهج الأمة مثل منهج علم الأصول القائم على استقراء العلل. وغالباً ما يتم هذا الانتقاء لصالح بعض الطبقات الاجتماعية. وقد تنتقي الطبقات العليا القيم الصوفية من صبر ورضا وتوكل وزهد وفقر. كما تنتقي الطبقات المتوسطة قيم القانون والنظام. ونادراً ما تجد الطبقات الدنيا من ينتقي لها قيماً لندرة المنظّرين لمصالحها.

 *****

كيف تتحقق الأصالة والمعاصرة؟

تتحقق الأصالة والمعاصرة عن طريق طرف ثالث هو واقع الأمة واحتياجتها الراهنة. فهو القادر على خلق الوحدة العضوية بين الطرفين المتعارضين. ولذلك لزم أولاً رصد حاجات العصر، والتعرف على متطلباته، وتشخيص المرحلة التاريخية التي تمر بها المجتمعات الحالية. فتلبية هذه المتطلبات وسد هذه الحاجات هي الغاية من تحقيق الأصالة والمعاصرة. وبعد الرصد والتشخيص يبدأ البحث في الأصالة التي غالباً ما تكون موجودة في تراث الأمة وتاريخها لمعرفة كيفية دفع الواقع خطوة إلى الأمام أو منع معوقات التقدم من أجل تلبية هذه المطالب. فالقديم بطبيعته متشابه، يحتوي على النقيضين، تسلط وحرية، رأسمالية واشتراكية، طبقية ولا طبقية، إشراقية وعقلانية… إلخ. وعادة ما يكون أحد أسباب التخلف هو سيادة طرف على طرف، وفقد التوازن في وجدان الأمة بين عنصري الشد والتوتر في الحياة الإنسانية.

وهنا يبدأ تحقيق المعاصرة عن طريق إعادة الاختيار بين البدائل من أجل إعادة التوازن إلى الوجدان القومي للمجتمعات. فإذا كان التسلط هو النظام السائد فإن اختيار الجانب التحرري في التراث القديم يحقق التوازن المطلوب في الوجدان المعاصر. وإذا كان النظام الرأسمالي هو السائد في أحد المجتمعات فيكون الاختيار لجوانب العدالة الاجتماعية والمساواة من التراث القديم لإعادة التوازن إلى الوجدان المعاصر. وإذا كان المنهج السائد في أحد المجتمعات هو المنهج الإشراقي والعلم اللدني فإن الاختيار يكون للمنهج العقلي أو المنهج الاستقرائي من أجل إعادة التوازن إلى وجدان الأمة وإعادة بناء العلم الإنساني البرهاني الطبيعي القائم على دليل العقل والمستمد من الطبيعة والمطابق لها.

ولذلك كان من الضروري الوعي التام بالمرحلة التاريخية التي تمر بها المجتمعات حتى يمكن، أولاً، تشخيص المرحلة الراهنة ومعرفة مظاهر فقدان التوازن في وعيها القومي. كما أنه من الضروري، ثانياً، الوعي التام بتاريخ الأمة وتراثها الماضي حتى يمكن رصد البدائل ومعرفة كيفية نشأتها وفي أي ظروف اجتماعية ولتحقيق أية أهداف حتى يمكن إعادة الاختيار بينها طبقاً لحاجات العصر وتلبية مطالب الأغلبية الصامتة.

وضروري، ثالثاً، تحديد المشروع القومي للأمة كلها حتى يمكن تحديد المرحلة المستقبلية في تاريخ الأمة بعد تقسيم مشروعها القومي على مراحل بحيث يتم تحقيقه في عدة أجيال. ومن ثم لا يلعب الجيل الحاضر دور جيل مضى فتنشأ الحركات الماضوية، أو دور جيل آتٍ فتنشأ الحركات الجذرية العلمية العلمانية. فالمجتمعات التراثية عادة ما تكون مرحلتها الراهنة هي المرحلة الليبرالية التي تقوم على نقد الموروث، والاعتماد على العقل، وإثبات الإنسان كقيمة، واستمداد العلم من الطبيعة وهو ما يسمى بعصر النهضة في كل أمة. والحقيقة أن الأصالة والمعاصرة في جوهرها هي قضية التاريخ ومراحله والمساهمة في دفع مسار التقدم في التاريخ أو بلغة هيجل «العقل في التاريخ». وبإعطاء نماذج عملية لكيفية تحقيق الأصالة والمعاصرة في مجتمعاتنا المعاصرة فإنه يمكن أولاً رصد المطالب الأساسية لعصرنا في أربعة مطالب:

أولاً: تحرير الأرض من الاحتلال الأجنبي أي تحرير الأراضي المحتلة في فلسطين، والقضاء على كل مظاهر النفوذ الأجنبي في مجتمعاتنا. وعلى رغم الإنجازات الهائلة لحركات التحرر الوطني وتحقيقها للاستقلال الوطني إلا أن قضية تحرير الأرض ما زالت قائمة، وقضية السيادة الوطنية على الأرض ما زالت مطروحة في بعض الحالات.

