مصطفى المتوكل / تارودانت

الخميس 14 غشت 2014

 

…  يعرف اهل الحل والعقد  “بانهم أهل الشأن من الأمراء والعلماء والقادة والساسة ووجوه الناس”…وهذا التعريف العام ان اعتمدناه مرجعا من المراجع لتبسيط طرح  المسالة فانه ظاهريا يوحي بان النخبة من الامة هي التي تقوم مقام الناس كافة لاختيار من يحكم ويسوس امور الدولة والناس كافة   …

….وان تاملناه في عمقه فسنجد ان من المسكوت عنه والواجب الاستناد اليه  لاختيار اهل الحل  والعقد هو عامة الناس ممن توفرت فيهم الاهلية الشرعية والقانونية الذين  من حقهم ان يختاروا نظام حكمهم ومن يحكمهم وطريقة ومنهج الحكم وطرق تدبير وتصريف امور الناس والدولة وفق تعاقد مكتوب ملزم للجميع ذلك ان لنخبة هي لخدمة الناس وليس العكس وهما معا لخذمة الصالح العام   …

…ونسوق هنا تعريفا اخر  لمعنى” أهل الحل والعقد”  حيث انهم  “الجماعة المخصوصة الذين تختارهم الأمة, من وجوهها المطاعين ذوي العدالة والعلم بالأمر العام, وبخاصة العلماء المشهورين ورؤساء الناس, وتتبعهم فيما ينوبون فيه عنها, من إقامة مقصود الشرع في الإمامة, ورعاية أمور الأمة ومصالحها العامة وأهمها اختيار الإمام”.

…ان المنظرين للاستبداد بغطاء فلسفي او عقدي يتشبثون بشكل غريب بتفسير  “أهل الحل والعقد” بانهم الاحق باتخاذ القرارات التي تهم الامة كلها باعتبار انهم عقل  الامة ومن يفكرون ويقررون في مكانها وان ليس للناس  سوى الطاعة والا توصف بانها  مارقة او  مضادة” للثورة ” ..كان مرجعها سنيا او  راسماليا او اشتراكيا او ثوريا او شيعيا او بعثيا …لهذا عمدت وتعمد  الى الغاء الشعب ودوره و اختياراته  وارائه  بالسعي لتعطيل امتلاكه القدرة على تغيير اوضاعه  لاختيار من يحكمه بشكل عادل وديموقراطي … وتحويلهم الى جماعات  الاتباع الطيعين ..؟؟؟ وبهذا المقتضى تلغى الامة عمليا وتوهم بان هناك من يقوم مقامها بمهامها …

…  ان من النخب الحاكمة المتحكمة في امور الدولة والشعب   من يلجا  بتطرف مبالغ فيه الى  جعل تواجدهم بالحكم مرتكزا على  شرعية دينية وسماوية  وبالتالي يبيحون لانفسهم فعل  اي شيئ ويصدرون فيه ما يلزم من الفتاوى لترسيمه واظهار المخالف او المطالب بحقه بانه مناهض لامر الله ؟؟ ..ومنهم من يعمد الى استغلال ثورة ما او غضب شعبي عفوي  للوصول الى الحكم وتمرير قوانين تمركز  بعض السلط في يدهم  .. وتقنن الاخرى بتعطيل ممنهج   لسلطات الامة  كمصدر  وحيد لبناء الدولة وبناء نظام الحكم باختيار الناس  للطرق الانتخابية والاستشارية ..او بقبولهم بالامر الواقع ومسايرته والانتصار له …ولنا في “ثورات وانتفاضات ”  العالم العربي والاسلامي والعديد من دول اوروبا وافريقيا واسيا  امثلة واضحة   خلقت  النخب التي وصلت الى الحكم احزابها واستبدت وقمعت شعوبها   من اجل  استمرار  الزعيم منفردا  او هو وحزبه واتباعه المخلصين … البعض من ذلك   يتم بالاستناد الى الدين او غيره لتبرير الاستبداد وفرض السياسات على الناس رغم كرههم ورفضهم لها  وهذا  امر غير مقبول شرعا و عقلا ومنطقا …

