الإرهاب وحقوق الإنسان

د. هيثم مناع

 

كأي تعريفٍ سياسي الدوافع والأصول، يشكل الإرهاب مادة دسمة للخلاف. وإن توصلنا إلى تعريف مجرد للكلمة، فإن إلباس هذا العظم لحما يعيدنا لنفس المشكلة. فالإرهاب مثل كلمة الحروب الصليبية أو كلمة الفتوح الإسلامية: تحدد العين التي تراها معالمها الأساسية. فالحروب الصليبية حتى عند رواد لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية تقيّم بشكل إيجابي، وكلمة الفتوح هي ما يقبله المسلم والعربي لوصف عملية بناء إمبراطورية توسعية لا تغيب عنها الشمس. ولا ندري هل من سوء طالع البشرية أم حسن حظها، أننا لم نصل بعد لقاموس عالمي مشترك لكل المفاهيم.

لم يحرّم الإسلام ممارسة العنف، كما لم يحرّم ميثاق الأمم المتحدة هذا الاستعمال،  وكلاهما لم يسمح بذلك إلا عند وقوع الظلم على الجماعة البشرية، وبعد فشل الطرق السلمية لرفع المظالم. وقد قيّد النبي محمد والخلفاء الأوائل استعمال العنف بقيود تحول دون ضرب المدنيين والمستضعفين. وينسب لأبي بكر الصديق وصاياه العشر في الصراعات المسلحة: ” يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر، فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تعلوا، ولاتغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرا إلا لمأكلة.”(أنظر مادة حق التدخل، الجزء الثاني من موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، يصدر قريبا)

وترتبط كلمة الإرهاب في التاريخ واللغة العربية بالخوف والفزع ومنه المثل “رهبوت خير من رحموت”، أي أن ترهب خير من أن ترحم. وقد ارتبطت أيضا بالخوف من الله ومنها الراهب، وفي الآية “ترهبون به عدو الله” أي تخيفونه.

 في التاريخ العربي الإسلامي كانت الاغتيالات السياسية الفردية شائعة ولكن كان من العار والمحّرم قتل غير المعنيين بالصراع من القاعدين والنساء غير المقاتلة والأطفال والشيوخ. والمعاناة الأساسية للنساء كانت من قواعد السبي التي عرفها الشرق من قبل السبي البابلي وبقيت لقرون بعد الإسلام. الأمر الذي لا يعني استبعاد المقاتلات من النساء حيث كان الحجاج بن يوسف الثقفي يعرض جثث المقاتلات من الخوارج عارية في الأسواق لردع النساء عن الإنضمام للخوارج. ولكن هذا الاستثناء الباثولوجي في التاريخ العربي الإسلامي لم يتّبعه إلا قلة. ومن المفارقات أن الفرق المعتبرة خارجية أو هرطقية كبعض فرق الخوارج وإسماعيلية الحسن بن الصباح (المعروفين بالحشاشين في أدبيات المستشرقين) هي التي كانت تقوم بعمليات اغتيال وتصفية تدرج اليوم في نطاق كلمة الإرهاب في حين استنكر أهل السنة والشيعة الإثني عشرية هذا الأسلوب.

 في الأزمنة المعاصرة، لجأت في نهاية القرن التاسع عشر عدة مجموعات فوضوية ويسارية أو يمينية متطرفة في أوربة الغربية وروسيا وأمريكا اللاتينية لاستعمال العنف بشكل لا يميز بين العسكري والمدني. وفي القرن العشرين نالت الحركات اليسارية المتطرفة، مما عرف في الأوساط الراديكالية بالأممية الخامسة، حصة الأسد في الستينات والسبعينات. لكن لم تلبث هذه الحركات أن تراجعت لتترك المكان للتيارات الماوية والأصولية. كذلك نشأت حركات ممولة من كارتلات المخدرات والطوائف الألفية القائلة بنهاية العالم. مع تراجع الحركات الأصولية السياسية وبدء مرحلة “ما بعد الأصولية” الرافضة لمنطق الحزب الواحد والإمام المخلّص والمتبنية لمبدأ التعايش السلمي مع الآخر والتداول على السلطة وفق الإرادة الشعبية في النصف الثاني من التسعينات، بدت أكثر فأكثر عزلة الاتجاهات المتطرفة. وقد تحولت الأخيرة لتنظيمات صغيرة مجهزة وممولة بشكل جيد وقادرة على جعل العمليات العنيفة المشهدية سلاحا أساسيا للدعوة لخطها والتعريف بوجودها، كونها أصبحت تشبه الجذام، يخافها ويحذرها القريب والبعيد. ولعلها باختيار القوة العظمى كخصم لها، قد وجدت التعاطف الذي افتقدته من تصلب وتخلف خطابها العقائدي. لقد استعملت اللغة الدنيوية لمناهضي دكتاتورية القطب الواحد في العالم (الولايات المتحدة) وأعداء التفاوت بين الشمال والجنوب والمدافعين عن المساواة بين الأفراد والشعوب بإعلان حرب على أهل الكفر “الأغنياء المسيطرين” من قبل أهل الإيمان “الفقراء المستضعفين”. هذا الخطاب السهل والمبسط في وجه خطاب جورج بوش السهل والمبسط أيضا، يظهر مدى فقر اللغة والأفكار عند أطراف الصراع الجديد الذين يلجأون إلى منطق بدائي يقسم العالم لأهل الخير وأهل الشر ويجعل من هذه الثنائية التصنيف الوحيد الممكن للبشر. الأمر الذي يعيدنا إلى مرحلة ما قبل الحقوق في تغييب للأخلاق بتعريفها المضياف والدينامي ومحاصرة لمنطق العدل.

