كاتب فرنسي عاشر تشي غيفارا وتخلى عن النفوذ، وعارض ما سمته وسائل الإعلام الغربية بـ’سياسة التطهير العرقي’.

عن صحيفة العرب حسونة المصباحي [نُشر في 16/08/2014، العدد: 9650،

 

قد يكون ريجيس دوبريه، الكاتب والمثقف الفرنسي المولود عام 1941، أكثر من جسّد، ويجسّد، التحوّلات والتقلّبات السياسيّة والفكريّة التي عرفها المثقف الغربي منذ منتصف القرن العشرين وحتى هذه الساعة.

في مطلع شبابه فتن ريجيس دوبريه بالماركسيّة، وبثورة فيدال كاسترو، وتشي غيفارا، فانطلق إلى كوبا ليكتب كتابه الأول: “الثورة في الثورة” (1967) محاولا من خلاله رسم صورة حيّة للثورة الكوبية في بداياتها الصعبة. بعدها التحق بتشي غيفارا في بوليفيا، وهناك تمّ إلقاء القبض عليه، وذلك عام 1968، ليحكم عليه بالسجن المؤبّد بتهمة مساندة الثوّار، والمشاركة في حرب العصابات، هذا إلى جانب روايته “الثلج يشتعل”، الصادرة في نسختها العربية عن دار “الآداب”.

تقلبات الكاتب

تدخل الجنرال ديغول شخصيّا لدى السلطات البوليفيّة فأطلق سراحه عقب مفاوضات شاقّة استمرّت سنتين كاملتين. وعندما صعد فرانسوا ميتران إلى السلطة عام 1981، أصبح دوبريه مستشارا له، غير أن الوفاق بين الرئيس “المكيافيلي”، والمثقف الملتزم سرعان ما تلاشى، وفي كتابه: “إلى غد يا ديغول”، يتّهم الكاتب فرانسوا ميتران بأنه “أمّم الجمهورية لصالحه، وتلاعب بالمصلحة العامة، وحكم مثل مستبدّ مستنير، دافعا بأقرب الأصدقاء إليه إلى الانتحار”.

في الثاني والعشرين من شهر مايو 1999، فجّر دوبريه قنبلة جديدة في أوساط الأنتلجنسيا الفرنسية، اليسارية منها بالخصوص، فقد نشر في مجلة “ماريان” الأسبوعية نصّا بعنوان : “أشياء شهدتها في كوسوفو”. وفي هذا النص، يتهم ريجيس دوبريه الحلف الأطلسي بـ”شنّ حرب على الشعب الصربي، وليس على زعيمه ميلوسوفيتش”.

وهو يقرّ بأن ميلوسوفيتش “حاكم شعبوي”، و”مستبدّ”، غير أنه ليس ديكتاتورا، واضعا في نفس الميزان ضحايا الصرب من ألبان كوسوفو، وضحايا جيش تحرير ألبان كوسوفو من الصرب.

كما أنه عارض بشدّة ما سمّته وسائل الإعلام الغربية بـ”سياسة التطهير العرقي” التي انتهجها الصرب تجاه ألبان كوسوفو، وفي نهاية مقاله، حذّر دوبريه الحلف الأطلسي من أنه إذا ما واصل اعتداءاته العسكرية ضدّ يوغسلافيا، فإن النتائج سوف تكون وخيمة.

هجمة شرسة

وكان هذا المقال الذي بدا فيه ريجيس دوبريه وكأنه انقلب على أفكاره “الثوريّة” القديمة، ليصبح مساندا لـ”الفاشيين” من أمثال ميلوسوفيتش، بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس. فقد وجدت فيه الأنتلجنسيا الباريسيّة الفرصة السانحة لـ”تمزيق” صاحبه. لذا وصفه خصومه بـ”الانتهازي”، وبـ”متقلّب الأهواء”، وبـ”الحرباء”.

