دفاعا عن تغيير نظام التصويت…لماذا؟ 3/1

بقلم محمد البريني
عن “الاحداث المغربية “

التحالف الحكومي، بأحزابه الأربعة، لا يمثل حتى خمس الناخبين المسجلين

يبدو أن موضوع المشاركة في الانتخابات لا يشكل هاجسا كبيرا ضمن انشغالات الطبقة السياسية المغربية، وأن عزوف المواطنين عنها لا يقلقها. تتحدث وتتجادل حول أشياء كثيرة، مثل اللوائح الانتخابية، ودور وزارة الداخلية، وشروط النزاهة، ومسؤولية رئيس الحكومة، وشروط المشاورات…الخ. لكن لا شيء يذكر عن أزمة العزوف، وكأن في أوساطها من يعجبه هذا الوضع. صحيح أن صوتا واحدا ارتفع ليعلن عن مبادرة لحل لهذا المشكل، وهو صوت نائب برلماني عن حزب الاستقلال، الذي نسبت له بعض الصحف إعلانه اعتزام حزبه تقديم مقترح قانون حول إجبارية التصويت كحل لظاهرة العزوف. لكن هذا الصوت لم يثر أي ردود فعل من طرف الفاعلين السياسيين، ولم يعقبه نقاش جدي وواسع، حتى بدا وكأن الأمر مجرد إشاعة روجت لها الصحافة. فلا حزبه اتبع القول بالفعل، فقام بحملة سياسية وإعلامية لحشد التأييد، ولا الفرقاء السياسيون الآخرون اعتبروا أن الموضوع يستحق الإهتمام، والنقاش. ضاع ذلك الكلام وسط صخب لا علاقة له بما يشجع المواطن على العودة للتصالح مع السياسة ومع الأحزاب التي تقترفها. صحيح أيضا، إن حزبي الإستقلال والاتحاد الإشتراكي ضمنا مطلب التصويت الإجباري في مذكرتيهما المرفوعتين لوزارة الداخلية، لكن المنظمتين المعنيتين تعاملتا مع الموضوع بيكفية محتشمة، وكأنهما غير مقتنعيتين بأهميته، وبضرورة خوض معركة من أجل إقراره. هل يليق بطبقة سياسية، متشبعة بقيم الديمقراطية التمثيلة، ألا يستبد بها جاهس التدني المتواصل لنسبة المشاركة في الانتخابات؟
سجلت المشاركة في الانتخابات التشريعية انخفاظا متواصلا منذ عام 1984 (67%) إلى أن بلغت أدنى معدلاتها سنة 2007 (37%). ارتفعت قليلا بماسبة انتخابات 2011 (45%)، وكان من المفروض أن تقفز إلى معدل أحسن من هذا بكثير، على اعتبار أنها جرت في ظل دستور جديد. فلا الدستور الجديد، بما حمله من آمال، وفتحه من آفاق لمستقبل الديمقراطية، ولا الحراك الشعبي الذي قادته حركة 20 فبراير، استطاعا بعث الحماس في نفوس المغاربة، وإقناعهم بجدوى الذهاب إلى مكاتب التصويت. حتى الانتخابات المحلية، التي لها تأثير مباشر على القضايا اليومية الأكثر قربا من المواطن، فقدت جاذبيتها، وتدهورت نسبة المشاركة فيها بكيفية مطردة، فانتقلت من حوالي 72% عام 1983 إلى أقل من 53% سنة 2009.