 لقد  شغلت قضية الإرهاب المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة منذ ولادتها. وكون الإرهاب، في إحدى صوره، وسيلة التعبير اليائسة والخرقاء لمن لا وسيلة متكافئة لديه للتعبير عن الذات، كانت الدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية مجمعة على إدانته منذ الأربعينات. في حين اعتبرت دول العالم الثالث، مؤيدة من الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، العنف المسلح للدفاع عن أرض محتلة أو عدوان خارجي أو مناهضة الاستعمار قضية مشروعة.

يمكن استعمال تعريف الدكتور شفيق المصري للإرهاب بشكل عام باعتباره  “استخدام غير شرعي للقوه أو العنف (أو التهديد باستخدامهما) بقصد تحقيق أهداف سياسية. والإرهاب في هذا الإطار، هو الذي يتعدى العمل المخالف للقوانين الداخلية للدولة، أو حتى ذلك الذي لا يخالفها، إلى كونه مخالفاً لمبادئ القانون الدولي وقواعده. ولهذا يعرف عادة بـ “الإرهاب الدولي ” International Terrorism.”

هو دولي أيضا، بمعنى أنه ظاهرة عالمية، وليس ظاهرة محصورة بشعب أو دين أو بلد أو لون سياسي. عندما حاولت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريف الإرهاب بطريقة واسعة، اعتبرت أنه يشمل فيما يشمل الأعمال والوسائل والممارسات غير المبررة التي تستثير رعب الجمهور أو مجموعة من الأشخاص لأسباب سياسية بصرف النظر عن بواعثه المختلفة. لكن يمكن القول أن كل هذه التعاريف مازالت ضبابية وتسمح بهامش واسع للخطأ الحقوقي. لقد أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1996 لجنة محددة الزمان والمهمة خاصة بالإرهاب Ad hoc Committee on Terrorism مهمتها إعداد اتفاقية دولية ملزمة لمكافحة الإرهاب. وإن كان هناك ضغط اليوم لاستعجال استصدار هكذا معاهدة لأسباب سياسوية مباشرة، داخل أو خارج الأطر العادية لنقاشات الجمعية العامة، فإن تجربتنا مع المعاهدات الصادرة عن الجمعية العامة، وخاصة منها تلك المتعلقة بالحقوق الإنسانية وحماية الكائن البشري، كانت مرّة وقاسية. فقد حاربتنا الولايات المتحدة في أهم المواثيق وبشكل خاص العهد الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وميثاق المحكمة الجنائية الدولية الذي صوتت ضده في روما ثم عادت ووقعت عليه آخر ليلة في التوقيعات، ولم تصدّق عليه بعد. كذلك الأمر بما يتعلق بمعاهدات حماية البيئة والطفولة التي لم تكن أكثر حظا. في حين أن منطق القوة كان فاعلا في الحصار المطبق على كوبا والعراق، ومنطق الفيتو حاسما في حماية جرائم الحرب الإسرائيلية. في الحالتين، كان منطق القوة يحطم الثقة بمنطق العدالة، ويجعل من العنف الأعمى حلا مقبولا عند الجماهير المظلومة.

يمكن القول أن أسس مكافحة الإرهاب قد زرعت في القانون الدولي وفي 12 إعلان ووثيقة صادرة عن الأمم المتحدة. حيث ثمة إدانة واضحة لأعمال الإرهاب الدولي ووجوب ملاحقتها، مع تركيز على موجبين أساسيين على الأقل يقتضي أن تلتزمهما جميع الدول هما:

1-أن لا تشجع ولا تتورط على إقليمها أو خارجه بأي نشاط إرهابي ذي أغراض سياسية.

