(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي (15من 28)

 بقلم /د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

تعاليم وأحاديث الرسول :
كانت تعاليم الرسول (ص) وأحاديثه الخاصة بالدين, ذات طابع ديني مقدرة أو يوحى بها له من قبل الله تعالى كما جاء في الآية القرآنية الكريمة التالية: ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى, وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى, علمه شديد القوي .). (سورة النجم . 1-5) . فالرسول الكريم وفق هذه الآية, هو ناقل تعاليم الله سبحانه وتعالى له كي يعطيها للناس ويبشر بها لخلق عالم العدالة والمساواة والمحبة بين الناس. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يعرف دوره في هذه المسألة التبشيرية بأنه ليس أكثر من مبشر وداع لمعرفة وممارسة تعاليم الله جل جلاله بالحكمة والموعظة الحسنة. أو بتعبير آخر, فهو فيما يدعوا إليه ليس من عنده, وهو لا ينطق عن الهوى, وإنما وهو وحي يوحى, وقد ميز الرسول بين ما كان يقوله هو كبشر, و بين ما كان يوحى إليه. فهو في نهاية المطاف بشر شأنه شأن الآخرين .
تأكيد الرسول على بشريته :
هناك في الحقيقة أدلة كثيرة تؤكد لنا بشرية الرسول. كما في قول الله عز وجل في الآية الكريمة : ( قل سبحان ربي, هل كنت إلا بشراً رسولاً). الإسراء. ( الآية 93). وقول الله عز وجل أيضاً: (وقل إنما أنا بشر مثلكم.). الكهف – الآية – 110).
وفي مسألة تأبير النخل مثلاً, وهذه من الحوادث التاريخية المعروفة والمشهورة في حياة الرسول, حيث قال لهم عن نفسه: (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من رأيي, فإنما أنا بشر ). رواه مسلم والنسائي. وكذلك في حديث له رواه مسلم . ( إني ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن , ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن اكذب على الله عز وجل.). وكذلكً قول الرسول في حجة الوداع : (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع, فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً, فإنما أقضي له قطعة من نار. ).(55). وهذا ما يؤكد بأن ليس كل ما يقوله الرسول هو من الوحي, وهذا القول يضع الحدود بين كلام الله وكلام الرسول.
إن هذه النصوص تؤكد بلا شك أن ما لله في وحيه لله, وما للرسول من قوله الخاص به فله. وما نص الآية : (وما ينطق عن الهوى, إنما هو وحي يوحى.). إنما هي لما يختص بالقرآن فقط ولا يدخل فيها ما سمي بالحديث.
إن مسألة تدوين الحديث بالذات من قبل الصحابة, وبعد وفاة الرسول الكريم لاقت إشكالات كثيرة يأتي في مقدمتها موقف الرسول نفسه من كتابة ما يقوله هو من عنده, حيث كان يرفض أن يكتب عنه شيئاً, وبالتالي فإن مسألة كتابة الحديث هي مسألة تخالف تعاليم الرسول والخلفاء لراشدين.
أولاً موقف الرسول من كتابة الحديث:
في حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي, وأحمد والدرامي عن أبي سعيد ألخدري قال: ( قال رسول الله (ص) ” لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن, ومن كتب عني غير القرآن فاليمحه”.).
وعن أبي هريرة يقول : ( خرج علينا رسول الله (ص) ونحن نكتب الأحاديث, فقال: ” ما هذا الذي تكتبون ؟. قلنا أحاديث نسمعها منك . قال: كتاب غير كتاب الله ؟. أتدرون؟. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى).
أما موقف أبي بكر رضي الله عنه : فقد قال : ( إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها. والناس بعدكم أشد اختلافاً, فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً, فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله, فاستحلوا حلاله, وحرموا حرامه.).(56) .
أما موقف عمر رضي الله عنه فقد قال: ( إني كنت أريد أن اكتب السنتين, وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فاكبوا عليها وتركوا كتاب الله , وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً. ) .. وله قول آخر أيضاً : ( أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل.).(57).