وكان آلان جوكس، وهو من أصدقائه المقربين، أول من أشعل فتيل الحرب ضدّه. فقد نشر في جريدة “لوموند” مقالا يصف فيه ريجيس دوبريه بـ”مفسد العقول العالمي” ذلك أنه تخلّى عن أفكاره “الثورية والإنسانية القديمة” ليصبح من أنصار دعاة “القومية الشوفينية”. عقب ذلك بيوم واحد، أشعلت صحيفة “ليبيراسيون” اليسارية معركة حامية الوطيس ضدّه مخصّصة ملفّا كاملا بأربع صفحات للردّ على أطروحاته.

وقد اتهمه المشاركون في الملفّ المذكور بـ”تمجيد الأنظمة الديكتاتورية”. وساخرا من فلسفته الجديدة، “فلسفة الشك”، كتب المفكر ألان فينيكالكراوت يقول: “حين يشير الحكيم إلى القمر، فإن الأيديولوجي الساذج والمزيّف ينظر إلى الإصبع”.

أما برنار هنري ليفي فقد شنّ هجوما عنيفا على ريجيس دوبريه طالبا منه “الاستقالة التامّة” من أيّ نشاط فكريّ أوسياسيّ، واصفا موقفه بأنه “يعكس عداء وكراهية لأوروبا، وللديمقراطية، وحتى لصورته القديمة، صورة المثقف المناضل، والملتزم بالقيم الإنسانية النبيلة. واتهمه آخرون بـ”تزييف التاريخ”، وبـ”التواطؤ المضمر مع نظام مجرم وقمعي”، ويعنون بذلك نظام ميلوسوفيتش.

ولمّا حاول ريجيس دوبريه الردّ على مهاجميه، أغلقت الصحف الفرنسية أبوابها أمامه. كما تراجعت المراكز الثقافية عن دعوته إلى الندوات الفكريّة التي تقيمها، وتخلّى عنه أصدقاؤه الأكثر قربا منه، فبات منبوذا من الجميع. ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتعرض فيها دوبريه إلى مثل تلك الهجومات العنيفة من قبل الأنتلجنسيا الفرنسية، والأوروبية عامة.

ففي الثمانينات من القرن الماضي، سخر من أيديولوجيا حقوق الإنسان التي كانت قد أصبحت شائعة في ذلك الوقت خصوصا لمّا لاحت بوادر انهيار الأنظمة الاشتراكية بزعامة ما كان يسمّى بالاتحاد السوفياتي. وخلافا للعالم الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، لم يكن ريجيس دوبريه يعتقد أن المعسكر الشيوعي هو الخطر الذي يتحتم الإعداد لمواجهته، وإنما النزاعات الطائفية، والقوميّة.

كان أعداؤه يعتقدون أن ريجيس دوبريه قد “دخل جحره”، ولن يخرج منه أبدا حين طلع عليهم بكتاب جديد تحت عنوان “النفوذ”، وفيه شنّ هجوما شرسا على الصحافيين متّهما إيّاهم بأنهم ليسوا “غير فرقة كهنوتيّة ورثت أخطاء الكنيسة”.

أما الصحافة التي تدّعي أنها “صانعة الوعي” فقد اتّهمها بـ” تضليل آراء الناس، وتشكيلها بحسب أهوائها”. ولم يتردّد في القول بأن سلطة المثقفين والصحافيين يمكن أن تكون خطرا على الجمهورية، ذلك أن هذه ألأخيرة بحاجة إلى سلطة سياسية، وليس إلى مشكّلي أفكار.

يبقى أن نقرّ بأن ريجيس دوبريه هو واحد من ألمع المثقفين الفرنسيين راهنا، ومن أكثرهم إلماما بما يجري في العالم على جميع الأصعدة، والمستويات. وأما الكتب التي أصدرها إلى حدّ هذه الساعة، فتدلّ على أنه يمتلك ثقافة موسوعية باتت نادرة في زمننا.