مصطفى المتوكل/ تارودانت

الاربعاء 6 غشت 2014

يقول تعالى (﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ﴾سورة النساء

ويقول تعالى : (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين، فأقم وجهك للدين من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون).سورة الروم

…ان الانسان  هو  اهم ثروة في الكون  بالعقل الذي وهبه الله له والذي يخول له  التميز و القدرة على التعلم والفهم والاستيعاب  والتطوير والبناء ان وظف في الاتجاه الاحسن …وبافتراض عدم خلق الانسان او خلقه بنفس قدرات الحيوانات التي نعرفها   …لما كانت هناك حضارات ولا ضرورة لارسال الانبياء والرسل ..

قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ النحل

…يقول تعالى((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا))الاسراء

قال تعالى: ((وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه))،الجاثية

فهباتُ الله تعالى ومنحه   ونعمه اللامحدودة الظاهرةٌ والباطنة ..المعلومة وغير المعلومة وضعت رهن  اشارة البشرية  كافة … فهيا الانسان ليمتلك القدرة على التطور للتحكم في العديد منها وتوظيفها خدمة لنمائه وازدهاره ورخائه ان وظفها ايجابا من اجل الخير …

 قال عزّ وجلّ:(( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)) لقمان

ومن اعظم واصعب درجات التكريم تحميله المسؤولية  في شقها العام والخاص تسييرا  وتدبيرا  في كل المجالات  المرتبطة والمتلازمة بشكل مباشر اوغير مباشر  بوجوده وقدراته المتجددة  من اجل استمرار النوع وتطوره وكرامته  …ليصبح الانسان ايا كان معتقده او جنسه اوعرقه مؤتمنا على كل ما يطاله علمه وعمله بين الناس ومع كل المخلوقات ومع بالارض من خيرات باطنية او سطحية نباتية او معدنية او حيوانية …وحتى الفضاء والكون …

 قال تعالى..( ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾) سورة الأحزاب..وعلامات جهله جشعه وطمعه وتسلطه وطغيانه ..

فاذا كنا نعلم ان الارض غنية وتحمل من الخيرات والثروات التي بالعلم الذي هيانا الله لريادته في الدنيا سنجعلها في خدمة الصناعات والمهن والحرف والرفاهية والعلاج والقدرة على الاستغلال الامثل لها على اعتبار  انها للناس كافة .. فلنا ان نتساءل جميعا .. كيف اختل ميزان التوزيع العادل للثروات في زماننا هذا وفي العديد من الحقب  ؟؟ وكيف احتكرت قلة جل الخيرات ؟وكيف اصبحت الاغلبية تستغل بطرق  بشعة احيانا تصل الى اقصى درجات تقارب الاستعباد …؟وكيف يفسر الاثراء السريع وتضخم الثروات بموازاة مع رزوح غالبية واضحة في الفقر وتحت عتباته …؟؟وكيف …وكيف ؟؟

هل مرد ذلك كسل “الاغلبية” وعدم رغبتها في العمل والانتاج و”رفضها “لتحسين اوضاعها والرقي بها الى ما هو احسن وافضل …؟ ام ان هناك سياسات طبقية ريعية تعتمد على استغلال النفوذ والشطط في استعمال المسؤولية واحتكار الخيرات لفائدة قلة وفئات مختارة قصدا او اعتباطا لتغتني على حساب العامة ؟؟…

 فالخيرات والثروات و المال  لله ، والبشر مستخلفون فيه  مما يجب معه ان يعم فضل كل ذلك على عباد الله وليس البعض منهم  …

ان المشبع بالحد الادنى من الاخلاق الاسلامية والقيم الانسانية النبيلة لاشك انه لن يتفهم ولن يقبل بمفارقة غير عادلة يعتبر فيها انتشار الفقر والماسي الاجتماعية وعدم وجود مساواة بين الناس كافة للولوج الى الثروات  الوطنية  والمساهمة في البناء الاقتصادي والاجتماعي للحد من الفوارق الطبيقية والقضاء على الفقر وليس تكريسه والتاقلم معه… وكانه امر حتمي  ويدخل ضمن القضاء والقدر  الذي لاراد له ولا يمكن القضاء عليه او الحد من انتشاره واثاره السلبية  …