2- أن تقوم بكل ما يساعد في منع أو معاقبة أي نشاط إرهابي يقع ضمن إقليمها أو يكون مرتكبا ضمن هذا الإقليم.

لعل القرار الذي أصدرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 9-12-1994 ( تحت رقم 49/60 ) أتى فاصلا محوريا في هذا الشأن. فقد دعت الجمعية العمومية بموجب هذا القرار جميع الدول ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والوكالات المتخصصة لتطبيق  “الإعلان المتعلق بإجراءات إزالة الإرهاب الدولي” الملحق بقرارها ذاته. وفي هذا الإعلان:

–   إدانة كاملة لأعمال الإرهاب بكل أشكاله ومظاهره، بما في ذلك الأعمال التي تكون الدولة متورطة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر.

–   وجوب إحالة القائمين بالأعمال الإرهابية إلى العدالة من أجل وضع حد نهائي لها، سواء كان مرتكبوها أفراد عاديين أو موظفين رسميين أو سياسيين.

–   وجوب اتخاذ كل السياسات والتدابير الأزمة من أجل محاربة الإرهاب الدولي سواء كانت هذه التدابير فردية تتخذها الدولة ذاتها أو ثنائية أو متعددة الأطراف مع الدول الأخرى. وذلك من اجل محاربة الإرهاب الدولي ومنع قيامه ومعاقبة مرتكبيه.

–  التعاون الكامل بين جميع الدول من أجل تعزيز مبادئ الأمم المتحدة وأهدافها والتزام الاتفاقات الدولية الشارعة لجهة توفير السلام والأمن الدوليين وحماية الأبرياء والمحافظة على علاقات الصداقة والتعاون بين الشعوب.

–   تعديل أو استحداث القوانين الداخلية للدول بما يتلاءم مع هذه الاتفاقات، لاسيما المتعلقة بحقوق الإنسان.

يمكن القول أن هناك ترسانة قانونية كافية لأهم ما يتعلق بالجرائم المرتكبة في زمني الحرب والسلم والواقعة ضمن تعريف الإرهاب. فهي تشمل اتفاقية منع إبادة الجنس (1948)، اتفاقية طوكيو لإدانة الأعمال غير القانونية على متن الطائرات (1963)، اتفاقية مونتريال لإدانة خطف الطائرات (1971)، الاتفاق القاضي بإدانة خطف الديبلوماسيين (1973)، اتفاق إدانة احتجاز الرهائن (1979)، اتفاقية مناهضة  التعذيب (1987)، اتفاقية إدانة القرصنة البحرية (1988)..

لقد صدر في إطار القانون الدولي مجموعتان من الأحكام الدولية الملزمة التي تدين الإرهاب الدولي وتطالب بملاحقة مرتكبيه الأفراد ومحاسبة الدول التي ترعاه بشتى الوسائل أو تحرض عليه مباشرة أو غير مباشرة:

آ- المجموعة الأولى تشتمل على الاتفاقات الدولية المشرعة التي تشير إلى الأعمال الإرهابية الدولية. منها على سبيل المثال لا الحصر: اتفاقية منع إبادة الجنس للعام 1948، واتفاق طوكيو للعام 1963 لإدانة الأعمال غير القانونية على متن الطائرات، إضافة إلى إعلان هلسنكي للعام 1975 الذي التزمت بموجبه الدول الأوربية الامتناع عن مساعدة أي نشاط إرهابي في أي شكل كان، ثم القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن في إطار معاقبة الدول التي تخالف المبادئ الدولية وتهدد السلام والأمن الدوليين.

تجدر الإشارة إلى أن الجمعية العمومية للأمم المتحدة أرست هذه المبادئ القاضية بمكافحة الإرهاب الدولي منذ العام 1970، عندما أصدرت إعلانها الشهير عن “مبادئ القانون الدولي المتعلقة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة “، وطالبت “الجمعية”، بموجب هذا الإعلان، جميع الدول بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد أي دولة أخرى. كذلك طالبت “الجمعية” جميع الدول بالامتناع عن التنظيم والمساعدة والمشاركة في أي عمل إرهابي …الخ.

