‪‬

‪*‬ مؤامرة مدبرة ضد قيم ومبادئ وأمجاد المقاومة المغربية المسلحة ‪

*‬ تقارير مشبوهة في الحملة التضليلية للعميل البخاري

لابد من الإشارة هنا إلى أن ما قام به العميل أحمد البخاري هو حملة تشويه مدبرة ضد الوطن وضد الشعب وضد تاريخه ومقاومته وتضحياته من أجل طرد قوات الاحتلال وإحقاق الاستقلال.
وبمعنى أوضح إن المؤامرة اليوم هي مؤامرة ضد ثورة ملك وشعب!
وككل متآمر محترف، يحاول العميل التغطية على حملته التآمرية بالقول إنه لا يأتي بشيء من عنده، وإنما ينقل ما اطلع عليه من تقارير سرية بأرشيف المخابرات الفرنسية…
والغريب في هذه النازلة أن ما وقع في المغرب منذ عدة عقود من استعمال مشبوه لتقارير المخابرات الفرنسية، لم يحصد سوى الفشل الذريع بفضل الإجماع الشعبي على رموز الوطن، وافتضاح مرامي القوى المضادة لثورة الملك والشعب وانكشاف أهدافها التآمرية… الغريب أنه بعد أزيد من ستة عقود على إفشال المؤامرة على رمزية ورموز الثورة، تستفيق اليوم بقايا هذه القوى في المغرب، وتستعمل نفس الأساليب البالية، ونفس الاتهامات والإشاعات حرفيا بالنقطة والفاصلة، للعودة إلى محاولة تشوية ثورة الملك والشعب، انطلاقا من تقارير مشبوهة ومخدومة…
وللتأكيد أن العميل المذكور يلعب هذا الدور التآمري أنه لا يكتفي بمهمة «نقل الكفر» والتغطية على ذلك بمقولة «ناقل الكفر ليس بكافر»، بل يحاول التحايل على القراء، للإيهام بمصداقية تلك التقارير، بالقول «لو كنت أحكي هنا ما هو مكتوب في تقارير الاستخبارات والاستعلامات العامة، لكان مغلوطا، لكن تقاريرSDECE كانت محايدة تماما ولا تميل إلى أي جهة»، ثم يؤكد أنه «ليس من مصلحة المخابرات الفرنسية أن تعد تقارير كاذبة أو مغلوطة»، ومشددا على أن هذه المخابرات تابعة للدفاع وليس للحكومة، وهو «ما يجعل تقاريرها جدية ومحايدة، وتبحث عن الحقيقة للتعامل معها»!!!
لنتصور حقيقة ودوافع شخص معين يتكلم عن تقارير استخباراتية ويدافع عنها بكل هذا الشكل الحماسي، هذا أولا. ثانيا، القول إن جهاز SDECE وهو جهاز «مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس» في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا، يتبع الدفاع ولا يتبع الحكومة، قول مردود لأن من يتحكم في الإقامة العامة خلال الفترة التي تأسست فيها المنظمة السرية هي الدفاع وليست الحكومة، وحتى المقيمين العامين لم يعودوا مدنيين وإنما جنرالات بارزين، علما أن تأسيس «المنظمة السرية» في 1951 ارتبط بالممارسات القمعية للجنرال جوان، ثالثا، أن الاستخبارات الفرنسية كانت تعد تقارير مغلوطة بهدفين: تضليل الحكومة الفرنسية حول حقيقة ما كان يجري على الساحة المغربية، ومحاولة استعادة ثقة المعمرين في المغرب، ومازلت شخصيا أذكر هذه الأساليب، ومازال رفاقي المقاومين الأحياء، أطال الله في أعمارهم، يذكرون ذلك جيدا، ويذكرون كيف تصاعدت أعمال المقاومة، وكيف أصبحت مدينة الدارالبيضاء تحت تصرف الفدائيين، حتى أن الفرنسيين المقيمين بالمغرب باتوا أنفسهم على قناعة بهذه الحقيقة، مما جعل السلطات الاستعمارية تتحرك بكل قوة لاستعادة ثقة الجالية الفرنسية، فجندت مخابراتها وصحافتها وإذاعتها وعملاءها وأبواقها لتعلن في الشوارع أنه ليس هناك وجود لأي حركة منظمة، وإنما مجرد أفراد مجرمين يقترفون جرائم القتل والاعتداءات، وأنها ستلقي عليهم القبض لاستثباب القانون والأمن والاستقرار…
وما زلت أذكر أنه ردا على هذا الادعاء، قررت جماعتنا تنفيذ عمليات منظمة في مختلف أحياء مدينة الدارالبيضاء، بواسطة مسدسات من عيار واحد، وفي وقت واحد تحدد في الساعة الثامنة والنصف ليلا. وهذا ما حصل بنجاح، وعاد الإخوان إلى مواقعهم سالمين، مقدمين لسلطات الحماية الدليل على أنهم يمسكون بزمام الأمور، وأن المحتلين ليسوا أمام أفراد مجرمين، بل إن الوجود الاستعماري برمته كان في مواجهة مباشرة مع إرادة شعب مؤمن بالحرية والاستقلال من خلال مقاومة مسلحة منظمة تناهض الاحتلال…
إنني أتألم اليوم غاية الألم، لأن ما كنا نواجهه، كمنظمة سرية، أيام بطش سلطات الاستعمار في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي، أجد أنه، اليوم، بعد أزيد من 60 سنة، ونحن في سنة 2014، نواجه نفس الحملات ونفس التقارير ونفس التضليلات الاستعمارية!!
هذا في ما يتعلق بالتقارير التي استند عليها العميل، لننتقل إلى الرد على باقي أركان الحملة المشبوهة ضد رموزنا الوطنية…
الادعاء بأن الزرقطوني أمي وعديم الذمة

