بقلم /علي المرا بط

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله, ان الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة, ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.
إن هذه المقولة مما لاشك فيه تعكس واقعنا كونيا بالملموس وتبين بالوضوح مكانة العدل وأهميته في بناء الأمم واستقرار مجتمعاتها, بغض النظر عن معتقداتها واتجاهاتها السياسية ومذاهبها الدينية, في حين يأتي الظلم كنقيض للعدل ليكون السبب الاساسي في تخريب الامم وهلاك العباد. وهنا تأتي العلاقة المتضادة بين العدل والظلم, حيث يؤدي كل واحد منهما الى نتيجة مخالفة للتي يؤدي اليها الاخر ,ذلك ان العدل يبني والظلم يخرب ويفسد, ثم ان كل منهما يخلص الى جزاء مخالف له لمن يتولى كل واحد منهما ,سواء في الدنيا او الآخرة, فالعدل يؤدي بصاحبه الى مكانة محمودة والظلم يؤدي بصاحبه الى الهلاك والفساد.
والتأمل في هذه المقولة توحي الى استحضار الاوضاع السيئة والمزرية التي تعيشها البلاد الاسلامية العربية والتساؤل حولها في مجتمعاتنا العامة والخاصة وندواتها عن السبب الذي أدى الى هذه الحالة السيئة من الذل والاستعباد من الآخرين وهذا الوضع المهيمن والمخزي, كما نتساءل عن العلاج والدواء لنتمكن من النجاة والشفاء, وفيها تتنوع الآراء وتتعدد الملاحظات لكل واحد فيه سبيل ثرتئيه لحل هذه المشكلة ومعالجة هذه المعضلة, وذلك بمنظور خاص به مع الاتفاق حول تدهور الاوضاع في هذه البلدان. وهذه المقولة تبرز حتما ما يحظى به العدل والانصاف في الكتاب والسنة والفكر الانساني بصفة عامة . أكيد ان اقامة العدل في الاوطان يؤدي لا محالة الى استقرار أوضاعها ويؤدي الى سعادة شعوبها وإلى رقيها وتقدمها وقد تناول الذكر الحكيم العدل بإسهاب في جميع سوره وأحزابه وكثرت في شأنه آيات بينات منه, كما هو الشأن وأكثر بالنسبة للظلم بمختلف أشكاله وأنواعه وأوصافه, كما تناولتهما أيضا الاحاديث النبوية والمفسرين والمحدثين.
وهكذا, فالعدل هو من صفات الله الحسنى, لأنه سبحانه عادل (ولا يرضي لنفسه الظلم) وقد أمر به الله بقوله (ان الله يأمر بالعدل والإحسان) اية 259 من سورة البقرة كما يأمر الحكم بالعدل بقوله في الاية 8 من سورة المائدة بعد بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنان قوم على ألا تعدلوا, اعدلوا هو أقرب للتقوى (مما يستفاد من قوله تعالى «اعدلوا أقرب للتقوى» معناه ان القيام به يكاد يتبوأ صفة الاولياء كما جاء في سورة يونس (الذين امنوا وكالوا يبقون ) وفي سورة النساء جاءت الاية 57 امر الله بإقامة العدل في الاحكام وهو خطاب موجه الى الحكام ويقصد به القضاة «واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) «وهكذا فالعدل يعني انصاف للخالق بالاخلاص بعبادته والاخلاص فيها للمخلوق على السواء, وذلك باعطاء كل ذي حق حقه وكف الاذى والاعتداء على الناس بكل اشكاله وانواعه, ثم ان العدل لا ينحصر فقط في الاحكام القضائية او الفتاوي الشرعية, بل يشمل جميع مناحي الحياة الانسانية وهو اساس الملك وبه يتم اقامة الدولة وبناؤها, ومنه تستمد استمراريتها وقوتها, لا سيما ان الناس يعرفون العدل بفطرتهم وما انهيار الانظمة السياسية الا سبب البغي والجور والطغيان