حكومة بنكيران واستراتيجية ردع الديمقراطية

 بقلم /عبد السلام رجواني

منذ تولي حكومة بنكيران تدبير الشأن العام ببلادنا، اختار رئيس الحكومة والأمين العام للعدالة والتنمية، استراتيجية ردع الديمقراطية، ضدا على روح الدستور، وكبحا للتطور الديمقراطي الذي عرفته البلاد منذ حكومة التناوب، وقطعا مع كل الشعارات التي رفعها حزب العدالة والتنمية قبل صعوده دفة الحكم. وتعتمد استراتيجية الردع على جملة من الآليات القائمة على التهديد، والوعيد، والترهيب، والتهويل من المخاطر، والانتقام حتى، تجاه كل من اختلف مع سياسة الحكومة وقراراتها، أو انتقدها وعارضها، أو احتج ضدها، سواء تعلق الأمر بالمعارضة البرلمانية، أو بالنضال النقابي المشروع، وبمبادرات المجتمع المدني، أو الحركات الاحتجاجية، أو بالصحافة والإعلام.
وفق هذه الاستراتيجية التي تتناقض في الشكل والجوهر مع روح الديمقراطية المتمثلة في شرعية الاختلاف والاعتراف بالآخر وحرية التعبير ومشروعية الاحتجاج والحق في الإضراب واستقلالية الصحافة، واستقلالية القضاء، عملت حكومة بنكيران على:
– التهديد بالعصف باستقرار البلاد ومساره الديمقراطي معتقدا أنه هو صانعه وضامنه، متناسيا أن استقرار المغرب نتاج ثقافة وطنية راسخة ارتبطت تاريخيا بثورة الملك والشعب والحركة الوطنية ضد الاستعمار وكرستها
استراتيجية التوافق بين المؤسسة الملكية والقوى الوطنية الديمقراطية نهاية القرن الماضي. وفوق هذا وذاك لا أحد هدد يوما بالطوفان وحرق الأخضر واليابس حتى في أحلك أيام الاستبداد المخزني وسنوات الرصاص البغيضة. إن حفظ الاستقرار إرادة مشتركة لكل القوى الحية في البلاد ما عدا أقليات متطرفة وهامشية من دعاة دولة الخلافة أو ثورة البروليتاريا، مع العلم أن استراتيجية ردع الديمقراطية هي ما يهدد فعلا الاستقرار الذي لا يعني أبد قمع الحريات وإسكات الرأي المخالف.
– إفراغ كثير من الحقوق الدستورية من مضمونها العملي، ومنها حق الإضراب حين قررت الحكومة الاقتطاع من أجور كل من أضرب بدل مواصلة الحوار الاجتماعي الجاد مع المركزيات النقابية، وذلك ترهيبا لكل «من سولت له نفسه» تهديد «سلم اجتماعي» مغشوش، وبهدف تمرير قرارات لا شعبية من قبيل الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات، وبالتالي في أسعار كل المواد والخدمات، وتمديد سن التقاعد دون اعتبار لمقترحات المعارضة ودون مراجعة النقابات الأكثر تمثيلية.
– مهاجمة المعارضة البرلمانية واتهامها بالفساد والعمالة و»التخلويض» والفشل التاريخي ، كلما مارست فرق المعارضة حقها الدستوري في مناقشة تصريح حكومي أو قرار من قرارات الحكومة في كل المجالات. وهكذا تحول البرلمان بغرفتيه إلى باحة للتعيير السياسي والملاسنات غير المجدية والخطابات الشعبوية، بدل أن يكون مدرسة في الديمقراطية، ومؤسسة للتشريع، ومنبرا للنقاش المسؤول والهادف.
– قمع الحركات الاحتجاجية للمعطلين الذين سالت دماؤهم غزيرة أمام بناية مجلس النواب وفي ساحات وشوارع كثيرة من مدن الوطن، ،وفض وقفات أهل الأراضي السلالية بالقوة المفرطة ،ومنع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من تنظيم ملتقياتها التكوينية، ومحاصرة الجامعات ومحاكمة نشطاء الحركة الطلابية ذوي الحساسية اليسارية،
– إقصاء جزء هام وفعال من مكونات النسيج الجمعوي من الحوار الوطني حول المجتمع المدني، إمعانا من الحكومة في فرض الرأي الأوحد حتى وإن تعلق الأمر بمؤسسات استشارية ومنتديات للحوار، ومجالات تهم قضايا استراتيجية تتجاوز عمر الحكومات، وترهن المستقبل البعيد للأمة.
– مهاجمة كل صحيفة أو إذاعة أو محطة فضائية أو موقع إلكتروني اتخذ لنفسه خطا تحريريا يعاكس خطاب الحكومة ورئيسها، ويدعو لثقافة وقيم وأنماط عيش تخالف اقتناعات مرشدي التوحيد والإصلاح. هكذا وصفت بعض المنابر الإعلامية بالماخور وبعض الصحفيين بالمأجورين وبعض المحطات الإذاعية بالتصهين والعمالة الخ…
– التضييق على كل مسؤول داخل قطاع حكومي أو مؤسسة عمومية إن لم يخدم أجندة الحزب الأغلبي. ولعل « تأديب» قاض على إصداره حكما لا يساير وجهة نظر «الحاكم بأمر الله» من أبرز علامات «استقلال القضاء» المفترى عليه، كما أن المحسوبية السياسية التي تحكمت في كثير من التعيينات بالمناصب العليا دليل على غياب النزاهة ومراعاة المصلحة العليا للأمة.
– اللجوء إلى التكفير المبطن والضمني أحيانا، أو العلني والواضح من خلال عتاة الذراع الدعوي للحزب الأغلبي ومن لف لفهم أحيانا أخرى ، لكل حامل لفكر حداثي متشبع بقيم الحرية وحقوق الإنسان، بما في ذلك الداعون إلى الاجتهاد في الدين من منطلق إسلام متنور جوهره تكريم بني آدم في الدنيا والآخرة…
وفق هذه الآليات التي تشكل نهجا متكاملا للجم كل الأصوات والتعبيرات المناهضة للحكومة، يعمل الحزب الأغلبي على بسط هيمنته على الدولة والمجتمع، متخفيا وراء خطاب أخلاقي لا يجدي في مواجهة تحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتطور الديموقراطي الذي بشر به الدستور الجديد، ومستقويا بحسن علاقاته بالمؤسسة الملكية متناسيا أن الملكية موروث مشترك على كل القوى السياسية في البلاد العمل على جعلها ملكية عصرية متحررة من كل تجليات العتاقة، وثقل مظاهر وطقوس السلطان التقليدي.