 … ان انتشار الفقر والامراض الاجتماعية الناتجه عن التوزيع غير العادل  للثروات ..  لايضعف فقط الافراد بل يؤدي الى اضعاف  الأمم المعنية امام غيرها التي تسعى الى تطوير قدراتها وتثمين مواردها المادية وغير المادية …مما يزيدها تدهورا وتازما وترديا ومما قد يؤدي لاقدر الله الى الفتن و الاختلالات الامنية …كما ان خيرة الطاقات والتي تقفل امامها ابواب الانتاج والابداع وتطوير الثروات تضطر الى الهجرة .. كما قد تضطر فئات منهم الى البحث عن حلول وطرق قد تزيد الامر تعقيدا وتزيد المجتمع تفككا والدول ضعفا …

 …ان الفقر قد يكون مفسدا  للأخلاق والسلوك العام  وقد يتسبب  في مشاكل لاحصر لها   بالأسرة.
وتزداد خطورته اذا كان   من اسبابه   الثراء فاحش الذي يبني على الاستغلال والاحتكار والتلاعب بارزاق الناس  …وتوظيف كذهم وتضحياتهم المتلاحقة – باجور وتعويضات زهيدة لاتعدل مستوى العمل المقدم .. – لتنمية ثروات  بعض الاثرياء  الذين لايبدلون اي جهد او تعب ..

….وبوقوفنا على بعض اسباب التوزيع غير العادل للثروات انطلاقا من الكتاب والسنة في علاقتها بالسياسات الاقتصادية والاجتاعية سنجدها  على سبيل المثال في…

*انتشار  الثراء والترف..، ولهذا   سجل التاريخ بان  اول من يرفض ويواجه رسالة  الأنبياء ودعواتهم  هم المترفون،.. كما قال تعالى: ((إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ))[سبأ:34]

*…الظلم: قال تعالى: “ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا..” يونس: 13. وقال تعالى: “فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة..” الحج: .

*…الفساد في الأرض:  قال الله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين، فأقم وجهك للدين من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون).

*…استـضعاف العـباد وظلمهم كما قـال تعـالى: { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَـاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا }

*…الغلو في الدين…عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قــال: (دعوني مـــا تركتكم إنــما هـلك مـن كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) رواه البخاري و مسلم

*… التنافس في فتن الـــدنيا  .. قـال صلى الله عليه وسلم  : (فو الله مـا الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم) [رواه البخاري و مسلم ].

*ومن سنة الله في البشر أن كل ما يصيبهم من بلاء وأذى في الأنفس والأبدان وشئون الملك والسلطان إنما هي آثار للأعمال ونتائج للسلوك الفاسد، مع وجود عفو الله الكثير كما قال تعالى: ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).

**… ظلم  الناس بعضهم بعضا …قال تعالى : (( ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ))الأنفال
قـال الطبري: ” إن الله لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم حتى يغيروا مـا بـأنفسهم  من ذلك بظلم بعضهم بعضاً واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره” .

فما ذكرناه وغيره من الاسباب ادى الى انهيار الحضارات وتسبب في كوارث انسانية ما زالت البشرية تعاني من ويلاتها وانعكاساتها الى زماننا هذا .. ومازال البعض متماديا في غيه وغضه الطرف  عن المفاسد وخاصة منها الاثراء السريع وسوء توزيع خيرات وثروات البلد وعدم ظهور اثار نعم وطنهم عليهم …

… وللقضاء على الفقر اي  الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي نقتبس من الاسلام كما من بعض النظريات الاقتصادية العادلة …بالاشارة فقط لبعض المبادئ والسياسات  التي استند إليها  سيدنا عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه في الإصلاح …

