بقلم /عبد الحميد جماهري

فاجأ ملك البلاد المغاربة الذين تابعوا خطاب العرش أول أمس الأربعاء، عندما طالب بما يشبه الافتحاص عن السياسات العمومية في البلاد، لدراسة قيمة المغرب الإجمالية (بشقها المادي وغير المادي)، وأوكل الدراسة للهيئات المعنية، وطنيا ودوليا. وهي دراسة، بتلخيص ، تخص الثروة وتوزيعها .. ومكان وجودها!
الدراسة، بشكل مبسط، تنسحب على المدة الزمنية التي تولى فيها الملك الحكم، من 1999 إلى أواخر2013. وبذلك تكون هي المرة الأولى التي يطلب فيها الملك «أوديت» عن عهده.
وبالرغم من أن الملكيات لا تقدم حصيلتها في السياسة أو في التدبير الإجمالي للبلدان، فإن الملك اختار الصراحة والوضوح في تقييمالاختيارات على قاعدة استفادة أم عدم استفادة الشعب المغربي من منجزات هذه السياسات العمومية، ومن الثروة الوطنية التي راكمتها البلاد في ظرف 15 سنة…
وقد سبق للمنظومة البنكية الدولية أن أجرت دراسات حول ما طلبه الملك في خطاب العرش، لكنها المرة الأولى التي يصاحب المواطنون والمواطنات قرارا ملكيا في هذا الشأن، وسيكون عليهم أن يتابعوا نتائجه التي طلب الملك أن تنشر وتعمم وتصبح شأنا مواطنا.
إنها السياسة بسؤال مدهش ببداهته وببساطته، يتداوله الجميع : أين تذهب الثروة الوطنية؟ وهل يستفيد منها الجميع أم تخص فئة من الفئات فقط. السؤال الصريح لم يفاجئ فقط الذين يهمهم كيف يفكر ملك البلاد ورئيس الدولة، بل الذين لا يهمهم أن يعرفوا ذلك، بل كيف «يرضون» نزوعات الدولة أو عودة التقاليد السابقة في .. تدبيج الأغاني وتلوين الأشياء، حتى ولو كانت تعارض الحقائق.
فقبل أن يقرر الملك ما سيفعله في الذكرى 15 لتوليه العرش، كان هناك من فكر قبله وقرر أن يقدم ملحمة أو بلغة أهل الشرق «أوبريت» – عن المنجزات الكبرى لبلادنا، و تشنيف الأسماع بأغنيات «كوكوطية» لا تقول سوى .. نشيج الذين يرددونها.
هذا السلوك، بالرغم من محدوديته، لم يكن هو الذي اختاره ملك البلاد، وقد كان بالإمكان أن يختاره، وله ما يقدمه، لساعات طوال من منجزات وتفاصيل وأرقام ومعطيات .. منها ما لا نعرفه إلى حد الساعة.
لكنه، وعوض لغة الإنشاد المكرور، اختار الملك قاموسا واضحا : حقيقة الوضع، تشخيص موضوعي، جدوى السياسات العمومية، التواضع، محاسبة النفس … الخ.
وضوح القاموس يحيل على وضوح أخلاق المسؤولية، وذلك ب:
1 – السياسة الحقيقية هي سياسة الحقيقة، أخذت كل معناها، ولم يعد خطاب التطمين والنفخ الذاتي والغرور ( الملك حذر منه) هو الضرورة اليومية لكي تعيش السياسة ويعيش الممارس السياسي، كما تكرس لدينا من لدن المسؤولين الحكوميين وغير الحكوميين.
2 – نزعة الإفراط في التفاؤل ولغة التهليل و التطبيل، تلقت ضربة قوية، لا سيما وأن الذي وجهها له كل المبررات التاريخية والمؤسساتية والشرعية لكي يسلك هذا المنهاج، وصار على المسؤولين في السياسات العمومية أن يتبنوا نفس المنظومة في أخلاق المسؤولية.
ليس المجال للمقارنة (لا سيما مع وجود الفارق) لكن أليس من المفيد هنا أن نشير إلى أن خطاب 15 سنة من العمل الفعلي لا يواجهه خطاب حكومي، ل3 سنوات فقط، من الإنجازات الافتراضية؟
كيف تتحدث المؤسسات التي أفرزها دستور 2011 عن فترات ما بعد 2011؟
كيف يتحدث الفاعل السياسي الحزبي اليوم من داخل الأغلبية عن التدبير، وبأية لغة؟
هل يمكن أن نتصور مسؤولا حكوميا يتساءل معنا: أين هي الثروة الوطنية ؟
ومن استحوذ عليها؟