لا يوجد أي مؤشر يوحي بأن هذا التدهور سوف يتوقف، وبأن القياس البياني للمشاركة سوف يعاود الارتفاع. أغلب الظن أن العزوف سوف يتزداد اتساعا في السنوات القادمة، وعلينا ألا نستغرب ذلك. وقد تصل وتيرته حدا يهدد مشروعية المؤسسات المنبثقة عن الانتخاب، وبالتالي يهدد نظام الديمقراطية نفسه، ويفتح الباب أمام المجهول. علينا أن نتخيل الوضع الذي يمكن أن تكون عليه البلاد، غدا، إذا استمر العزوف في الاتساع. بناء على ذلك، من المفروض أن تحتل قضية العزوف مقدمة انشغالات طبقتنا السياسية، اللهم إلا إذا كانت راضية على الوضع كما هو، وكما يمكن أن يصبح عليه بعد المزيد من لامبالاة المواطن، ونفوره من المشاركة في اختيار ممثليه.
هل من المروءة التباهي بالانتصار، وادعاء تمثيلة ذات المصداقية، اعتمادا على النتائج التي تسفر عنها انتخابات لم يشارك فيها حتى نصف الناخبين المسجلين؟ وحتى هؤلاء لا يمثلون الكثلة الحقيقية لمن يتوفرون على حق التصويت والترشح، لأن العزوف يمس، أيضا، التسجيل في اللوائح الانتخابية. هل يمكن الحديث عن تمثيلية حقيقية عندما يفوز حزب، من الأحزاب، بالمرتبة الأولى، ويحصل على رقم قياسي في عدد المقاعد البرلمانية، بانتزاع 8% فقط من أصوات الناخبين؟
حقق حزب العدالة والتنمية انتصاره التاريخي بحصوله على حوالي 8% من أصوات المسجلين، وهو ما يمثل حوالي 3% فقط من مجموع سكان المغرب، إذا قدرنا أنهم يبلغون 33 مليون نسمة.
حزب يترأس الحكومة بهذه النسبة من التمثيلية، أليس هذا مبررا للتفكير؟
التحالف الحكومي الحالي، بأحزابه الأربعة، والمتوفر على أغلبية المقاعد في مجلس النواب، يمثل أقل من 17% من الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية، وأقل من 7% من سكان المغرب.
حكومة تملك صلاحيات جديدة وواسعة، بفضل دستور 2011، وتقود البلاد بهذه النسبة من التمثيلية، أليس هذا مبررا للتأمل والتدبر؟

