السبت, 09 أغسطس 2014

بقلم /عبد الفتاح ايت ادرى

المقال عن صحيفة ” انفاس”

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن الذاكرة وعلاقتها بالتاريخ بين من يرى وجود اتحاد بينهما فالذاكرة حسب هؤلاء ” تمون التاريخ ” و هذا الأخير أصبح يكتب اليوم تحت ضغط الذاكرة ، وبين من يرى أن الذاكرة والتاريخ لا يمكن أن يلتقيا أبدا فلكل واحد منهما حقل اشتغال خاص به . فما المقصود بالذاكرة ؟ وما علاقتها بالتاريخ ؟ وهل هناك فرق بين الاثنين ؟
الذاكرة هي تراكم ذهني لذكريات متنوعة تغذي التصورات والتخيلات المختلفة ، وتلعب دور الاسمنت الذي يجمع بين الأفراد في مجموعة بشرية قد تتسع إلى درجة تحدث هذا التماسك دون التعارف أو الاحتكاك المباشر ، وتساهم هذه التراكمات في توجيه النشاط البشري فرديا كان أم جماعيا .
إن موضوع الذاكرة درس أول ما درس من طرف علماء النفس والفلاسفة ، فعلماء النفس يقولون أن للذاكرة وظيفة نفسية تقوم على استعادة حالة شعورية ماضية من حيث هي كذلك ، وبالتالي فالذاكرة هي وظيفة وقدرة عقلية تسترجع صور الماضي في الحاضر . أما الفلاسفة فقد تناولوا الذاكرة ودرسوها من زاوية اجتماعية ، لكون الفرد عضوا داخل مجتمع له تاريخ مشترك وعادات وتقاليد مشتركة ، أو كما يقول دوركايم في كتابه ” الأطر الاجتماعية للذاكرة ” : ” عندما أتذكر فان الغير هو الذي يدفعني إلى ذلك فذاكرتي تعتمد على ذاكرته ، وذاكرته تعتمد على ذاكرتي ” .