ثانياً: تحقيق التنمية الشاملة ضد جميع مظاهر التخلف، والعمل على تحقيق التقدم للمجتمعات. فمن مظاهر التخلف مثلاً الأمية، وسوء الخدمات، وعدم استغلال الثروات الطبيعية، ووجود مجتمع طبقي تتفاوت فيه الدخول من واحد إلى ألف، في مجتمع لا تسمح موارده القومية الحالية إلا بنظام لاطبقي تذوب فيه الفوارق بين الطبقات، ويكون فيه متوسط الدخل الفردي سنوياً حوالي ألف ومئتي جنيه، وبالتالي تكون الأنظمة الفاشلة في التنمية أحد مظاهر التخلف.

ثالثاً: سلبية الجماهير، ولا مبالاة الناس، وفتور الشعب وسكونه ورضاه وعجزه إلا في فورات الغضب، ولحظات التمرد، وساعات الثورة وأيام الهبَّات الوقتية والانتفاضات الشعبية إذا ما تراكم الفقر، وعم الفتك، واستشرى البؤس، وساد الجوع. لم يتحول بعد هذا الكم الهائل إلى كيف، وما زالت الملايين بعددها وليست بإمكانياتها وطاقاتها. وهو ما لاحظه المجددون من قبل مثل الأفغاني والكواكبي فأصبحت الأغلبية لا وزن لها، وضاعت قيمة الكثرة في مقابل الأقلية النشطة سواء في الداخل تسيطر على مصادر الثروة أو في الخارج تحتل الأرض، وتبغي التوسع، وتمارس العدوان اليومي.

رابعاً: قضية التجزئة والتشتت والتضارب، كل حزب بما لديهم فرحون، حتى عمت الفتنة، وتحولت الأمة إلى طوائف يقتل بعضها بعضاً. وقد ضعفت شوكة الأمة، وقويت شوكة الأعداء. وفي الوقت نفسه يتعلم أطفالنا وصية الشيخ العجوز لأبنائه قبل أن يموت وحزمة العصي التي لا تنكسر مجتمعة وتنكسر منفردة، كل عصا على حدة. ونستحسن المثل والقول، ونحث على وحدة الأمة هدفاً ومصيراً. بعد ذلك تبدأ مواجهة هذه القضايا الأساسية لعصرنا عن طريق الأصالة أي البحث في الجذور التاريخية لوجدان الأمة عن أسباب وجود هذه الظواهر وكيفية القضاء عليها عن طريق الاختيار بين البدائل.

ومظاهر التخلف في مجتمعاتنا يمكن مواجهتها أيضاً بأصالة الأمة وتاريخها، وإعادة الاختيار بين البدائل حتى يعود التوازن أيضاً إلى وجداننا القومي. فإذا كانت الأمية قد استشرت، وعم سوء الخدمات، ولم تستغل الموارد الطبيعية، أمكنت بعد ذلك إعادة الاختيار بين البدائل في التراث. فالأمية تتعارض مع احترام العلم، وتبجيل العلماء ورثة الأنبياء. ونقص الخدمات وسوء استغلال الموارد الطبيعية يتعارض مع رسالة الإنسان في الأرض، وتسخير الطبيعة له. وغياب الإنسان كقيمة من وجداننا القومي يتعارض مع كون الإنسان كرمه الله في البر والبحر، وجعله في أحسن تقويم، وخلقه فأحسن خلقه.

أما لا مبالاة الناس وفتورهم فهي ترجع إلى فقدان الوعي بالقدرة على الفعل. وتجزئة الأمة وتفتيتها وتشييعها أحزاباً إنما ترجع في حقيقة الأمر إلى أنه قد استقر في وجداننا القومي حديث «الفرقة الناجية»، من دون باقي الأحاديث والآثار التي تثبت الخلاف في الرأي مثل «اختلاف الأئمة رحمة»، وتقر التعدد مثل «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديهم اهتديهم». فأصبح وجداننا القومي أحادي الطرف بعد القضاء على المعتزلة وانتصار الأشاعرة، وبعد الهجوم على العلوم العقلية وانتصار التصوف، وبعد إخراج ابن رشد من وعينا القومي وبقاء الغزالي واستمراره إلى اليوم. إعادة البدائل إذن تعيد التوازن إلى وجداننا القومي. والتعدد أحد مظاهر الوحدة، فالأمة واحدة.

وعلى هذا النحو تتحقق الوحدة العضوية بين الأصالة والمعاصرة، وتلبي احتياجات الأمة في لحظتها الراهنة. وهي مهمة جيلنا من دون دعاية أو إعلان أو انتهازية أو ذرائعية بل كتصور علمي للواقع، وكموقف شريف تجاه مصير الأمة، وعلى هذا النحو تستمر النهضة، وتتأصل جذورها، وتتحقق أهدافها. وقد بدأناها منذ القرن الماضي، ويبدو أنها لم تكتمل بعد على رغم جهود مضنية لعدة أجيال.