واستبداد حكامها, كما ان غياب العدل يؤدي الى التخلف واضطراب للفكر البشري ولا يعرف اي تطور حضاري او تقدم انساني وكذلك فإن العدل لا يشترط اية مرجعية دينية او علمانية, اللهم ما كان من المرجعية الانسانية والكونية وهنا يجب التذكير بأن الغرب لم يعرف التقدم الا بعد التخلص من سلطة الكنيسة وتحالفها مع الانظمة السياسية الحاكمة بالظلم والاستبداد وكذلك يجب التذكير بأنه قد اخطأ من يعتقد أن الخلاص من الاوضاع السيئة التي تعيشها الامة العربية الاسلامية هو الرجوع الى الدين بالاساس, في حين ان الخلاص هو الفهم الصحيح للدين وتطبيقه تطبيقا سليما ,لان الخلل لا يكمن في الدين, بل في سوء الفهم للدين وبمكانته في مختلف المجالات وليس بالاقوال, بل بالافعال وبالعلم المتنور والتخلص من الاوضاع لا ينحصر ايضا في الرجوع الى الدين حسب قول بعضهم, بل الخلاص هو اقامة العدل أولا بمفهومه الصحيح في تدبير شؤون المحكومين وارساء قواعد الديمقراطية الحقة واحترام الانسان ومحاربة الظلم والفساد والاستبداد, و لا يضمن الاستقرار إلا بمؤسسات الدولة بمختلف درجاتها وصيانة كرامة الانسان في ماله وعرضه ونفسه وتمكينه من التمتع بجميع الحقوق والمطالب المشروعة ومعاملته معاملة تليق به كمخلوق ممتاز فضله سبحانه على سائر المخلوقات كالحق في الحياة الذي يكمل معه الايمان, وبصفة عامة اقامة العدل والموازنة والمساواة في جميع الحقوق المشار اليها وما يليه من الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والثقافية, وهكذا فعندما تتم اقامة العدل في الامة كيف ما كانت في معتقداتها, فإن الله سبحانه يجنبها الآفات والشقاوة وذلك مصداقا لقوله سبحانه (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) ثم جاء في حديث النبي صلى الله عليه و سلم (حد يقام في الارض خير للناس من ان يمطروا ثلاثين او اربعين صباحا) معنى الحديث هو اقامة العدل والانصاف, اما الظلم فانه مناقض له وهذا واقع الامة العربية الاسلامية, وقد استشرى فيها انواع المظالم بمختلف الاشكال وساد فيها الفساد سرا وعلانية,ولهذه الاسباب تأخر العالم الاسلامي ليس فقط بسبب غياب العدل, بل بالظلم و بمؤسسات سياسية غير عادلة ونزيهة وجزاء الظالمين كجزاء الكفار المشركين ومن جبروتهم هو الخلود في جهنم, كما هو الحال بالنسبة للقتل العمد للمؤمن, ذلك بقوله سبحانه في سورة النساء (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) وبذلك فكل من قام بقتل نفس بغير حق او فساد فيكون جزاؤه جهنم ولن يقتصر الامر على من قام بعملية الاغتيالات والتعذيب بمختلف انواعه والتي تعتبر ظلما يشمل المشاركين والمساهمين من قريب او بعيد, وما يجري الآن في العالم العربي الاسلامي الا بسبب تفشي الظلم والاستبداد بالاساس ولم يوجد في القرآن الكريم اي عمل حرمه الله على نفسه الا الظلم حسب ما جاء في الحديث القدسي الذي رواه ابو ذر الغفاري عن الرسول صلى الله عليه وسلم (اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) كما جاء في آيات قرآنية كقوله سبحانه (وما ربك بظلام العبيد) (ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسن يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) آية 40 من سورة النساء.
