المواطنة من منظور آخر.
د.عدنان عويّد

ما يلفت الانتباه والاستغراب فعلاً في ما يجري اليوم على العديد من ساحات الوطن العربي, هو وقوف الكثير من الشباب بمختلف مستوياتهم العمرية, ضد الوطن الذي ينتمون إليه ومصالحه. فحالات القتل على الهوية الدينية والعرقية, والتدمير للدولة ومؤسساتها, والسلب والنهب والسرقة للأموال العامة والخاصة التي تمارس من قبلهم بحق الوطن والمواطن في مصر وسورية والعراق وليبيا, ولا أعرف من هي الدول العربية الأخرى المرشحة لاحقاً لمثل هذه المستويات من السلوك المزري الذي تنتفي منه ليس روح المواطنة فحسب, بل وكل القيم الإنسانية الفاضلة.
إن مسألة غياب فكرة وروح المواطنة لدى هؤلاء الشباب, مسألة تجعلنا نقف كثيراً أمام أسبابها أو دوافعها. فالقضية بنظري ليست وليدة مصادفة تاريخية, أو ردود فعل عفوية ضد أنظمة عربية يشعر هؤلاء الشباب أنها لم تحقق لهم ما يطمحون إلية من فرص عمل, أو تقسيم عادل للدخل الوطني, أو الكثير من الشعارات والمبادئ التي تتضمنها دساتير دولهم من حيث الحرية والعدالة والمساواة ودولة القانون والمشاركة السياسية وغير ذلك. أنا اعتقد بل أجزم أن المسألة أكبر من ذلك بكثير.
إن مسألة المواطنة برأيي هي قضية انتماء وتربية نظرية وعملية لهذا الانتماء. فعندما يغيب الانتماء أو يُغيب لمصلحة انتماءات أخرى ضيقة ذات طابع أخلاقي/ قيمي لا تغيب عن تفاصيله المواقف الأيديولوجية في الغالب, بحيث تتحول هذه الانتماءات الجزئية إلى بديل عن الوطن بشكل مقصود أو غير مقصود, فسوف يضعف الانتماء للوطن أو يتلاشى ليتحول هذا الانتماء في حقيقة أمره إلى حالة كرنفالية تؤدى طقوسها في الأعياد الوطنية الرسمية.
من خلال هذه المعطيات الأولية المتعلقة بقضية المواطنة التي جئنا عليها, وأمام حالات تغييبها أو إقصائها, تُطرح علينا هنا بعض الأسئلة المشروعة التي تعتبر الإجابة عنها أمراً مشروعاً أيضاً, وأهمها. ما هي المواطنة إذاً, وما هي معوقات تجذيرها في فكر وسلوكية المواطن؟. ثم ما هي هذه الانتماءات الجزئية ذات الطابع الأخلاقي / القيمي, التي أصبحت بديلاً عنها وهمشتها ؟.
دعونا نجيب عن هذه الأسئلة التي ستشكل الإجابة عنها كما أعتقد مفتاح معرفة المواطنة ومأساتها عندنا.
أولاً ما هي المواطنة؟. المواطنة إضافة لكونها انتماءً طبيعياً وعاطفياً وإرادياً بالوراثة أو بالاكتساب, لفرد أو جماعة ما للأرض (الدولة) التي يعيش أو يعيشون عليها ويمارسون نشاطاتهم الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية, فهي أيضاً قوة معنوية ومادية للمواطنين ذاتهم, منحتها لهم قوانين وأنظمة الدولة, التي ينتمون إليها من حيث حماية حقوقهم الطبيعية والمكتسبة, وكذلك تأدية واجباتهم تجاه الوطن ممثلاً بالدولة هنا, من حيث خدمة هذا الوطن والدفاع عنه.
فالمواطنة إذاً وفق هذا المعطى, هي حالة انتماء إرادي وعاطفي وعقلاني وقانوني, يكتسبها الفرد أو الجماعة, لتميزه عن غيره من مواطني الأمم الأخرى من جهة, ثم لتمنحه الشعور بذاته الوطنية التي تشكل هويته الحقيقة من جهة أخرى. فأي إنسان بدون هذه المواطنة, هو لا شيء.. أي نكرة في عالم يقوم على فكرة المواطنة.
ثانياً ما هي معوقات تجذير فكرة المواطنة في فكر وسلوكيات المواطن؟. أشرنا في موقع سابق, بأن المواطنة عندما يحل بدلاً عنها مجموعة من القيم الأخلاقية الجزئية ممثلة هنا بالأيديولوجيا أو برموز شخصانية تاريخية أو معاصرة محددة, فإنها – أي المواطنة – تتنحى أو تقصى أمام هذه القيم أو الرموز. فما هي إذاً هذه القيم أو الرمز التي تعمل على تنحية المواطنة وإضعاف الانتماء لها؟..
1- الآيديولوجيا: وأعني بها الآيديولوجيا الدينية السلفية الأصولية بكل اتجاهاتها التاريخ بشكل عام, والإسلامية منها بشكل خاص, وممثليها من ابن ملك, مروراً بالشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل وأبو حسن الأشعري والغزلي وابن تيمية وابن قيم الجوزية و محمد بن عبد الوهاب وما يمثل فكره في هذا العصر, بشكل مباشر أو غير مباشر, وصولاً إلى الشيخ البوطي وما يمثله من تيار سلفي بصيغته المعاصرة, وهو التيار (الأشعري) .
