بقلم /محمد بوبكري

كثر الحديث في بلادنا مؤخراً عن التباعد بين الدولة والمجتمع، بل عن التعارض بينهما، ما قد يدفع بالشباب إلى فقدان الثقة في المؤسسات والانصراف عنها وجعله لقمة سهلة في يد الإرهاب التكفيري. وهذا ما عمل ويعمل بعض الديمقراطيين من أجل الحيلولة دون حصوله وعيا منهم بأن نتائجه ستكون كارثية على الوطن والنظام والمجتمع في آن. وقد ظل هؤلاء الديمقراطيون منذ سنين يدعون إلى “مصالحة وطنية ديمقراطية” بين السلطة والمجتمع. لكن الأمر، كالعادة، انتهى إلى الطريق المسدود. وهذا ما يستوجب التساؤل عن السبب العميق لذلك.
يفسر بعض المتتبعين العلاقة غير السوية بين السلطة والمجتمع بتحول الدولة إلى أداة في يد السلطة مكَّنت الحاكمين من الاستئثار بالقرار السياسي والسيطرة على موارد الوطن، فتم تهميش المجتمع وإخضاعه… ويقود التعمق في هذه الوضعية إلى خلاصة مفادها أن الأمر يتعلق أساسا بتحويل الدولة إلى مِلْكِية خاصة من قِبل الحاكمين بغية تمكين فئة قليلة من احتكار الموارد الوطنية والحيلولة دون تعميم الفوائد على أكبر عدد ممكن من فئات المجتمع، ما نجم عنه تفاوت اجتماعي مهول بين هذه الفئة ومختلف فئات المجتمع يعكس بدوره اختلافا عميقا حول مفاهيم وتصورات مختلفة ومتناقضة للسلطة وللهوية الاجتماعية والوطنية في آن واحد.
من هذا المنظور، تعني “المصالحة الوطنية الديمقراطية” وضع حد لهذا الاحتكار عبر توفير الشروط لفتح حوار جدي حول توزيع السلطة والموارد الوطنية لكي نتمكن من تحديث الدولة والمجتمع وبنائهما ديمقراطيا حتى يسود الاستقرار وتتوفر شروط التنمية الحقيقية ونتجنب السقوط في مستنقع العنف…
وتعكس الدعوة إلى “المصالحة الوطنية” حصول تحوّل مهم في الوعي السياسي للفئات الاجتماعية الوسطى التي تسعى إلى الإصلاح والتغيير، ويدل ذلك على رفضها للتسليم بوضعية الأمر الواقع ونبذها لاستعمال القوة والعنف أسلوبا لتحقيق المطالب، وامتلاكها إرادة الحوار من أجل تسوية سياسية تقطع مع مآسي الماضي والحاضر بهدف الوصول إلى اقتناع الجميع بالانخراط في بناء مستقبل واضح المعالم… وهذا ما سيؤدي إلى السلم والحياة الديمقراطية والمشاركة الإيجابية والاستقرار والتنمية…
يمكن تفسير تردُّد السلطة في الاستجابة لمشروع “المصالحة الوطنية” بحذرها من رغبة الديمقراطيين في البحث عن تسوية عقلانية وواقعية مع السلطة تتضمن في العمق مشروعا جديدا لهيكلة الحقل السياسي نفسه…، الأمر الذي يرفضه الحاكمون لأنهم لا يقبلون بأي تحول في الوعي السياسي للمجتمع يفضي إلى فرز فاعلين اجتماعيين سياسيين جدد يعارضون الأوضاع القائمة ويمتلكون القدرة على التصور والتقدير والتقرير والإنجاز والنقد والتقويم. وهذا ما يعكس رفض السلطة للآخر ولمبدأ التعددية لأن هذه الأخيرة تنهض على النسبية وتقبل بشرعية الصراع والتنافس بين المشاريع والبرامج والتوجهات المجتمعية والثقافية… ويعني ذلك أن السلطة لا تقبل بإخراج السياسة من حيز المحرمات واللامفكر فيه إلى حيز التفكير المتعدد واختلاف وجهات النظر والشفافية والمسؤولية…
