خاص جدا // بنحمو يكشف لأول مرة حقائق ومعطيات جديدة عن ظاهرة المقاتلين الجهاديين: البوليساريو والجماعات الجهادية يتوطئان على تهديد أمن واستقرار المغرب

منقول عن جريدة العلم

الثلاثاء 12 غشت 2014

 

الدكتور محمد بنحمو، رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث الإستراتيجية، يكشف لــ”العلم” ولأول مرة معطيات وحقائق، حول ما بات يعرف بظاهرة “المقاتلين الأجانب” المنضمين إلى ساحة المعارك في سوريا والعراق، هناك حيث تلعب الجماعات الجهادية والتنظيمات الإرهابية دورا هاما في الصراع الدائر في المنطقة، التي صارت بؤرة نزاع بين أطراف متعددة على رأسها جماعة جديدة بدأت تستأثر باهتمام كبير على الصعيد الدولي تحت مسمى الدولة الإسلامية بالعراق والشام “داعش”، يتزعمها “خليفتها” أبو بكر البغدادي، الذي سار نحو تحقيق مكاسب ترابية متتالية، لم تكن لتتحقق لولا استقطاب أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب من مختلف الجنسيات، يجمعهم هدف واحد هو “الجهاد في سبيل الله” تحت لواء الاسلام.
هؤلاء المقاتلون الجهاديون تشكل عودتهم إلى المغرب تهديدا وخطرا إرهابيا يتطلب وضع مقاربة أمنية شمولية لصدهم. في هذا السياق، يقدم محمد بنحمو للقارئ معطيات جديدة على قدر كبير من الأهمية نسردها في حوار مطول معه.

س: ماذا نعني بالمقاتلين الأجانب؟

ج: نحن بصدد الحديث عن ظاهرة، تدخل تحت خانة ما يعرف بالمقاتلين الأجانب، وهو مفهوم ليس بجديد، لكنه أخذ بعدا كبير في السنوات الأخيرة في ظل الظروف الحالية، هذه الظاهرة وجدناها سابقا في بعض مسارح النزاعات، مثل أفغانستان وتكرست بشكل كبير فيها، غير أن السنوات الأخيرة والحرب في سوريا أعطت لمفهوم المقاتلين الأجانب حجم كبير جدا، ذلك أن عدد هؤلاء لم يتجاوز في عهد الحرب بأفغانستان 5 آلاف مقاتل أجنبي، فهو في سوريا في زمن لا يتجاوز سنتين بلغ 16 ألف مقاتل أجنبي في البداية معادين لنظام بشار الأسد، و18 ألف مساند له، بمن فيهم مقاتلو حزب الله اللبناني ومقاتلون إرانيون وآخرون من العراق، هؤلاء سرعان ما توزعوا على العديد من التنظيمات الراديكالية الجهادية الناشطة في سوريا، على غرار جبهة النصرة، حركة شام الإسلام، أحرار الشام، وداعش.
س: من هم هؤلاء المقاتلون الأجانب المتواجدون بسوريا؟ وماذا يميزهم؟
ج: ما يميزهم، هو العدد الهائل من الدول التي ينتمون إليها، حيث ينحدرون من قرابة 80 جنسية، متوزعة على مختلف دول العالم من أوربا، أفريقيا، أمريكا وآسيا. إضافة إلى عددهم الكبير الذي يقارب 16 ألف مقاتل كما تمت الإشارة إلى ذلك. ولعل ما يميزهم أكثر هو صغر سنهم، إذ أن بعض المقاتلين هم مراهقون لا تتجاوز أعمارهم 16 عاما.

س: هل من مكان للعنصر النسوي داخل هاته المنظومة الجهادية؟

ج: بالتأكيد، هناك حضور وازن للمرأة في الظاهرة، المرأة هنا لا تقاتل أو تجاهد على نفس شاكلة الذكور، بل الجهاد عند النساء يقوم أولا على ما يقدمنه من أدوار مختلفة داخل شبكات التجنيد، خلف الحواسيب لإرسال الرسائل والقيام بالمهام التواصلية، كذلك يقمن بلعب دور الممرضات من خلال العناية بالجرحى من المقاتلين، أيضا تتكلف المرأة داخل هذا النظام بصيانة الأسلحة والعتاد، أي بكل ما هو لوجيستيكي. ناهيك عن دورها في توفير الدعم النفسي والعاطفي لزوجها من المقاتلين الجهاديين.
بالمناسبة، لاحظت مؤخرا ظهور ما بات يعرف “بجهاد النكاح”، وأعتقد أن هذا الأمر غير صحيح وهو بمثابة شرح خاطئ للظاهرة.