*...اتخاذ البطانة الصالحة والإيجابية والفعالة في البناء والإصلاح….: ويظهر ذلك من توصيته لمن حوله، قال عمرو بن مهاجر: قال عمر بن عبدالعزيز:” يا عمرو إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي ثم هزني ثم قل لي ماذا تصنع”

*..اشراك الناس في خيرات الوطن  ……فقرر  (ض) جعل مخصصات لكل مسلم ومسلمة حتى ولو كان رضيعا وشملت حتى الفقراء من غير المسلمين بما يحميهم ويجنبهم سؤال الناس ..

*…التوزيع العادل للثروات بمحاربة الريع واستغلال النفوذ … قال وهيب بن الورد، قال: اجتمع بنو مروان إلى باب عمر بن عبدالعزيز فقالوا لابنه عبدالملك: قل لأبيك إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا وإن أباك قد حرمنا ما في يديه فدخل على أبيه فأخبره فقال لهم: إن أبي يقول لكم إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم))……،

و قال: “ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء”))،..وقال الأوزاعي: “لما قطع عمر بن عبدالعزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصة، كلموه في ذلك فقال: لن يتسع مالي لكم وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد”

*…محاربة الرشوة كيفما كان نوعها وحتى ما يسمى  الهدية ولقد اهدي تفاح   لعمر بن عبدالعزيز ..فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه ارفعه يا غلام للذي أتى به، وأقرئ فلاناً السلام، وقل له إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب، فقلت يا أمير المؤمنين ابن عمك ورجل من أهل بيتك، وقد بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية فقال ويحك إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية وهي لنا اليوم رشوة..

*… اعتماد العدل في كل شيئ…:  وسنورد هنا ما رواه محمد بن كعب القرظي حيث قال:(( دعاني عمر بن عبدالعزيز، فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ سألت عن أمر جسيم، كن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمثل منهم أخاً، وللنساء كذلك وعاقب الناس على قدر ذنوبهم، وعلى قدر أجسادهم، ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتعد من العادين..))، …وكتب بعض عماله إليه كتابا مما جاء فيه “أما بعد: فإن مدينتنا قد خربت فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمها به- فرد عليه وقال- أما بعد: فحصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه مرمتها والسلام”...

*…رفع الضرر عن العامة وضمان ما أتلف من أموالهم إذا ما تعارضت المصلحة العامة مع الخاصة..

*… ابعاد من يسيئ الى الثروة الوطنية والى العدل … ولقد احسن الوصف رضي الله عنه عندما ربط  تردي الاوضاع العامة في عصره في بعض الولايات والامصار   فقال: “الوليد بالشام، وقرة بمصر، والحجاج بالعراق، وعثمان بن حيان بالحجاز، امتلأت الأرض والله جورا”،  فكتب إلى بعض عماله: “أما بعد: فكن في العدل والإحسان كمن كان قبلك في الجور والظلم والعدوان”))

ان الحديث عن احوال الناس واوضاعهم والعمل بكل الوسائل لضمان الاستقرار بالعدل والمساواة والاحسان والتازر والتقاسم  والتوزيع المنطقي لخيرات ومقدرات الامة واشراك الناس في المعرفة المتشبثة بالفكر الحقوقي المحقق لمجالات ومالات صرف وتوظيف اموالهم وثرواتهم الوطنية ومردوديتها على معيشتهم امر محمود بل واصبح ضرورة شرعية وسياسية وانسانية …

 يقول رسول الله : “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ“.

وقال تعالى: “أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم لكن كانوا أنفسهم يظلمون“الروم

وقال تعالى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } الحج

فالله نسال ان يهدينا جميعا لما فيه خير وطننا وشعبنا … شعب لايستجدي بعضده بعضا ولايستغل فقره اي كان … شعب يشد بعضه بعضا يتقاسمون الفرح والخيرات والبناء المشترك للامة والحضارة البشرية …