من أركان الحملة المشبوهة، التي يشنها العميل، الادعاء بأن الشهيد محمد الزرقطوني أمي وغير مثقف، وأنه منحل أخلاقيا ويرتاد المواخير، وأنه كان أجيرا صغيرا، وكان عديم الذمة يستعمل أموال المنظمة في معيشته، للإيحاء بأنه كان يستولي على الأموال لفائدة منافعه الشخصية!!!
كل هذه الادعاءات هي أباطيل وتضليلات، فالشهيد محمد الزرقطوني، كما هو معروف، ولد بالدارالبيضاء سنة 1927، وترعرع في أحضان الحركة الوطنية، منذ ريعان شبابه، وكان بكر والديه، ولذلك أولاه والده عناية خاصة بالحرص على تربيته تربية دينية، وتمكينه من كل عناصر التكوين والاستقامة، فألحقه بالمسجد لحفظ القرآن الكريم، وتمكن فعلا من إنهاء حفظ ستين حزبا، أو ما يعرف عندنا بـ»السلكة»، كما اعتنى بدراسته الابتدائية، بإلحاقه بالمدرسة العبدلاوية، ثم بتعليمه الثانوي بإلحاقه بمدرسة النهضة، وحرصا من والده على تلقينه مبادئ العلم والمعرفة الأساسية، كان مهتما كثيرا بجعله يستفيد، بانتظام، من دروس التقوية سواء في اللغة العربية أو اللغة الفرنسية…
ومع ذلك، يأتي اليوم، بعد 60 سنة على استشهاد الزرقطوني، من يزعم أن هذا البطل الفذ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وأنه كان غير مثقف، في حين يعلم القاصي والداني أنه كان أحد المسيرين البارزين بحزب الاستقلال في الدارالبيضاء!!!
أما القول إن الزرقطوني كان أجيرا صغيرا، فهو قول غير صحيح البتة، إذ لم يسبق له أن كان أجيرا، بل كان تاجرا بقيسارية باب مراكش، ومنها انتقل إلى درب السلطان زنقة سيدي عقبة للتجارة في الخشب، وفي هذا المتجر بالذات كان يخبئ ثلاثة مسدسات، أخبرنا بوجودها في الاجتماع التأسيسي للمنظمة السرية يوم 7 أبريل 1951، فانتقلنا إلى هناك في تلك الليلة، واستخرجنا المسدسات الثلاثة، وفي اليوم الموالي، ذهبنا إلى الواد المالح حيث قمنا بتجريبها والتأكد من صلاحيتها…
وبخصوص المزاعم الخبيثة حول أخلاق الشهيد، يمكنني أن أؤكد، باعتباري تشرفت بأن أكون أحد رفاقه الأساسيين، أن المرحوم محمد الزرقطوني، عندما التحق بالعمل الفدائي، كان في ريعان شبابه، لم يتجاوز عمره آنذاك 27 سنة، لقد كان شابا خلوقا، متدينا، يتميز في علاقاته ومعاملاته بالطيبوبة والأدب ولطف المعشر، وكان جسورا مثالا للتضحية والوفاء وحب الوطن، إذ فضل أن يعطي وقته كله ويضحي بكل حياته من أجل الوطن على الركون إلى العبث وتزجية الوقت في الملذات، كما تصوره تقارير مشبوهة لمخابرات المستعمر!!!
أما الإيحاء بأنه كان يستعمل أموال المنظمة ويستولي عليها لأغراض شخصية، فهذه أفظع تهمة نسمعها منذ تأسيس المنظمة السرية، بل لم نسمعها حتى أيام المواجهة مع سلطات الاستعمار، التي كانت تسخر أذنابها لنشر الإشاعات والاتهامات للطعن في الفدائيين، لم نسمعها من الاستعمار، وعشنا حتى شفنا وسمعنا من يسوق اليوم هذه الأباطيل.
إن كل من تعرف على الشهيد محمد الزرقطوني، يمكن أن يؤكد أنه كان مثالا للنزاهة والاستقامة، وأنه كان عفيفا، وأبرز دليل على ذلك هي الحالة، التي ترك أسرته عليها، إذ كانت متوسطة الحال، وتركها كذلك، وأسرة شهيدنا مازالت موجودة أطال الله في أعمارهم، يمكن لأي كان الاتصال بأحد أفرادها للتأكد من هذه الحقيقة…
إن أبطال الوطن وشهداءه سيبقون أبطالا وشهداء، ولن يكون بمقدور مضللين، سواء بالأمس أو اليوم، أن ينجحوا في النيل من رمزيتهم الشامخة، سيبقون عنوانا للافتخار والعزة والرفعة والكرامة، عنوانا للتضحية ونكران الذات، وعنوانا لتاريخ شعب حافل بالبطولات والأمجاد…
الادعاء بأن الزرقطوني جبان ويخاف حتى السفر خارج البيضاء

