هيمنة الغوغائية والشعاراتية يعود أيضاً إلى النزعة التسلطية السياسية والدينية، والأخطر التسلطية التربوية فى نظام التنشئة الاجتماعية، فى الأسرة والتعليم، خاصة فى ظل تمدد بعض القوى الإسلامية المحافظة.

بقلم: نبيل عبدالفتاح

عن صحيفة ميلد ايست اونلاين

31 يوليوز 2014

 

إن نظرة طائر أخرى على نظام اللغة/ نسق الفكر، تكشف عن عديد الجذور والعوامل والتجليات التى أدت إلى تشكيل العقل واللغة والخطاب الغوغائى، الذى يسيطر على بعض جوانب حياتنا العقلية والثقافية والدينية والسياسية، ويعود بعضها إلى نظام التعليم السائد منذ عديد العقود، والذى ارتكز على تكوين العقلية النقلية التى تعتمد على الحفظ والتلاوة الشفاهية، والكتابية، وهو أمر لا يقتصر على نظام التعليم الدينى، وإنما يسود أيضاً فى إطار التعليم العام والجامعي، ومن ثم يبدو استثناء ظهور بعض من التعليم الذى يتأسس على النزعة العقلية والتفكيكية والتحليلية ذات الطابع النقدي.

يعود ذلك إلى بعض المدرسين أو الأساتذة فى الجامعات، ولكنهم قلة محدودة جداً، واستثنائية، أو إلى الجهد الذاتى لبعض الطالبات والطلاب الذين يسعون إلى تلقى معرفة نقدية خارج نطاق الخطاب التعليمى النقلى، وهن وهم قلة قليلة فى الجسد التعليمى العام والأزهري، والجامعي. هذا النمط من المصريات والمصريين يظهرن ويظهرون بين الحين والآخر. وهذا النمط من العقول النقدية كان يظهر فى عديد من مراحل التطور الاجتماعى والثقافى المصري، فى مجتمع كثيف السكان لديه بعض من فوائض حيوية التطور الحداثى الحضارى التاريخى منذ نهاية القرن التاسع عشر، رغم تآكل عديد من جوانبه.

إن هيمنة الغوغائية والشعاراتية فى اللغة / الأفكار، يعود أيضاً إلى النزعة التسلطية السياسية والدينية، والأخطر التسلطية التربوية فى نظام التنشئة الاجتماعية، فى الأسرة والتعليم، خاصة فى ظل تمدد بعض القوى الإسلامية المحافظة وسط المدرسين والمدرسات الذين يقومون بشرح المواد التعليمية من خلال التفسيرات الدينية سواء بالإشارة إلى أمثولات دينية شائعة، أو سعيهم إلى الربط بين أفكارهم الدينية المحافظة والسياسية، وبين العملية التعليمية، من خلال بث هذا النمط التأويلى والإيديولوجى لأفكار جماعاتهم، وبين بعض المواد المقررة.

هذا الدور السلبى للمدرسين والمدرسات، يحول الدروس من مجالها إلى نطاق الوعظ والإرشاد الدينى فى تفسير المواد وشرحها، ويعتمدون أيضاً على تذكية عقلية الحفظ والاستظهار، وتحويل المواد الدراسية إلى مجموعة من الأسئلة والإجابات النمطية التى يضعونها على المواد المقررة، لكى يحفظها الطلاب والطالبات. والأخطر هو تحويل المواد إلى مجموعة من الكلاشيهات التى يعاد تلاوتها بالحفظ والتكرار.

إن التعليم الجامعى فى العلوم الاجتماعية والإنسانية، لا يختلف كثيراً من حيث استمرارية ذهنية التفكير النقلى التى تعتمد على الحفظ والتكرار، مع تمدد الحركة الإسلامية السياسية الإخوان المسلمين، والسلفيين وسواهم فى وسط الطالبات والطلاب والآخر تركيبة الجماعة الأكاديمية، وميل خطابهم التعليمى، والتأليفى للكتب إلى تديين بعض معالجاتهم للدروس الجامعية، ومن ثم الاعتماد على مجموعة من «الكلاشيهات» العامة حول بعض تأويلاتهم الإيديولوجية الدينية، وتضمينها فى نصوصهم المكتوبة، أو دروسهم وخطابهم الشفاهى التعليمي.