ما هو محقق، هو أن بنكيران لن يكون له دور في المجهود الوطني من أجل تدقيق الثروة الوطنية، وربما يعود ذلك إلى كون «الحكومة عابرة» ويتحكم فيها المنجز الانتخابي، أكثر من الاستراتيجي، لا سيما عندما يربط خطاب رئيس الحكومة بين «المنجزات» و«الفوز في الانتخابات إن شاء الله»!!
3 – من سوء المرافقة الموثورة لأعياد العرش أن الذين يجاهرون بحذاقة عواطفهم أمام الكاميرات، عادة ما يعرفون الجواب الذي يكون ملك البلاد مازال يصوغه.
فقد تساءل الملك : أين الثروة؟
وكان أصحاب الفيديو قد سبقوه إلى الإجابة في فيديو الملاحم .
وتساءل الملك : هل استفاد منها جميع المغاربة؟
وأجاب أصحاب الملحمة: نعم والله العظيم.. وتوجهوا إلى مسجد الحسن الثاني لكي يقسموا في المقام العظيم على ذلك!
وتساءل الملك : أتكون الثروة همت بعض الفئات فقط؟
وهنا سكتوا، لأن ذلك لا يتماشى مع النغمة الحماسية والموسيقى الصادحة التي تتغنى بالمغرب المشرق..!( لا يمكن أن نعاتب الفنانين المغاربة، الكبار منهم والشباب، لأنه لا يوجد من يرفض دعوة إلى إعلان حبه لبلاده ولملكها، المجهود في رمته، والمشروع بماليته وبأهدافه غير الفنية هو الذي يثير الغضب و ..التأسي).
4 – لم يكن الملك يردد على مسامعنا في الخطاب، لازمة العام زين.. ولا المعجزات التي حققها في ظرف 15 سنة.
كان يدعونا أن نقوم بما قمنا به في جدوى السياسة العامة للبلاد وتشخيص الجراح التي عشناها.
لقد كان لافتا أن الأسلوب الذي اختاره الملك، يذكرنا بالأسلوب الذي كان لنا مع حصيلة العهد السابق، بخصوص سنوات الرصاص، حيث تشكلت اللجنة التي تقوم بما تقوم به، وبحثت واستمعت ونقبت .. وفي الأخير جاء تقرير المصالحة والإنصاف تقريرا جديا وحصيلة واقعية وذات مصداقية، وتقرر أن يعمم على المغاربة كلهم ليعرفوا الوضع الصحي لبلادهم.
والمطلوب اليوم نفس الشيء.
لماذا تقرير الهيئة؟
لأن الذي يتابع كل المصالحات التي تمت في بلادنا( المجال، الإنسان، الذاكرة، اللغة، المرأة..) يدرك أن ذلك كان لهدف معين، وهو طي صفحة الألم.. ليبدأ كتاب جديد في المغرب قوامه التنمية البشرية والتقدم والرفاهية، كان من المقرر أن يتم ذلك في عشر سنوات الأولى ، فزدناه 5 سنوات إضافية، لأن التعليم فشل في الوصول إلى ما كان يجب الوصول إليه، وكل دعائم التنمية البشرية متراجعة.. والإرادة في طي صفحات المصالحات المتعددة للانتقال إلى جوهر السياسة والحكم، أي التنمية والرفاهية والعدالة الاجتماعية تتعطل بسبب التأخر الحاصل في توزيع الثروة الوطنية، وفي خلق شروطها التعادلية.
ليس كافيا، بالفعل، أن ننجح في تضميد جراح الماضي، وتشخيص الحاضر إذا كنا عاجزين عن طمأنة المستقبل، تحريضه على أن يكون لفائدة الجميع.
يبقى ما هو أهم:كيف يمكن توزيع الثروة في البلاد؟
لقد طرح الملك السؤال، الذي كان محرما ويكاد يكون من صميم التحدي وأصبح الجواب محتملا من احتمالات مغربية جادة..وسقطت مسحة التهويل عن الثروة، ما نعرفه منها وما لا نعرفه.. وأصبحت علاقة الثروة والسلطة، الثروة والتنمية، والثروة والعدالة الاجتماعية نقطة في جدول الأعمال، المعلن عنه من أعلى سلطة في البلاد.
إننا أمام جدول أعاد لمقولات نفر منها بعض الذين صنعتهم، مثل التفاوت الطبقي، التوزيع غير العادل للثروة.. الاوضاع القائمة..قيمتها الاجرائية والتحليلية. في بلاد كادت تنسى، من فرط الطمأنينة المفتعلة والاتكالية أن في البلاد فقرا وجوعا وأمية وهشاشة..!
وختاما، نريد فعلا أن يعمم التفكير والحديث في هذه الأمور ، والتصفيق لمن صرح بها بدون قفازات وكلام خشبي..

*****

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

1 غشت 2014