فكما انه لايجوز للامام ان يؤم الناس وهم له كارهون .. فكذلك لايجوز للحاكم ان يسوس الناس وهم لسياسته رافضون …

ان الاسلام وضع القواعد العامة المؤطرة للحياة والشان العام للناس … كما ان الله سبحانه وتعالى وهب الانسان طاقات متجددة تجعله يستطيع تطوير اساليب حياته وطرق تدبير اموره واستغلاله العالي القوة للموارد الطبيعية والخيرات المختلفة  .. وافسح له المجال للتبحر في العلوم وتوظيفها  من اجل راحته وطمانينته وتقدمه ورخائه في اجواء الكرامة والعزة والعيش الرغيد …

ولقد اجمل   اغلب  الفقهاء  والعلماء  ما يجب توفره في أهل الحل والعقد في  ثلاثة أمور ذكرها الماوردي في “الأحكام السلطانية”: أحدها: العلم، والثاني: العدالة، والثالث: الرأي والحكمة.

ولتنزيل الشروط في واقعنا العام المعاصر فان فقهاء الامة الدستوريون والسياسيون والشرعيون سيجمعون على ان من شروط حكم الناس بالبرلمان والجماعات المحلية والغرف المهنية والاستوزار وتمثيليات المصالح الخارجية وتمثيلية السلطات العمومية المحلية والاقليمية والجهوية والوطنية ..

1) العلم باحوال الناس وقضاياهم وبالقوانين اللازمة لتنظيم حياتهم على الاوجه التي تحقق مصالحهم واستقرارهم والعلم بطرق التواصل والتدبير الامثل لمرتكزات المسؤوليات …

2)العدالة . بان بالاتصاف  بالموضوعية والحياد الايجابي وان لايخشى في الله لومة لائم .. وان يبث ويحكم ويسير ويتصرف بالعدل في كل امور الشعب صغت او كبرت…

3)الراي والحكمة  السديدين والرصينين في التعامل مع كل قضايا الناس وتدبير الازمات وتصريف الامور بما يحقق التلاحم والتكامل والتطور والازدهار والتقدم …

فكيف سنحلل امورنا اليوم في وطننا  بعد ان  اجتزنا …و عشنا طوال العقود الماضية منذ الاستقلال الى الان محطات سياسية رسمية لمعارك تهدف الى اخضاع  الناس لفهم ضيق غير ديموقراطي للسلطة ودورها واختصاصاتها ودور الشعب والقوى الحية السياسية والثقافية والعلمية والعمالية..والتي لايمكن ان توصف بالعدل ولا بالديموقراطية ؟؟

وكيف سنفهم …النضالات الجماهيرية  التي قادتها القوى الوطنية الديموقراطية من اجل طرح بدائل تسعى لبناء المجتمع والدولة المتكاملين حيث الشعب هو مصدر السلطة ومن مصادر التشريع وجوهر تشكل المؤسسات التمثيلية ؟؟

… وكيف ستوظف  سنوات الجمر والرصاص والتضحيات الجسام والقمع والمحاكمات والنضالات الجماهيرية لما فيه مصلحة الشعب والوفاء للشهداء والشرفاء والشريفات  في يومنا هذا وغدنا ؟؟

…وكيف سنتعامل مع منهج  تجاوب الدولة بشكل متدرج مع مطالب الشعب وممثليهم   بهدف امتصاص الغضب وفتح نوافذ وابواب من الامل مع وجود  حالات من المد والجزر تطال  هوامش الحريات وتمتد لتمرير اصلاحات غير كاملة ومجتزاة قد تحمل بذورا  للتراجع  في مراحل تصريف او تنزيل ما اتفق عليه رغم انه ليس كل ما يريده الشعب ..؟؟.

