الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي
(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي (16من 28)

د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

ما هو المعتمد من الحديث؟ :

يعتبر الحديث المتواتر هو الحديث الأكثر مصداقية بالنسبة لعلماء الحديث السنة, كونه لا يقوم في إثبات سنده ومتنه على مصادر بحاجة لإثبات صحتها. والمتواتر من الحديث هو ما يدل على أفعال الرسول التي كان يأتيها تطبيقاً تفصيلياً لعموم القرآن. حيث كان عمر بن الخطاب يؤمن بهذا المتواتر من الحديث حيث قال: ( أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما عمل.) (65). ويحدد علماء الحديث الأفعال المتواترة للنبي على ضربين هما:
الأول : تنفيذ الأوامر القرآنية .. (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقد فصله الرسول بقوله: ( وخذوا عني مناسككم.). وهذا في الحقيقة كان ثابتاً لا شك فيه .
الثاني: وهو ما لم يصل من أفعال وأقوال للرسول بطريق التواتر المستفيض, وهي لا تدخل في دائرة الوحي الثابت ثبوتاً لاشك فيه. ). وهنا أعطى الرسول الإباحة بما لم يرد فيه نص, حيث عبر عن هذه المسألة أحسن تعبير حين قال : ( إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يُحرم عليهم, فحَرم عليهم من أجل مسألته. (أخرجه البخاري ومسلم.)
وختاماً نقول في هذا الاتجاه وبعد كل الذي جئنا عليه, وقدمناه من رؤى نقدية أوليه لبعض مواقف السلفية من الحديث والإجماع وغير ذلك إعطاء تعريف آخر للسلفية من منظور الدين الإسلامي الحنيف بأنها : هي منهاج الإسلام. أي منهاج الله. ومنهاج الله لا يعرف إلا بما جاء به الوحي, وهو الثابت ثبوتاً لا شك فيه. والوحي الثابت ثبوتاً لا شك فيه لا يخرج عن القرآن والمتواتر من حديث رسوله في شرحه وتفصيله. وهذا هو معنى السنة الحقيقية على ما اعتقد الذي يحفظ المسلمين من التطرف والغلو.
قضايا التطرف الأساسية في المنطلقات الفكرية والعملية لأهل السنة.
كنا قد تناولنا في القسم الأول من هذه الدراسة أهم القضايا الفكرية التي تضمنت مسألة التطرف عند السلفية, وفي مقدمتها مسألة القضاء والقدر, لذلك وجدنا من الضروة بمكان قبل أن ندخل في نقد هذه المسألة لما لها من الأهمية في الفكر الإسلامي عموماً, أن نعيد طرحها مرة أخرى كما فهمها ونظر لها أئمة السلفية, مع نقدنا لمسألتين أخرتين هما البدعة والعصمة.
أولاً القضاء والقدر : (وما يصيبكم من شيئ فمن عند الله).
لقد بينا في القسم الأول من هذه الدراسة في مسألة القضاء والقدر بأن السلفية يؤمنون إيماناً مطلقاً بالقدر على خيره وشره, وللقدر عندهم مراتبه وهي :
آ- العلم : هم يؤمنون أن علم الله أزلي أحاط بكل شيء, بما كان وسيكون وما لم يكن .
ب- الكتابة : وهي عندهم التكليف الأول للقلم من قبل الله عز وجل ليكتب مقادير وحظوظ الخلائق ووضعها في اللوح المحفوظ حتى قيام الساعة.
ت- المشيئة: وهم يؤمنون أن مشيئة الله نافذة فما شاء كان وما لم يشئ لم يكن. ولا يحدث شيء, صغيراً كان آم كبيراً إلا بمشيئته… وهم يفرقون بين المشيئة “الكونية”, والمشيئة “الشرعية”, فما أراده الله كوناً خلقه خيراً كان أو شراً. وما أراده شرعاً, فهو أمر يدعو الله عباده إليه فعلوه أو لم يفعلوه .
ث- الخلق: منهم من قال: ما أراده الله خلقه في أجل معلوم. ومنهم من قال: إن الفرق بين القضاء والقدر هو الخلق, فإذا علم الله أمراً فكتبه وجرت به مشيئته, فذلك هو القدر, وعندما تتحقق مسألة الخلق لهذا الأمر, فذاك هو القضاء. ومنهم من قال وهم الأشاعرة: إن الله وحده هو من حدد قضاء وقدر الإنسان وكل ما هو موجود بشكل مسبق لا مناص عنه, وبالتالي فإن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها غير اكتسابها. أي إن الله هو من حدد مسألة قدرة الإنسان على ممارسة أفعاله التي أحدثها عند الإنسان, وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه الله على يديي الإنسان. وهذا ما يسمى بنظرية الكسب عند الأشاعرة كما بينا في القسم الول من دراستنا.
يتضح مما سبق أن القضاء هو الأمر الرباني المباشر النافذ حتمًا، وهو أيضا السنن الكونية التي خلقها الله، أي السبب والنتيجة الحتمية. ومن السنن الكونية تتكون شبكة عظيمة محكمة من الأنظمة التلقائية (الأتوماتيكية) التي تسير هذا الكون بمشيئة الله. فالله سبحانه وتعالى أوجد الكون وخلق ويخلق ما فيه ويسيره بقوله كن فيكون بالأمر المباشر وبالسن الكونية أو النظم التلقائية التي خلقها. ولا يقع شيء في هذا الكون إلا بإذنه ومشيئته، فهو القاهر فوق مخلوقاته.
أما القدر فإنه العلم الرباني المطلق الذي لا يقيده قيد الزمان أو المكان أو الحواس المحدودة، وكل شيء بالنسبة لهذا العلم المطلق حاضر من حيث الزمان أو المكان والإحاطة التامة به. وقد أمر الله القلم بأن يسجل ما كان وما سـيكون من هذا العلم المطلق في اللوح المحفوظ. فلا يقع شيء إلا كما تم تسجيله تسجيل وصف، لا تسجيل حكم. ولكن لا أحد سوى الله سبحانه وتعالى يعرف ما هو مكتوب ومتى يصدر حكم حدوثه.
أمام هذه المعطيات الجبرية التي شلت قدرة الإنسان على الاختيار وتحديد أهداف حياته التي خلق من أجلها, وبالتالي تحديد مصالحه المادية والمعنوية, سنقوم ألان بنقد هذا الموقف الجبري وتبيان سلبياته على حياة الإنسان وخلافته على هذه الأرض.

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر...12غشت 2014