 

 

دفاعا عن تغيير نظام التصويت…لماذا؟ 3/2

توسع القطيعة مع الطبقة السياسية  

أمام استفحال ظاهرة العزوف، وانعكاساتها السلبية على مصداقيتة ومشروعية المؤسسات المنتخبة، إذا واصلت تدهورها، لماذا لا يتم التفكير في تغيير نظام الاقتراع؟
في كل مرة، تنظم الحملات وتجرب عدة وسائل لحث المواطنين على المشاركة في الانتخابات: الأحزاب تجند صحفها وتنظيماتها، ووسائل الإعلام العمومية تبث وصلات إشهارية وتعيد بثها مرات ومرات، حتى المؤسسات المختصة في التواصل تدعى للمساهمة في الإقناع بتوظيف خبراتها في الدعاية والإشهار. أموال كثيرة صرفت، وخطابات وشعارات عديدة جربت. النتيجة؟ النتيجة هي ما نعيشه اليوم: الرغبة في المشاركة لم تزدد سوى خفوتا. عجزت جميع المحاولات عن إعطاء النتيجة المطلوبة: فشلت في خلق الحماس من أجل التسجيل في اللوائح الانتخابية. لم توقف نزيف الهروب، يوم الاقتراع، من عملية التصويت. لم  تنجح حتى في خلق الرغبة في جلب بطاقة الناخب لدى العديد من المسجلين، الأمر الذي جعل الملحقات والمقاطعات الإدارية تجند المقدمين والشيوخ لتوزيعها على أصحابها، وهو التوزيع الذي لم يسلم من الانتقاد، إذ وصف بأنه وسيلة من وسائل تدخل الإدارة في حرية الاختيار، ودليل على عدم حيادها.
لقد بلغت القطيعة بين المواطن والطبقة السياسية حدا من التوسع لم يعد مقبولا التغاضي عنه، أو الاستخفاف به. وبات من المصلحة التفكير في أساليب أخرى، قد تكون جذرية، لجعل المواطن يقوم بدوره في اختيار  من تؤول إليهم مسؤولية تدبير الشأن العام، ولما لا يكون نظام الاقتراع واحدا من الأساليب الممكن التفكير فيها؟
يعتمد المغرب نظام حرية التصويت، بمعنى أن التصويت حق من الحقوق التي اكتسبتها الشعوب بعد معارك ونضالات وثورات عبر التاريخ، بالتالي فللمواطن حرية ممارسته متى شاء، والاستنكاف عنه متى عن له ذلك. لا أحد من حقه المس بحقه في اختيار المشاركة أو العزوف. بناء على ذلك، يتم رصد نسب المشاركة في الانتخابات، ويخضع حجمها للتحليل والتمحيص السياسيين. كلما ارتفعت نسبتها كلما كانت مشروعية المؤسسات التمثيلية المنبثقة عنها قوية، وتحضى بالمصداقية، وكلما انخفضت، كلما دب الشك في مدى اقتناع المواطنين بخطاب، واختيارات، وممارسات طبقتهم السياسية. العرض السياسي الذي تقدمه النخبة محدد أساسي في درجة الإقبال على التصويت يوم الإقتراع. إذا كان مقنعا، ومستجيبا للانتظارات، فقد ينشط حماس الناخبين، ويحفزهم على التوافد بكثافة على مكاتب التصويت، وإذا كان عديم المصداقية، أو فاحت منه رائحة الخداع، أو صدر عن نخبة أكدت فشلها في السابق، أو أبانت عن جشعها وأنانيتها، واستهتارها بالمصلحة العامة، فمن المؤكد أن ذلك العرض سيخلق خيبة أمل، ويجعل الناس تصد عنه، وتدير له ظهرها. وكلما توالت الإحباطات، وخيبات الأمل، كلما إزداد النفور من السياسة والسياسيين، واتسعت القطيعة بين هؤلاء والمواطن.
لا يعدم المواطن المغربي أسباب الإحباط. منذ أن انطلقت التجربة الديمقراطية وهي تتلقى الضربات. في البداية كانت الدولة، مشخصة في وزارة الداخلية، هي التي قادت ونفذت عملية إفراغ الديمقراطية التمثيلية من محتواها. أخضعت الانتخابات لكل أنواع التشويه والتزوير. ووجهت للتعددية السياسية ضربات قاتلة، كادت تفقدها معناها ومغزاها، حيث تم خلق كيانات حزبية بقرار سلطوي، ومنحت لها أغلبيات صورية. فنجحت وزارة الداخلية، في عهد إدريس البصري ومن كان قبله، في تمييع الحياة والممارسة السياسيتين. لم تخرج التجربة الديمقراطية سالمة من هذه المراحل، فحتى عندما بدأت تتغير سلوكات الدولة، وصار الخيار الديمقراطي والحداثة عنوانا للعهد الجديد، وعرفت تدخلات الأجهزة الإدارية في الانتخابات تراجعا مهما ومتواصلا منذ انتخابات 2002، ظل في المسرح الانتخابي فاعلون صنعتهم السياسة السابقة، وطوروا، بفضل ما تعلموه من أساليبها، مهاراتهم في الإفساد الانتخابي. وللتذكير، فإن جل هؤلاء المفسدين ينتمون إلى الأحزاب السياسية، وبالتالي أصبحت تلك الأحزاب هي المسؤولة عن الأشخاص الذين ترشحهم وتطلب من المواطنين التصويت عليهم.
كل هذه العوامل ساهمت في زرع بذور الشك والإرتياب وفقدان الثقة في الطبقة السياسية، كما ساهمت في إجلاء المواطن من ساحة المشاركة السياسية.

 

دفاعا عن تغيير نظام التصويت…لماذا؟