من أركان الحملة المشبوهة، أيضا، محاولة العميل تشويه صورة الزرقطوني الفدائي، وأنه ليس بطلا ولا هم يحزنون، وإنما كان جبانا ويخاف السفر إلى المدن الأخرى خارج الدارالبيضاء…
في الحقيقة، لا أستطيع أن أصف مثل هذه المزاعم إلا أنها أسوأ وأفظع مهزلة عبثية سمعتها في حياتي، إذ أن شهيدنا الأبي، البطل الفذ محمد الزرقطوني، كان نموذجا يحتذى في الشجاعة والدهاء، ومن يعرفه، وهذا العبد الضعيف واحد ممن عرفوه وعاشروه، سيدرك أنه كان دائم التنقل بين المدن والقرى، في سرية تامة، لتنسيق عمل خلايا المقاومة المسلحة، من أجل أن تكون محكمة التنسيق والتنظيم، وهذا العبد الضعيف سافر معه أكثر من مرة، ويمكن العودة لكتبي، ابتداء من كتاب «مسيرة التحرير»، وصولا إلى كتابي الأخير «هوامش بالأحمر حول كتاب الفقيه البصري»، ليجد فيها القارئ تفاصيل واضحة عن أعمال الشهيد، وهي أعمال جليلة أمكن إنجازها بفضل أسفاره إلى عدد من المدن المغربية لإنشاء الخلايا وربط الاتصال وتمتين وتطوير العمل والتنسيق، ويمكن أن أذكر هنا، على سبيل المثال، تنقل الشهيد بنفسه إلى مراكش على متن سيارة «طراكسيون»، في محاولة اغتيال بنعرفة بمسجد بريمة، وهناك أيضا السفر إلى مدينة فاس، رفقة عبد ربه الحسين برادة، للاتصال بالأخ محمد الجاي، في مهمة إحداث خلية للمقاومة السرية هناك، بعد اعتقال وإعدام الشهيد عبد الله الشفشاوني وأعضاء خليته، ومن أجل تزويده بالسلاح، الذي حملناه معنا مخبئا في السيارة…
وأشهد، مثلما يشهد جميع رفاقه، أنه، طوال عمله معنا، ظل يعتبر نفسه مجرد جندي من جنود العمل الفدائي لا قائدا، وهذه خصلة لا تتوفر إلا للعظماء. ورغم تواضعه، فإن إحساسه الكبير بالمسؤولية، وإقدامه وشجاعته، جعلته يحمل كل صفات القائد، التي أهلته ليكون المسؤول الأول في التنسيق بين الجماعات المسلحة الموجودة بالمدن والقرى، من الجنوب إلى الشمال إلى وسط البلاد، وعلى هذا العميل الذي يقول إن شهيدنا البطل كان يخشى السفر خارج الدارالبيضاء بسبب رعبه من الوقوع في قبضة قوات الاستعمار، أن يبين لنا من كان يربط الاتصال بمقاومي فاس عن طريق الشهيد عبد الله الشفشاوني، وبمقاومي مراكش عن طريق الشهيد حمان الفطواكي، وهذان مجرد مثالين بارزين فقط على جليل الأعمال التي كان يقوم بها الشهيد، إذ كان يتحدى مطاردات الاستعمار وأذنابه ليسهر بنفسه على تشكيل خلايا المقاومة في عدة مدن مغربية…

 عن جريدة الرباط: “العلم”

2 غشت 2014