س: كيف تقرؤون هذه المسألة إذن؟

ج: أنظر معي، المرأة التي تنتقل إلى سوريا للجهاد لا يمكنها الانضمام لأحد التنظيمات إلا عن طريق تزويجها بأحد المقاتلين كإطار شرعي للعلاقة بين الرجل والمرأة حسب مرجعية هذه التنظيمات الجهادية. ندرك أن العمر الافتراضي للمقاتلين صغير جدا، فهناك أبو أسامة المغربي الذي قتل مبكرا في سن لم يتجاوز 28 سنة، أيضا إبراهيم بنشقرون قتل عن سن 32 مؤخرا، وبالتالي فإن المقاتلين الجهاديين معرضون للقتل في أي لحظة إما في أرض المعركة أو عند تنفيذهم لهجمات انتحارية. كنتيجة لذلك فإن المرأة الأرملة تتزوج من جديد بأقرب شخص لزوجها أي “أخ آخر”، وهكذا قد نجد بعض النسوة داخل هاته التنظيمات تزوجن عدة مرات في مدة وجيزة.

س: ما الدافع وراء هذا التنقل الكبير للمقاتلين الأجانب إلى سوريا؟

ج: أولا، لسهولة التنقل إليها أي للقرب الجغرافي بالنسبة لأوريا وشمال أفريقيا، وهناك أيضا سهولة التنقل عبر تركيا التي تعتبر وجهة سياحية مهمة تغطى برحلات جوية متعددة بتكلفة مادية ضعيفة، وبالتالي فإن هذه السهولة في التنقل ساعدت على ذلك. ثانيا، هناك مواقف وأدوار بعض الدول، التي لم يكن العديد منها في البداية يعير أي اهتمام لتنقل هؤلاء المقاتلين إلى مسرح العمليات السوري، بل في بعض الأحيان كانت تغض الطرف لأن الجميع كان يعتقد أن الحرب على النظام لن تدوم طويلا. ثالثا، نجد الأدوار التي لعبتها بعض الدول العربية في المنطقة، التي كانت لها أجندات في سوريا ووظفت قنوات لتجنيد هؤلاء المقاتلين، هذه الدول وظفت إمكانيات مادية ولوجستيكية لدعم المقاتلين الأجانب، تصل حد تخصيص منحة للتجنيد تناهز 3 آلاف دولار. أخيرا، ضراوة وبشاعة الحرب التي قادها بشار الأسد ضد الشعب السوري، حركت لدى بعض الفئات نوعا من الحقد والرغبة في مواجهة هذا النظام.

س: ما هي الطرق التي يسلكها المقاتلون المغاربة لتنقل إلى سوريا؟

ج: هناك طريقان مختلفان، الأول هو الذهاب مباشرة إلى تركيا بواسطة الطائرة، وهي أسهل الطرق سيما وأن الدخول إلى هذا البلد لا يتطلب تأشيرة، ثانيا، هناك فئة أخرى تتنقل عبر الطريق البرية مرورا بتونس ثم ليبيا، هذا التنقل يتم تحت إشراف شبكات خاصة تعمل على نقل الجهاديين وتهيئ الظروف الملائمة لالتحاقهم بأرض المعارك. وبين الطريقين يبقى الفرق هو العامل الزمني، فزمن الوصول عبر تركيا لا يتجاوز الثلاثة أسابيع، على اعتبار أن الانتقال من اسطنبول إلى الحدود السورية يتطلب وقتا وجهدا كبيرين، في حين أن المسلك البري يتطلب وقتا أطول بكثير يتراوح بين شهرين إلى 3 أشهر.

س: جميعنا نعلم أن السفر إلى تركيا يستغرق 4 ساعات على الأقل، لماذا كل هذا التأخر؟

ج: أنظر، بعد وصول الجهاديين إلى تركيا وتحديدا اسطنبول، يصبحون تحت رحمة شبكات خاصة تتكلف بنقلهم بعد القيام بجميع الترتيبات اللازمة، وهناك أيضا عامل التجنيد الذي يستغرق وقتا قبل النزول إلى ساحة القتال، من هنا نفهم الأسباب التي تجعل من زمن الرحلة أطول.
س: هل من أرقام مضبوطة حول هؤلاء المقاتلين الأجانب في سوريا؟
ج: حاليا، نتوفر على رقم رسمي وحيد، الذي أعطاه وزير الداخلية محمد حصاد، وهو 1122 مقاتل مغربي انطلقوا إلى سوريا، و2000 مقاتل جاؤوا من أوربا و128 عادوا إلى المغرب. فيما يخص أعداد المقاتلين المغاربيين الموجدين في سوريا، هناك أرقام غير رسمية أي أنها غير صادرة عن المصالح الأمنية للدول، لكن تم التوصل إليها بناء على تقارير دولية، هناك 1000 جهادي جزائري، وقرابة 3500 من تونس، و3800 من ليبيا، و800 من مصر، و2200 من السعودية. وفيما يخص أعداد المقاتلين المنحدرين من الضفة الأخرى نجد 700 فرنسي، و450 من ألمانيا، و420 من بريطانيا، و360 من بلجيكا، و320 من هولاندا، و120 من إسبانيا. أشير إلى أن نسبة كبيرة من هؤلاء المقاتلين مغاربة، إما ذوي أصول مغربية عاشوا بالخارج أو مغاربة ملتحقين حديثا.