ولنا في موقف مروان بن الحكم من الأحاديث التي كانت تروى عن الرسول ضد بني أمية وظلمهم دليل على عدم الركون إلى موقف السلفية في تقديس الحديث. حيث خاطب أهل المدينة قائلاً : ( يا أهل المدينة إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لا أنتم. وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن. فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم رحمه الله, وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم .). (58).
أما طريقة كتابة الحديث فلها قصة أخرى مليئة بالإشكالات. لقد روي عن الخطيب البغدادي عن كيفية كتابة البخاري للحديث بناءً على قول البخاري ذاته : ( رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام, ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر, فقيل له : يا أبا عبد الله بتمامه؟. فسكت).( 59).
بعد هذا ماذا علينا أن نقول لمن دونوا الحديث وقد وصل عدد ما دون منه إلى أكثر من (130) ألف حديث, لم يستطع من جمعوها أن يأخذوا منها إلا ما ورد كثقة في السند والمتن. بل حتى عملية دراسة الحديث والأخذ به وتدوينه كانت تدخل فيها العلوم العقلية للتحقق والتمييز بين المتواتر منه عن المرسل والمقطوع والمتبوع والمتعلق والموقوف. أي البحث عن مدى صحة أو خطأ هذا الحديث, من حيث كونه صحيحاً أو ضعيفاً أو مضعفاً أو منحولاً أو كاذباً. وهذا مؤشر على أن عملية نقله أو لأخذ به من مصادره لم تكن موثوقة, عدا المتواتر منه. إضافة إلى ذلك إن الحديث المنقول يعتبر من أخبار الآحاد, وأخبار الآحاد ظنية والله عز وجل يقول: ( إن الظن لا يغني من الحق شيئاً. ). (يونس – الآية -63).. هذا إذا ما وقفنا أيضاً عند مسألة أخرى تتعلق بكتاب الحديث, حيث تذكر المصادر على سبيل المثال, إن صحيحي مسلم والبخاري تعتبرا من أصدق كتب الحديث, وهذا ما أكده إمام الحرمين الجويني بقوله: (إن علماء المسلمين أجمعوا على صحة ومصداقية ما جاء في الصحيحين وأنه: “والله لو أن شخصاً ما قال بطلاق زوجته بأن كل ما جاء في صحيحي مسلم والبخاري صح, لما طلقت زوجته.). (60). وقد اثبت التاريخ عدم صحة بعض هذه الأحاديث وبخاصة ذات الطابع التاريخي التنبئي منها. كما يروى في صحيح مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة الحديث رقم (7139). وكذلك في حديث فتح القسطنطينية وخروج الدجال الفتن المثيرة التي لم يتحقق منها شيئاً. حتى هذا التاريخ.
إن متابعة هذه المسألة عند أئمة السلفية ترينا أن الكثير منهم قد أيد ما جاء به الجويني. لقد وصلت القناعات عند الكثيرين من رجال الدين السلفيين إلى القطع بثبوت ما ورد في الصحيحين (مسلم والبخاري). و ذكر النووي في التقريب : ( ذكر الشيخ ابن صلاح , أن ماروياه مقطوع بصحته, والعلم القطعي حاصل فيه. ). (61). وقال السيوطي : (إن قول ابن صلاح هذا هو قول أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة, وأكثر أهل الكلام من الأشعرية وجماعة الشافعية وأبي إسحاق الشيرازي, ومن الحنفية كالسرخس, ومن المالكية كالقاضي عبد الوهاب, ومن الحنابلة كأبي يعلى وأبي الخطاب وابن الزعفراني.( 62).
لقد كان هؤلاء جميعا يقولون: (إن أخبار الآحاد تفيد حصول العلم القطعي بثبوتها بشرط واحد هو ورودها في البخاري ومسلم. ) . بينما الآية القرآنية تقول كما أشرنا سابقاً : ( إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.). (63).
أما موقف أبي حنيفة من الحديث في التشريع , فقد كان يلجأ إلى عموم القرآن دون أن يخصصه بأخبار الآحاد, كونه لا يدخل في مفهوم (السنة) إلا ما كان قطعياً في ثبوته. لذلك كان كثير الاستدلال بالقرآن, قليل الاعتداد بالأخبار التي كان أهل الحديث بصدد البدء في تجميعها على نحو كمي واضح. من هنا كانت دائرة المباح عنده واسعة أكثر من بقية المذاهب الفقهية ألأخرى عند أهل الحديث, وهذا ما جعله يتعرض لحملة ضارية من منظومة أهل الحديث, إلى حد القول بتكفيره تارة وتبديعه تارة أخرى, حتى تراجع عن قناعاته في مسألة موقفه من الحديث رضوخاً لضغطهم عليه. (64).

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر

الاربعاء 6 غشت 2014