.وكيف سنوظف  صمود  ما تبقى من النخب المناضلة وصبرها على التضحيات الجسام ويقظتهم وحراستهم  الوفية للمبادئ والمطالب والحقوق التي سعى ويسعى دعاة وعشاق الاستبداد باسم الديموقراطية الى اجهاض كل ما هو جميل والتراجع عن كل المكتسبات ؟؟.. وقد نسمع غدا اننا اعفينا من السياسة والحكم لان “اهل الحل والعقد الجدد ”  هم وحدهم المخولون شرعا لحكمنا وان ما علينا عمله هو طاعتهم فقط ..

…ان الجديث عن التحولات التي يشهدها  المغرب لبناء دولة الحق والقانون بعد الانتفاضات الشعبية وبعد تعديل الدسور واجراء انتخابات تشريعية وتشكيل حكومة “جديدة”  يجعلنا نسجل “تفاؤلا”  وجود تحولات لاباس بها مرحليا  على المستوى الدستوري والقانوني العام  وعلى مستوى الارادات السياسية … لكن في نفس الوقت  يجعلنا نسجل وجود انكسارات  وتراجعات بل وتخلي من يفترض فيهم حماية المكتسبات ولو انهم لم يساهموا في تحقيقها بل كانوا احيانا  ضدها ومنهم  من هم اليوم بالحكم كما ان البعض ممن ينسب نفسه للمعارضة كان  بالامس القريب  ممن ساهم في خلق ازمات بالمغرب بما فيها السنوات المشؤومة  ؟

ان تاخير استكمال بناء الدولة على المرتكزات الدستورية الضامنة للتغيير المنتج لاجابات تنتظرها الجماهير الشعبية .. كما ان التراجع على المكتسبات التي انتزعت سنوات الجمر والرصاص وبفضل نضالات عقود .. امور لا يجب التراخي في التصدي لها  او غض الطرف عنها …

وفي علاقة بذلك  فالمتامل للعديد من مشاريع القوانين التي يتم الاعداد لتمريرها بالاغلبية سواء تعلق الامر بالقوانين المنظمة للجماعات المحلية او الجهوية او الانتخابات سيسجل ان “اهل الحل والعقد” عندنا يسيرون في اتجاه مضاد لارادة الامة بالسعي نحو تمرير  تراجعات على العديد مما هو محقق اليوم والذي كان موضوع مطالب لتغييره نحو الافضل بانتاج ماهو اسوا …

فكيف سيحل ” اهل الحل والعقد ” مشاكل الناس وهم من زادها  تعقيدا ؟؟ … لقد خالفت ممارساتهم وسياساتهم وقراراتهم جوهر ودلالات ” الحل والعقد ” عند علماء الامة … وهذا ما يزيد المعارضة والقوى الحية الوطنية والديموقراطية مسؤوليات اخرى لانه   يفترض فيهم” الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ”  وعدم السماح بالمزيد من الانكسارات والتراجعات ..

ان الحق هو للأمة فهي الأصل وهي أحد طرفي العقد وهذا امر لاينازعه عاقل ديموقراطي.. والذي يحكم  لايملك تفويضاً  مطلقا لاملاء رغباته وتوجهاته وقناعاته وكانها من مصادر التشريع الاسلامي وهذه خلاصة  لما ذهب اليه  بعض العلماء المهتمين بالسياسة والشريعة

  ولهذا ربط   أبو بكر رضي الله عنه مسؤوليته بالجملة الجميلة التالية : ( أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم ) ..فمن طاعة الله ورسوله اقرار العدل والطمانينة والعيش الكريم والتوزيع العادل للثروات واغاثة الضعفاء والاحسان اليهم …ولا طاعة لنا لمن قراراته تخالف  عدالة الله وارادة الشعب ..

….