س: هل جميع هؤلاء الجهاديين مسلمين؟

ج: نعم، جميعهم مسلمون، إما مسلمون بالولادة أو اعتنقوا الدين الإسلامي…

س: مقاطعا، هل الإسلام هو دافع هؤلاء للجهاد وخوض المعارك في سوريا والعراق؟

ج: “مبتسما” هذا هو السؤال القاتل، أنظر الاسلام بريئ من هؤلاء، الدين لا علاقة له بذلك، أنا أميز بين الإسلام وهو دين المسلمين خلال حقبة الرسول عليه الصلاة والسلام، بعد ذلك دخلنا في مرحلة أسميها تاريخ الإسلام والمسلمين، وبالتالي فإن هذه الحقبة عرفت إدخال البعض عادات وتقاليد وثقافة ومصالح على الدين الذي ليس كذلك. وللأسف الشديد ظاهريا، يبدوا أن الإديولوجيا الدينية هي الغطاء، لأن الجهاد لا يكون في سبيل الله ونصرة الإسلام ومواجهة الكفار، كل ذلك ليس له علاقة بالاسلام.

س: بعد قضاء فترة التجنيد وخوض المعارك يكتسب الجهاديون خبرة وشجاعة في القتال، ناهيك عن الحس الإرهابي الذي يتشكل لديهم، ألا تمثل عودة هؤلاء المقاتلين تهديدا حقيقيا لأمن وسلامة المملكة؟

ج: أكيد، اليوم نقف أمام إشكالية تدبير العائدين، فعدد من هؤلاء سيأتي بنية تهديد الأمن والاستقرار وتنفيذ عمليات إرهابية.

س: مقاطعا، ماذا فعلت الدولة المغربية للتصدى لهؤلاء؟

ج: أولا، المصالح الأمنية تعمل على رصد وتدقيق هوياتهم، والحصول على أكبر عدد من المعلومات الاستخباراتية عنهم، ثم اقتناصهم عند العودة قبل ولوجهم التراب الوطني. وفي هذا السياق هناك تعاون بين مختلف الأجهزة الأمنية، التي اكتسبت خبرة وقدرة على التعامل مع الجهاديين منذ أحداث 16 ماي الإرهابية.

س: في سياق هذا التعاون كيف يتم التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية الوطنية؟

ج: من الأكيد، أن هناك تعاونا بين مختلف الأجهزة الأمنية في إطار مقاربة وسياسة أمنية واضحة المعالم يلعب فيها الجميع دوره، وهذا مؤشر على أن المغرب ليست لديه أية تخوفات أو حساسية في التطرق لهذا الموضوع بكل شفافية، وهو ما يفسر إفصاح وزير الداخلية عن أرقام بخصوص ذلك. أما فيما يتعلق بالتعاون الدولي، فإن المغرب يتعامل مع كل الأطراف على اعتبار أن هذا الخطر يهدد الجميع ولا يمس دولة بعينها، وبالتالي فنحن أمام ما نسميه بالتهديدات الشمولية ذات الطبيعة الجماعية.

س: هل هناك تعاون مشترك بين الأجهزة الأمنية الوطنية ونظيرتها في دول الجوار؟ وهل هناك إكراهات تقف عائقا أمام هذا التعاون في ظل العلاقات المتوترة بين المغرب والجزائر؟

ج: هناك تنسيق أمني بين الدول المغاربية، لكنه يبقى ضعيفا جدا ولا يرقى إلى حجم الخطر ومستوى التهديدات، وما يزيد الطين بلة، وجود العديد من الاختلالات، على رأسها أن الاتحاد المغاربي معطل منذ مدة. وهذا الوضع لا يفيد إطلاقا بناء استراتيجية مغاربية لمكافحة التهديدات الأمنية بشكلها العام. ثانيا، هناك العلاقات المغربية الجزائرية ذات الطابع النزاعي التي يعكسها إغلاق الحدود البرية، التي لم تمنع تنقل بعض المقاتلين الأجانب بين الطرفين. أضف إلى ذلك أن الصراع المفروض على المغرب في أقاليمه الجنوبية جعل من منطقة تندوف مرتعا لتجنيد المقاتلين أو إخفاء الأسلحة. وبالتالي فإن وجود مثل هاته البؤرة يمنح الجهاديين فرصة للتمركز وإعادة تنظيم صفوفهم بشكل أفضل.