يفسر الدكتور شفيق المصري هذه النصوص والأحكام الواردة أعلاه بالقول:

أ . أن القانون الدولي حرص على تعريف الإرهاب من خلال تعدد الحالات التي يمكن الأفراد فيها التعرض إلى الحقوق الإنسانية الأصيلة، أو إلى سلامة الدولة ونظامها العام الخلقي أو السياسي والاقتصادي …الخ، أو إلى السلام والأمن الدوليين. من هذا المنطق اعتبر القانون الدولي الفرد مسؤولاً أمام القانون الدولي مباشرة. بذلك نشأ فرع مفصلي من القانون الدولي عرف بـ “القانون الجنائي الدولي”…

ب- أن القانون الدولي حرص على تعريف الإرهاب بحيث يشمل الأفراد والدول كذلك، وطلب بإدانة الاثنين معاً. على هذا الأساس، فان ثمة نوعين من الإرهاب الدولي، وإن تكاملت عناصرهما في بعض الأحيان وتداخلت، بحيث يصبح العمل الإرهابي نتيجة سياسة حكومية ينفذها الأفراد :

-إرهاب الأفراد الذين يرتكبون العمل الإرهابي مباشرة، وهو العمل الموصوف في الاتفاقات الدولية أو القرارات التي مر ذكرها حول هؤلاء الأشخاص وفقا للقانون الدولي وبصرف النظر عن قوانين بلادهم.

– إرهاب الدولة، وذلك عندما تخالف المبادئ الأساسية والأحكام المستقرة في القانون الدولي. بما في ذلك أحكام قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. مؤدى ذلك أن تصبح الدولة المتورطة في عمل إرهابي، بشكل مباشر أو غير مباشر، مسؤولة أمام القانون الدولي وما يحدده من جزاءات وتعويضات عن الأضرار التي تلحقها بالدولة أو بالدول الأخرى أو بأفرادها

ج – على أساس ما تقدم، فإن القانون الدولي شرح إرهاب الدولة وحدد الحالات التي يحصل فيها، كما أشار إلى وجوب مقاضاته أيضاً. نذكر بعض هذه الحالات على سبيل المثال لا الحصر:

–  المادة الثانية من المعاهدة الدولية المتعلقة بحجز الرهائن للعام 1979 تنص على أن كل دولة ترتكب أي عمل من الأعمال الموصوفة باحتجاز الرهائن، يجب أن تعاقب بما يتناسب مع خطورة الإساءة المرتكبة وطبيعتها. كذلك يجب أن تعاقب الدولة التي تساعد أو توافق أو تتغاضى عن عملية الاختفاء القسري للأفراد.(أنظر مادة الإرهاب في موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، الجزء الأول، الأهالي، 2000)

إن كان إرهاب الدول والجماعات والأفراد قد شكل مادة خصبة للنقاش، فإن نوعا آخر من الإرهاب، وهو الإرهاب الذهني، لم يأخذ حقه البتة نسبة لأهميته الكبيرة. هذا الإرهاب الذهني ينتهك بشكل منهجي مفاهيم جوهرية وأساسية تتعلق بحق التعبير والمشاركة ورفض فكرة الاستئصال والنفي للآخر واعتبار التفوق شكلا منتجا للعنف بالضرورة. وهو يبدو بوضوح عبر الأخطبوط الموالي للصهيونية في الإعلام الغربي الذي لم يتورع عن التحول إلى محام عن مجرم الحرب أرييل شارون في ظل انتفاضة الأقصى.

إن كانت جنوحات هذا الصنف من الإرهاب جلية في اللوبي الموالي لإسرائيل، فقد أصبح هذا التوجه أكثر شيوعا منذ مأساة 11 سبتمبر 2001. حيث بدأت الكلمات القاتلة تحل محل الطائرات المجنونة لتعلن حربا صليبية تخير الناس بين الخير الأمريكي والشر الآتي من معسكر الآخر، وتتحدث عن التفوق الحضاري الغربي على لسان رئيس وزراء فاسد ومفسد من روما. ولعل من تعبيرات الإرهاب الذهني الجديدة تلك الكلمة المرتجلة للسيد ليونيل جوسبان رئيس الوزراء الفرنسي الذي خرج بنظرية تربط سببية الإرهاب بالعقيدة والإيمان. أما الوضع المأساوي في الجنوب ولشعوب تدفع ثمنا باهظا لسياسة الهيمنة الغربية فهو لا يعدو كونه الأرض المؤهبة لذلك (مداخلة في الندوة الألمانية الفرنسية اكتوبر2001). ينسى السيد جوسبان، الذي يلصق بالعقيدة الإسلامية ما استنكرته في كل مدارسها، أو يجهل، بأن الانتحار في التاريخ العربي الإسلامي، إستشهاديا كان أم سوداويا، يشكل أضعف نسبة تذكر في الأمبراطوريات الإنسانية الكبرى.