ويدل مشروع “المصالحة الوطنية” على أن نخب الفئات الوسطى قد أدركت معنى الحكم ومضمونه، الأمر الذي قد يفضي إلى ولادة حراك سياسي جديد يؤدي إلى كسر السكون وزوال الأحادية التي مكَّنت الحاكمين من الانفراد بالجمع بين السلطة السياسية والاقتصادية…، ما ساعدهم على التحكم في الشأن العام وتحويل المجتمع بأكمله إلى مجموعات مصالح اقتصادية ومهنية مستقلة عن بعضها البعض، ولا تهتم كل واحدة منها إلا بمصلحتها الخاصة. وهذا ما حال دون تمكُّن المجتمع من تكوين رؤية وطنية تُعْنَى بالمصير العام، وتُخلِّص المجتمع نفسه من مختلف الانقسامات التي تعوق تأهيله سياسيا، وتعرقل وحدته حتى يتسنى للحاكمين بسط سيطرتهم عليه. لذلك، لا غرابة في ألا يقبل هؤلاء “فكرة المصالحة” لأنهم يرون فيها محاولة لتفجير تناقضات ونزاعات يعتقدون أنهم في غنى عنها. ويعود ذلك إلى أن الحاكمين لا ينظرون إلى أنفسهم بكونهم فئة من بين فئات أخرى ذات مصالح معينة، وإنما بكونهم السلطة والوطن والدولة في آن واحد… فهم لا يؤمنون فقط بأنهم الممثلون الوحيدون للشعب، وإنما يعتقدون أنهم الشعب نفسه ممثلا بما يجسدونه من قيم وطنية واجتماعية ودينية وثقافية. فهم الضامنون لوجوده والمؤتمنون على مستقبله. ولا يمكن أن يعترفوا بوجود فريق آخر يعبر عن الشعب أو عن جزء من مصالحه…
وهذا ما جعلهم يحرصون على احتكار ممارسة السياسة وإضعاف فرص نمو قوى ديمقراطية حقيقية قادرة على استغلال مختلف الأزمات التي تمر منها البلاد لإحداث تحول نوعي حضاري وعميق في حياتنا السياسية. لذلك، فمن الطبيعي أن يؤدي غياب مثل هذه القوى إلى ألا تقود الأزمة إلى تحول نوعي في السلطة، وإنما إلى إعادة إنتاجها من قِبَل القوى الحاملة لها وفق منظورها وخدمة لمصالحها الخاصين.
وبذلك، فأزمة الانتقال الديمقراطي في بلادنا راجعة إلى عوامل عديدة تأتي على رأسها، فضلا عما سبق وفي ارتباط شديد به، هشاشة القوى الديمقراطية وعدم قدرتها على السير بعيدا بعملية التغيير السياسي والتحويل الاجتماعي… وتتجلى هذه الهشاشة في غياب التنظيمات الديمقراطية الحقيقية، واقتصار الدعوة إلى الديمقراطية على مجموعات صغيرة لا تنظر إلى الديمقراطية ذاتها بكونها برنامجا سياسيا حقيقيا لإحداث تحول اجتماعي فعلي… كما أن هذه القوى لا تستطيع الاستفادة من الانفتاحات المحدودة التي يضطر إليها النظام، فأحرى أن تقدر على المساهمة في خلقها…
لكن ما لا يأخذه الحاكمون بعين الاعتبار هو أن تراكم الأزمات وشمولها لمختلف القطاعات قد جعلنا أمام أجيال جديدة شابة لا تؤمن بهذه الانفتاحات، ولا حتى بمعنى الديمقراطية، إذ جرفتها مشاعر اليأس، وصارت ترغب في تغيرات جذرية وسريعة. كما أن هناك شباب آخر دفع به اليأس والمعاناة إلى السقوط في أحضان أنواع شتى من “السلفيات” التي تتعارض من حيث طبيعتها مع الديمقراطية، بل إنها تشكل أبشع أنواع الاستبداد، لأنها لا تراقب فقط جسد الإنسان وأفكاره، بل إنها تخطف روحه وعقله وتجعله يستبيح حياة كل من يختلف معه… لذلك، إذا استمرت الأحوال على ما هي عليه، فمن المحتمل جداً أن تتعرض هذه الفئة الأخيرة من الشباب إلى إغواء “الإرهاب التكفيري”، وما ينجم عن ذلك من عنف وتقتيل وخراب…

……عن صفحة بليليض الفيسبوكية

الخميس 7 غشت 2014