إذن فوظيفة الذاكرة وظيفة شعورية مرتبطة بالحاضر وتوظف الماضي من أجل الحاضر والمستقبل أيضا .
بناء على ما سبق يتضح أن الذاكرة انتقائية ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالمشاعر و الأحاسيس ، فالذاكرة من حيث لا تدري تؤثر وتتأثر ، لذلك فانها تعمل حسب الطلب ، وتستحضر أحداثا لا يريد أصحابها نسيانها ، بل وتقنع الأفراد بأن هذه الأحداث جزء من ذاكرتهم الفردية وبالتالي الجماعية ، ومنه تساهم الذاكرة بشكل أو بآخر في خلق جو من الفخر والاعتزاز ، وكذلك التكريم والتخليد بل وحمل الأجيال اللاحقة على تقدير جهود الأجيال السابقة ، مما يؤدي إلى تخدير المجتمع ، وبالتالي إلى نبذ التاريخ .
إن قضية الموضوعية تبقى اذن أكبر عائق أمام اتحاد الذاكرة بالتاريخ فالذاكرة تكبح العلم وتخلق حقيقة إن لم تكن حقائق خاصة بها ، أما التاريخ فرأسماله الموضوعية وهدفه الحقيقة ، إن الذاكرة تحتفظ فقط بما يريد الأفراد سماعه وتقصي ذاكرة الآخر بل وتبني أمجادها على حساب ذاكرته ، فهي تنشأ وتتكون من خلال التصادم والاحتكاك مع ذاكرة أخرى .
إن التاريخ على عكس الذاكرة يخضع الحدث للدراسة و النقد تحث وصاية العلم ، أما الذاكرة فغالبا ما تخضع لوصاية سياسية أو دينية .
إن وظيفة المؤرخ هي المجاهرة بالحقيقة ، وهو بذلك ليس سجينا للذاكرة ، فكما يقول Le Goff ” الموضوعية هي أولا للنزاهة والحياد والحقيقة ” .
التاريخ والذاكرة إذن يعملان في مستويان مختلفان ، لكن التاريخ وان كان يتجاوز الذاكرة ، فانه لا يقصيها دون مبرر ، بل يتعامل معها قبولا أو رفضا ، فهو يحتاج للذاكرة ، لكنه يخضعها لشروط صناعته .
الذاكرة تشتت لأنها تصدر الأحكام ، أما التاريخ فلا يهمه إصدار الأحكام ، أو كما قال Lucien Febvre :
« l’historien n’est pas un juge , pas un juge d’instruction , l’histoire ce n’est pas juger , c’est comprendre et faire comprendre «
التاريخ إذن ليس الذاكرة ، نعم المؤرخ يستفيد من ذكريات الناس لكنه يجمعها ويقارن بينها ، ويضعها على المحك بمواجهتها بالوثائق والأشياء المادية والآثار ليبني الوقائع ، التاريخ يضع في حسبانه الذاكرة لكنه لا يحبس نفسه في حدودها الضيقة .
التاريخ باعتباره ممارسة علمية وعملية ليس عبدا لأحداث الساعة ، فالمؤرخ يفترض فيه ألا يسقط على الماضي النظريات الإيديولوجية المعاصرة ، وألا يدخل في أحداث الماضي حساسية اليوم .
إن الذاكرة التاريخية كما يقول بيير نورا تمتاز بالوحدة ، فهي ثمرة تقليد معرفي وعلمي ، إنها أيضا الذاكرة الجماعية لجماعة المؤرخين ، لكن الذاكرة التاريخية لا تقنع أحدا وهنا مكمن ضعفها بالمقارنة مع الذاكرة الجماعية أو لنقل الشعبية ، فخزانات بأكملها – كما يقول دائما بيير نورا – حول ظاهرة الشيوعية أو بطلان العنصرية لن تتمكن أبدا من التغلب على الاستمالة الثورية أو الأحكام العنصرية المسبقة .
إن العولمة وما تطرحه اليوم من ضرورة تجاوز كل الهويات دفع عددا كبيرا من الشعوب إلى إعادة صوغ علاقتها بالماضي فيما يبدو أنه ” موجة مد كبيرة للاهتمام بالذكريات ” على حد تعبير المؤرخ الفرنسي بيير نورا ، مما أدى إلى وجود ذاكرات عديدة وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تفتت التاريخ .
إن الذاكرة تستعمل من جهتها التاريخ لكي تخلق نوعا من الوئام المصطنع وهنا نستحضر حالة الجزائر فقد اتخذت من الذاكرة أساسا لإضفاء الشرعية السياسية على الحكم ، فقد استغل حكامها حكاية المليون شهيد لخلق نوع من الشرعية السياسية لهم ، والذاكرة الفرنسية من جهتها تلغي مأساة الجزائر لتحتفظ فقط بالدور الايجابي لفرنسا ( إن كان هناك حقا دور ايجابي ) فهي تستحضر تلك المهمة الحضارية التي قام بها الرجل الأبيض لتمدين شعب بأكمله وإخراجه من همجيته ، وقدم في سبيل هذه المهمة ” النبيلة ” أرواح أبناءه .
أما الذاكرة اليهودية فكثيرا ما تحسن اللعب على مسألة إحراق هتلر لملايين اليهود لتستدر عطف الأمم والدول بل وتدفعها لاستصدار قوانين تجرم معاداة السامية وتنجح في خلق نوع من الستار لحجب فظاعة الجرائم التي تقوم بها في فلسطين .
أما في المغرب فكثيرا ما استعملت الذاكرة لتخدر الناس عن طريق صناعة تاريخ على مقاس الدولة يجيش المشاعر و يخلق نوعا من القبول الجماهيري مثل قضية ظهير 16 ماي الذي يتكلم عنه الجميع بمناسبة أو دون مناسبة لكن كم عدد الأشخاص الذين اطلعوا على تلك الوثيقة ؟
أما بعد الاستقلال أصبح كل شخص يتحدث عن دوره هو أو دور أجداده أو قبيلته في مقاومة الاستعمار حتى أصبحنا نشك في وجود عملاء للاستعمار من المغاربة .
وخلال سنوات الرصاص وجدنا أنفسنا أمام ذاكرات من نوع آخر ذاكرة المعتقل السياسي ذاكرة الجلاد ذاكرة الدولة ذاكرة الريف …… مما خلق نوعا من الشتات في التاريخ المغربي ولا سبيل إلى معالجة هذا الشتات إلا بكتابة تاريخ حقيقي يميط اللثام عن دور كل الأشخاص والهيئات دون البحت عن اتهام أحد أو تبرئة آخر لأن هذا لا يدخل أبدا في حقل اشتغال التاريخ .