هذا النوع من الإرهاب، مع هيمنة منطق القوة والحرب، سيؤدي بالضرورة إلى تهميش وتهشيم الفكر والثقافة لحساب تدنيس متصاعد للوعي.

كما شكلت الحرب العالمية الثانية مرجعا دوليا في قضايا جرائم الحرب وأعطت اتفاقيات جنيف الرابعة، استفادت الشعوب المناضلة من أجل تحررها من الحركات المسلحة لمقاومة النازية كمثل ومرجع لإدانة الاحتلال والحق في التحرر من الاستعمار وتقرير المصير. جاءت المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة والمادة الأولى من العهدين الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخاص بالحقوق السياسية والمدنية لتؤكد على هذا الحق. فكما يذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن هذه الحقوق إنما أقرت “لكي لا يلجأ المرء في آخر الأمر إلى التمرد”.

من هنا، ثمة إقرار دولي بأن كل دولة ملزمة قانونيا بالامتناع عن أي عمل قمعي يحرم الناس حقهم في تقرير المصير والحرية والاستقلال وأساسيات العيش. على هذا الأساس فإن قيام الناس بمقاومة هذا العمل القمعي يعتبر عملا مشروعا. ولا شك بأن اعتبار الاستيطان جريمة ضد الإنسانية في ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية يجعل من شعب فلسطين شعبا يناضل لوقف جريمة بهذه الخطورة عبر نضاله المشروع.

إن ما يعرف باسم الحرب ضد الإرهاب يدخلنا في مرحلة عبثية يصعب التكهن بمجاهيلها. فخلافا لحروب التقنيات الحديثة المعروفة (العراق وكوسوفو)، هذه الأزمة تعيد الاعتبار بقوة لمفهوم الأمن على حساب الحرية. وكما هو معروف في العلوم الإنسانية، الأمن ليس حالة، وإنما علاقة بالذات والآخر، علاقة مع العالم وتصور لهذا العالم. هكذا علاقة، لا يمكن أن تبنى في حالة طوارئ وبعقلية الطوارئ. وعندما يكون هذا هو الحال، فثمة انتصار للعنجهية على العدالة ولمفهوم التفوق على حساب فكرة المساواة بين البشر. ولا شك بأن عقلية الطوارئ هذه ستحكم الخطوات الأخيرة في اتفاقية مكافحة الإرهاب فيما سيجعل السياسي يخنق الحقوقي في مسألة في غاية الخطورة.

إن وضعا ضبابيا كالذي نعيشه، يحتاج إلى مراجعة عامة لنظرتنا للنفس وللعالم في المحيط العربي الإسلامي. وهو أيضا يتطلب مراجعة جذرية للسياسة الأمريكية تسمح لنا باستقراء مسلكية جديدة تجاه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. فالإدارة الأمريكية التي وقفت بحزم ضد انعقاد الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقيات جنيف في 15/7/1999 واوقفت هذا الاجتماع بعد عشر دقائق حتى لا تدان دولة إسرائيل على معاملتها للمدنيين، الإدارة الأمريكية التي رفضت في مجلس الأمن وجود قوات دولية لحماية المدنيين الفلسطينيين من أرييل شارون والعنجهية الإسرائيلية، هذه الإدارة مسؤولة أساسية عن جعل قتل المدنيين مسألة مقبولة في الوعي الجماعي العام، وعلى الصعيد العالمي. وبالتالي فهي تشارك الإرهابيين في المسؤولية عن مقتل المدنيين الأمريكيين باعتبارها التزمت الصمت عن مقتل المدنيين الفلسطينيين والعراقيين وغيرهم.

بهذا المعنى، يمكن أن تشكل مأساة 11 سبتمبر بالفعل منعطفا تاريخيا إذا ما أدت إلى مواقف تاريخية. كذلك يمكن أن تكون نقطة الانطلاق نحو ارتداد عام في الجنوب والشمال، نخسر في خضمّه، أجمل ما ترك لنا القرن الماضي، أي تلك القواسم المشتركة للحقوق والكرامة الإنسانية. يضحى بها، لحساب تعبيرات جديدة للشوفينية والتعصب والتفوق الأهوج.

……………………..

د. هيثم مناع

رئيس اللجنة العربية لحقوق الإنسان

منقولة عن الرابط التالي .http://www.jinan.edu.lb/hrd/Resolutions/terrorism.htm