ثم جاء في الآية 118 من سورة يونس (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) وفي هذا الصدد فقد وجه الله تعالى تحذيرا وتنبيها لكل من يخالف أوامره ويؤتى اعمالا تحمل في طيها الظلم للانسان والعباد وذلك بقوله سبحانه (فيلحذر الذين يخالفون عن أمره أن نصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب أليم. ونظرا لخبث الظلم وقبحه فوقع تشبيهه بالشرك بالله, الذي لا يقبل التوبة والمغفرة من عند الله خلافا لجميع المعاصي والذنوب والكبائر وذلك بقوله (ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) اية 38 وقد تم تكرارها مرتين في سورة النساء والمشرك بالله يكون جزاؤهم جهنم و حرم من الجنة وذلك بقوله سبحانه في الاية 82 من سورة المائدة (ان من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار) ثم جاء في نفس الموضوع في وصية لقمان لابنه (يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم) اية 13
فاذا كان الظلم يشبه الشرك بالله سبحانه, فقد اعتبره ايضا من سمات الكفار في سورة البقرة قبل اية الكرسي مباشرة (والكافرون هم الظالمون) (الله لا اله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) ولم يكتف كتاب الله بتشبيه الظلم بالشرك بالله وهو من اكبر الكبائر وأولها وغير قابلة للتوبة, مما جاء في الايات القرآنية المشار اليها انفا, ذلك ان الشرك بالله تنفي عنه وحدانيته وألوهيته, وهو ما كان عليه المشركون الذين توعدهم الله بذنوبهم بالعذاب في جهنم خاصة ان محور النبوة ورسالات الانبياء و الرسل كلها تدعو الى تأليه الاله وتوحيده والاخلاص في عبادته ويتعلق ايضا بالمعتقد والايمان ,لذلك فالظلم مرتبط بالشرك والكفر والعياد بالله والحال ان الله لما حرم الظلم على نفسه وجعله حراما بين عباده ولا يقبله لنفسه انه ليس من صفاته فهو منزه عنها وعن جميع العيوب والنقائص, في حين ان جميع صفات الكمال والعلو فهو اولى بها, وبالتالي فقد قال عن نفسه (ولايظلم ربك احدا)
وهكذا. فإن كان الله لا يظلم وحرم الظلم على نفسه وهو قادر على ذلك، وتم تشبيهه بالكفر والشرك وخص عباده الظالمون بالوعد والوعيد وما ينالونه من العذاب من الخلود في نار جهنم يوم القيامة، وكم من أمثال تضمنها القرآن الكريم حول هلاك الأمم السابقة بسبب الكفر والشرك والظلم والجحود بآيات الله، وكذلك النفاق، وذلك بمختلف أنواع التهلكة في الدنيا بقوله سبحانه في كتابه العزيز (فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقن«. ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا«) سورة الكهف. (فجميع المظالم والمعاصي في الدنيا وجميع الأعمال التي يقوم بها الإنسان فيها، فإن الله ينصفهم ويعدل بينهم يوم القيامة بدون ظلم بقوله سبحانه »لا ظلم اليوم«، وذلك في يوم الحساب ولخطورة الظلم وقبحه وعدم القبول به. فقد جاء في قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم »واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون«( آية 254 من سورة البقرة )وبكلمة الظلم تم ختم القرآن الكريم ونزول الوحي. وبعد ثمانية أيام، توفي الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية، ثم ان الإيمان لا يكتمل لدى المؤمن إذا شابه أو خلطه بظلم وينقص منه حسبما جاء في قوله تعالى في (الآية 72 سورة الأنعام) »الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك، لهم الأمن وهم مهتدون« ويعني بالأمن الهداية والرشاد حول العدل والظلم. هذا فقط بعض الآيات القرآنية الواردة في شأن العدل والظلم، إذ أنه من الصعب الإشارة إليها كلها، نظراً لما سبق ذكره، فإنه قلما يخلو حزب من القرآن أو سورة منه إلا وتناولهما، نظراً لما تحمل من مغزى ومعاني، ولكن في مجملها تحث على العدل وفضائله وتنبذ الظلم ومساوءه وخطورته, ليس فقط على الأمة الاسلامية، بل على الإنسانية جمعاء وعلى جميع الأمم والمجتمعات الإنسانية وسائر المخلوقات إلا أن كل من يقوم بالظلم، إنما يظلم نفسه مصداقاً لقوله تعالى: »وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون«( آية 46 من سورة ابراهيم) »وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون« من سورة الشعراء. وفيها قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الآية »وكذلك أخذُ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد« وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري, ثم إنه لما سئل الرسول صلى الله عليه عن أي ذنب أعظم؟؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك ويليه الظلم في الكبائر ثم الظلم في الصغائر رواه البخاري وأحمد عن أبي هريرة، كما جاء في حجة الوداع، قوله عليه الصلاة والسلام »إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا« هذا, حديث صحيح رواه مسلم والترمذي وابن باجة، كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ بن جبل لما عينه إلى اليمن، »اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينهما وبين الله حجاب« رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة وعن التحذير من خطورة الظلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم »اتقوا الظلم أي لا تظلموا أحداً لا أنفسكم وعلى غيركم إن الظلم ظلمات يوم القيامة« وعن المظالم التي يأتيها الحاكم، فإضافة إلى الجزاءات المختلفة التي ينالها الطغاة والمنصوص عليها في كتاب الله، فقد صنفه الرسول, أي الحاكم الظالم من الخمسة الذين يشملهم غضب الله، وذلك بقوله وخمسة غضب الله عليهم إن شاء أمضى غضبه عليهم في الدنيا وأمر بهم بالآخرة إلى النار, ثم أمر أمير قوم يأخذ حقه من رعيته ولا ينصفهم نفسه ولا يدفع الظلم عنهم. وهكذا، فإن مقولة شيخ الاسلام أن الله يقيم الدولة العادلة و.. كانت كافرة لتنطبق على ما تعيشه دول العالم حالياً. فالبلدان الاسلامية لا تعرف الاستقرار الاجتماعي بغياب العدل وتفشي الظلم والفساد ليس فقط في دواليب هاته الدول، بل في كل ما يتعلق بالشأن العام وعلى رأسها التي تديرها حكومات وفي كل ما يتعلق بتدبير أمور الشعوب، خاصة التي تدعي مرجعية دينية وصار الاستبداد والعجرفة هو أسلوبها في التعامل لمختلف قضايا الشعوب في هذه البلدان، حيث تخلت عن المبدأ الشرعي المنصوص عليه في القرآن الكريم، ويتعلق الأمر بالشورى عمن يخلفهم الرأي بقوله تعالى: »وشاورهم في الأمر ثم أمرهم شورى بينهم« وخالفت مبدأ التشاور وهو الذي أمر الله، وذلك مع كل ما يخالفهم القضايا التي تهم الوطن. وهكذا لما شعرت هذه الحكومات بالفشل، ولما آلت إليه معالم سياستها المتبعة من طرفها، ومع ذلك لا تعمل على إصلاحها كان في أذنها وقر ، وهذا ما تعيشها بلداننا العربية الاسلامية كسوريا مصر والأمة الاسلامية جمعاء لا محالة بناء على ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم »يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأمم على قصتها« وقد قال قائل نحن يومئذ قلة وأجاب الرسول عليه السلام »إنكم أصبحتم كثيراً وكثيراً غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدوركم ولبس في الله في قلوبكم الوهن ولما سئل عن الوهن, قال »حب الدنيا وكراهية الموت« وهذا الحديث النبوي الشريف يشخص بالفعل أقوى مظاهر أوضاع عالمنا العربي الاسلامي وتجلي الفتنة العظيمة التي ضربت المسلمين، ففرقت كلمتهم وشتت صفوفهم, حيث تظافرت الأسباب المؤدية إليها وهي متعددة، وعلى رأسها عدم قيام العدل في تدبير أمور شعوبها وغياب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. وأصبح معه سيادة الظلم والفساد وغاب في أمتنا العلم الذي يعرف بنوره وذلائله ولا يحاكيه وقائله عن الإنصاف وليس عند ذوي التعصب والاعتناق الذي يصير معه عند هؤلاء وأولئك الكلام بغير علم وإلقاء القول على عواهنه والتكلم بغير حق على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

*********

عن جريدة .ا.ش

8غشت 2014