إن الحاسوب والإنترنت والوسائط المعلوماتية والاتصالية الجديدة تساعد بعض الطالبات والطلاب وهن وهم قلة قليلة جداً على الخروج من دائرة التعليم النقلى والشعاراتى وسعيهم إلى مصادر أخرى للمعرفة تساعدهم على تربية ذوقهم النقدى.

بعض ملامح العقل الغوغائى:

1- اللغة الانتقائية المبتسرة: يميل هذا النمط العقلى إلى أن استخدام بعض المصطلحات وانتزاعها من سياقها النظرى أو التحليلى وتوظيفها فى سياقات تبدو بلاغية أو إنشائية أكثر من كونها أداة تحليلية، وغالباً ما يتم ذلك على نحو مبتسر ومشوه. من ناحية أخرى استخدام بعض هذه المصطلحات والمفاهيم على نحو يتسم بالتناقض بين بعض هذه المفاهيم وبعضها الآخر، لأن هذا العقل الغوغائى، لا يتعامل علمياً مع المصطلحات وإنما يستخدمها كجزء من التزيين اللغوى، وإبراز خطابه على أنه علمى أو قريب من العلم!.

2- لغة المزايدات السياسية والدينية والأخلاقية، وذلك كأداة للهروب من لغة الحوار والمحاججة والمعلومات والتحليل الدقيق لأى فكرة أو مفردة أو مصطلح أو مفهوم… الخ، سواء فى إبراز نمط من الوطنية المتطرفة، أو القومية العربية أو الإسلام أو المسيحية… الخ التى تستخدم لغة الاتهامات للآخرين فى محاولة لإخراج السجال أو الحوار عن مساره الموضوعى إلى لغة الاتهامات الأخلاقية والسياسية، وما يسرى فى السياسة، يحاول بعضهم تحويله إلى الجوانب العقائدية والإيمانية حول ثنائية الكفر والإيمان فى حين أن موضوع الحوار أو الجدل أو السجال بعيد عن الجوانب العقدية، ومن ثم هو موضوع قابل للجدل والأخذ والرد بعيداً عن ثنائية الكفر والإيمان، وذلك لأن بعضهم يريد حسم الحوار أو السجال بالتكفير أو التفسيق هروباً من الاستمرار فى العملية الحوارية لأنه يفتقد إلى الحجج والمعلومات والمنطق ومنهج المقاربة، ومن ثم يلجأ إلى لغة التكفير.

3- لغة التفكير بالتمنى، ومن ثم سيطرة الأمنيات الفكرية على تحليل الواقع الموضوعى، وأطرافه وسياقاته ومآلاته، ومن ثم يميل إلى الفكر/ اللغة إلى الإحباط حال فشل هذا المنهج فى التفكير، بل إشاعة اليأس. والأخطر أن فكرة المؤامرة تشكل التفسير الدائم للفشل والإخفاق فى القضايا الداخلية والخارجية.. دائماً يبدو أن ثمة متأمرا يترصدنا، كى نفشل، وننهزم.

4- أدت مواقع التفاعل الاجتماعى إلى ظهور بعض من ملامح الغوغائية فى بعض خطاب التغريدات الذى ينتجه نشطاء الواقع الافتراضي، وذلك من خلال لغة عامية تتسم باستخدام المفردات والتراكيب السوقية والبذيئة فى التعبير الموجز عن آرائهم سواء من خلال الحملات السريعة هاشتاجات – حول بعض المواقف، أو الآراء التى يرفضونها، أو قوانين، أو قرارات. بعض هذه التغريدات توظف اللغة البذيئة والتى تمتح من الجنسى، فى إبراز نزعة تحقيرية إزاء الشخص، أو الرأي، أو الموقف السياسى أو الاجتماعى موضوع السخرية، وهو أمر ينبغى النظر إليه بعيداً عن التقييمات المعيارية والأخلاقية، ولكن النظر إليه من خلال خطاب التغريد ووظائفه، والذى يعتمد على الإيجاز، ومن خلال هذه اللغة التى تدور بين النزعة الساخرة، والمفردات الجنسية العارية، أو السب والقذف.

المشكلة الأساسية هى ما يفرضه حيز الخطاب التفريدى الموجز جداً، من نزعة اللجوء إلى جمل عامة وموجزة، والمفردات الجارحة، ومن ثم تبدو فى بعض هذه التغريدات نزعة نقدية، وتوظف لها اللغة التغريدية الجديدة الأقرب إلى لغة الشارع الشعبى فى بعض سوراتها الغاضبة والعنيفة والبذيئة. وللحديث بقية.

نبيل عبدالفتاح/ كاتب مصري