س: فيما يخص التعاون الدولي، هل هناك تنسيق مع أطراف خارج المنطقة الإقليمية؟

ج: نعم، هناك تعاون دولي، إذ يدخل المغرب في إطار تعاون ثنائي مع بعض الدول مثل إسبانيا وفرنسا، وآخر متعدد الأطراف على غرار حوار 5+5 الذي تشارك فيه خمسة دول من الشمال هي البرتغال، إسبانيا، فرنسا، إيطاليا ومالطا ثم خمسة دول من الجنوب هي الدول المغاربية يقودها المغرب. هذا التعاون يبدو الإطار الوحيد للتعاون الفعلي والحقيقي للمغرب مع أطراف خارجية ضد التهديد الإرهابي.

س: هل ساهمت الظروف المتأزمة التي تشهدها المنطقة المغاربية في تقوي هاته الظاهرة؟

ج: بعد سقوط الأنظمة الحاكمة في كل من تونس وليبيا ومصر، اختلطت الأوراق في المنطقة التي أصبحت تعيش في مناخ من الصراعات والتقلبات السياسية والأمنية، فهناك مصر التي تعاني من ضعف وعدم قدرة على مواجهة التحديات، نفس الشيء ينطبق على تونس. وفي ليبيا الأمر أكثر تعقيدا إذ لحد الآن لا توجد دولة حقيقية بمؤسسات، وبالتالي هناك غياب كبير للمؤسسة العسكرية، إذن بعد انهيار هذه الأنظمة خلقت أوضاع جيوسياسية جديدة متقلبة، أفرزت العديد من الهشاشات والتهديدات الأمنية، كما خلقت قطيعة استراتيجية نتج عنها النظام الإقليمي الحال الضعيف مقارنة مع الذي كان قائما سابقا على علاته وصعوبة بناء نظام مغاربي جديد، إذن التعاون الإقليمي للأسف الشديد، وإن كان ملحا بالنسبة لجميع هذه الدول فإنه غير قائم، وإن وجد فإنه يبقى دون مستوى التهديدات الأمنية.

س: في هذه النقطة تحديدا، ندرك أن هناك تقاطعا في المصالح بين جبهة البوليساريو والجماعات الجهادية الناشطة بسوريا والمتمثلة في ضرب وحدة المغرب واستقراره، هل هناك تعاون أو تنسيق بين هذين الطرفين؟

ج: من أجل توضيح هذه النقطة…هناك تقاطع وحضور لبعض أعضاء البوليساريو داخل هذه التنظيمات، لماذا؟
أولا، نعرف أن تاريخ البوليساريو لصيق بتاريخ شبكات التهريب في المنطقة، التي تشتغل في تهريب المواد الغدائية، خاصة تلك المقدمة من طرف المساعدات الدولية، وتهريب البنزين والمخدرات والأسلحة، وهو الأمر المعهود منذ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. هاته التنظيمات الإرهابية الجديدة أخذت من المناطق والطرق التي يسلكها المهربون سبيلا للتحرك. في مختلف هذه المحطات تبين أن العديد من الحركات المتمردة أو الحركات الانفصالية دخلت في هذا التقاطع والتعاون مع الحركات الجهادية بالمنطقة، أخص بالذكر تنظيم القاعدة وأعضاء من البوليساريو. أضيف أن منطقة تندوف الواقعة على الشريط الحدودي تعرف حركة تجنيد المقاتلين الأجانب تحت إشراف شبكات مختصة استعدادا لإرسالهم إلى ساحة القتال.

س: هل مواجهة التهديد الإرهابي القادم من الشرق مسؤولية الأجهزة الأمنية فقط؟ أم هناك أطراف أخرى تتدخل في ذلك؟

ج: للأسف الشديد نحن أمام تهديد حقيقي يهم الجميع، أعتقد أن الأجهزة الأمنية ليست الوحيدة المسؤولة، لأن الأمن مسؤولية الجميع بمن فيهم المواطنون، فالوضع الذي نعيشه يتطلب نوعا من الحذر واليقظة لدى المواطن الذي يجب عليه لعب الدور المنوط به، من خلال التبليغ عن المعلومة على اعتبار أن عين المواطن أقرب في بعض الأحيان من عين الجهاز الأمني، نعلم جميعا أن الحصول على المعلومة أصبح صعبا في ظل التكتم والحذر من طرف الجهاديين الذين تلقوا تكوينا في ذلك.

………………………..

حاوره: أيوب التومي