إن هذه الآيديولوجيا بممثليها هم ضد فكرة الوطن والمواطن, وهم ممن يتبنون فكرة عالمية الإنسان (المسلم) الذي لا يُقر بانتمائه الوطني والقومي مهما كانا, وهذه المسألة عبر عنها “سيد قطب” في كتابه “معالم في الطريق” , وعبر عنها أئمة الوهابية, وكذلك الشيخ البوطي في بداية السبعينيات من القرن الماضي عندما كتب بأحد أعداد مجلة المعرفة السورية مقالاً يهاجم فيه الفكر القومي, ويمجد بالخلافة العثمانية متمنياً عودتها. واليوم يعبر عنها خليفة المسلمين “أبو بكر البغدادي” فبعد أن أعلن خلافة المسلمين في سورية والعراق, أصدر بياناً يطالب فيه كل المسلمين بالعالم المجيء إلى أرض الخلافة هذه, لأنها ليست ملكاً للسورين والعراقيين كما ادعى. هذا عدا دور هذه الأيديولوجا في تعميق أزمات المجتمع الذي تنتشر فيه, دينياً (طائفيا) واجتماعيا وثقافياً, من خلال محارتها للديمقراطية والعلمانية وكل الفكر الوضعي.
2- الرموز الشخصانية التاريخية : إن تاريخ أية أمة من الأمم مليء بالرموز التاريخية, إن كانت تمثل مواقع حروب حققت فيها انتصارات على أعدائها, أو قادة تاريخين لهم مواقف إيجابية عالية على مستوى حياة الأمة قيمياً عبر مراحل تاريخها. وبالتالي كثيراً ما يقوم المعنيون بالشأن السياسي أو الثقافي أو الديني لهذا الدولة أو تلك, بجعل مثل هذه الرموز, وبخاصة الشخصيات التاريخية, محط تقديس لا يأتيها الباطل أبداً, ومع عملية التقديس غير الواقعي لسمات وخصائص هذا الرموز الشخصانية التاريخية, يأتي التأكيد على الأجيال اللاحقة ضرورة الاقتداء بهذه الشخصيات وتمثل حياتها ومفاهيمها وسلوكياتها, وهذه المسألة كثيراً ما نجدها لدى التيار الديني السلفي الإسلامي أيضا, حيث نجد الكثير من الشباب المنتمين لهذا التيار يتمثلون فعلاً تلك الشخصيات, في إطلاق ذقونهم, وحف شاربهم, وارتداء الجلابيب القصيرة, واستخدم المسواك, بل يحاولون تقمص تلك الشخصيات في حديثها ولغتها وأسمائها وفهمها للحياة.
إن مثل هذه التربية والتوجه القيمي تجاه هذه الرموز, سيجعل هناك بالضرورة حالات كثيرة من القطع الحضاري بكل ما تعنيه الحضارة من دلالات, ما بين الماضي والحاضر لدى الشباب فهما وممارسة, أي خلق حالة من الاغتراب النفسي والأخلاقي والسلوكي ما بين الحاضر والماضي لدى هؤلاء الشباب وكل من يتمثلون تلك القيم الرمزية. فمع هذه القطع مع الحاضر والغربة عنه, يغيب هنا الوطن والمواطن معاً. فالانتماء للوطن بمفهومه المعاصر لم يعد موجوداً لدى هؤلاء كونهم تقمصوا الماضي بدلالاته الدينية فقط, بل إن كل من يتمسك بقيم الوطن والمواطنة وما تمثله المعاصرة يعتبر بنظرهم شاذاً, أو كافراً وزنديقاً.
3- الرموز التاريخية المعاصرة: وما أكثرها في عصرنا الحاضر وفي دول العالم الثالث بشكل خاص. فالبطل الإيجابي الذي يشكل هنا صفة القائد السياسي, أو الديني أو الاجتماعي, لم يزل موجوداً, وهو من يمثل عند اتباعة ومريديه رمزاً يتجاوز حدود الوطن والمواطن. والمشكلة هنا برأي هي ليست بهذا البطل التي تؤكد على دور الفرد في التاريخ, بقدر ما هي بالمطبلين والمزمرين والانتهازيين الذين يشتغلون على تضخيم فكرة البطل حتى ولو قزموا أنفسهم وأسأؤوا لفكرة البطل ذاتها بكل ما تحمل هذه الفكرة من إيجابيات. فالمطبلون للبطل وبخاصة في الاتجاه السياسي تدفعهم انتهازيتهم إلى تأليه البطل وتسفيه أو تقزيم كل ماعداه في الوطن, وفي المقدمة الوطن ذاته, بل لنقل إن انتهازيتهم ومصالحهم الأنانية الضيقة تدفعهم لاختزال الوطن فيه, وذلك على اعتبار كل ما يقوله أو بتصرفه هو مثال أخلاقي وقيمي ومعرفي لا يضاهى, وفي مثل هذه الحالة يصبح البطل هو الأنموذج الأمثل سلوكاً وفكراً, ويجب الاقتداء به.
إن مثل هذه العقلية المطبلة والمزمرة كثيراً ما تساعد على تغييب فكرة الوطن والمواطن من خلال تربيتها للأجيال التي تقع تحت أمرتها حزبياً وتعليمياً, من حيث العمل على تكريس فكرة البطل أنموذجا ومثالاً لهذه الأجيال على حساب الانتماء للوطن, بل إن الوطن ذاته يصبح معروفاً به هو, أي الوطن ذاته منتمياً للبطل وليس العكس, وهناك أوطان في وطننا العربي سميت بأسماء أبطالها. هذا ولا ننسى أيضاً أن مسألة البطل هذه ودوره اللامحدود في التأثير على الفرد والمجتمع, نجدها في المرجعيات الدينية (الطائفة والمذهب), والاجتماعية (العشيرة والقبيلة) .

الدكتور عدنان عويد ..كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر /18 غشت 2014