والواقع أن استراتيجية الردع هاته هي الوجه الآخر للاستبداد المخزني ونسخته المنقحة والمكيفة مع مستجدات الوضع الدولي وتطورات المشهد الإقليمي ومتطلبات تجديد نظام الحكم، كما أنها النتيجة الحتمية لإجهاض الانتقال الديمقراطي. إنها استراتيجية تتكامل وتدعم الاختيارات اللاشعبية للحكومة التي عجزت عن تدبير الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والمالية وفق مقاربة غير مقاربة «القهر الاجتماعي»، عملا بتوصيات صندوق النقد الدولي وعلى حساب المستضعفين والطبقات الوسطى التي تحاول نفس الحكومة ذر عيونها برماد إجراءات هامشية من قبيل «راميد» وصندوق التكافل الاجتماعي، والتي لا تعدو أن تكون أشكالا جديدة ومفلسة لاستجداء أصوات البسطاء من أبناء شعبنا الذين يعلمون علم اليقين أن محاربة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية الحقة رهينان بابتكار خطط لتنمية شاملة ومستدامة تقوم على خلق الثروة، وتشجيع الاستثمار والنهوض بالتعليم والصحة وتطوير البحث العلمي، ومحاربة الفساد فعلا لا قولا ونفاقا، واستقلال القضاء وغيرها من الإصلاحات العميقة التي لم نر منها شيئا منذ سنوات.
ومما لا ريب فيه أن نهج سياسة ردع الديمقراطية موازاة وتكاملا مع سياسة التقويم الهيكلي الجديدة، يسعى إلى نيل رضا المؤسسات المالية الدولية، وإلى خدمة استراتيجية الدولة العميقة التي تماهت نخبة الحزب الأغلبي معها سياسيا وإيديولوجيا، وذلك أملا في الاستمرار في تدبير الشأن العام لأطول فترة ممكنة لاستكمال مشروع الهيمنة على الدولة والمجتمع، وبالتالي وأد المشروع الديمقراطي الحداثي. ومن المؤكد أن استراتيجية الردع، أسوة بسياسة الاستبداد التي عاشها المغرب من قبل، لن تحقق أبدا الاستقرار القائم على الشرعية الديمقراطية والرفاه الاقتصادي والمرجعية الثقافية المشتركة؛ وإنما ستؤدي حتما وعلى المدى المتوسط إلى احتقان سياسي واجتماعي سينتهي بالضرورة إلى حالة عدم الاستقرار، ولنا في الماضي القريب لدول شمال إفريقيا والشرق الأوسط أقوى دليل.
ومن المؤسف حقا أن استراتيجية ردع الديمقراطية لم تلق المواجهة الشاملة والقوية من القوى الديمقراطية والحداثية، أحزابا ونقابات ومجتمعا مدنيا ومنظمات حقوقية وصحافة حرة ومثقفين ، بحيث اكتفت هذه القوى بردود أفعال معزولة ومنفردة، ولم ترق لحد الآن إلى بلورة استراتيجية واضحة لمواجهة المشروع اليميني المناهض في جوهره لكل تطور ديمقراطي حقيقي. إن كل محاولات توحيد اليسار لم تنجح إلا جزئيا، كما أن التنسيق بين المركزيات النقابية لم يترجم إلى مبادرات عملية تعيد للحركة النقابية وحدتها النضالية وزخمها المجتمعي. في ذات السياق خفت صوت المجتمع المدني الذي تحول جزء منه، لا يستهان به، إلى مقاولات مقنعة، شغلها الشاغل تحصيل منح لتمويل مشاريع لا تسمن ولا تغني من جوع، بدل الاشتغال على تنمية وعي المواطن وقدراته على إدراك ما يجري من حوله، واختار كثير من المثقفين الديمقراطيين الحداثيين الابتعاد عن معترك الصراع الثقافي والسياسي والهروب بأقلامهم إلى منتديات البترودولار وصحف أمراء الخليج حيث الكسب المادي والإقامة الباذخة، ولم يصمد منهم إلا من رحم ربك.
أمام هذا الواقع تقع على عاتق الكتلة الشعبية الديمقراطية من أحزاب ومنظمات ونقابات وجمعيات ثقافية وحركات الشباب ومنظمات نسائية، الملتزمة بقيم الحداثة وحقوق الإنسان العمل على تكوين جبهة سياسية/اجتماعية/ ثقافية واسعة نعتقد أنها وحدها قادرة على مقارعة المشروع اليميني الذي تعمل الحكومة الراهنة على ترسيخه في ظل تشرذم قوى التقدم والحداثة والديمقراطية. فما السبيل العملي إل بناء هذه الكتلة؟ سؤال جوهري سنعود لمقاربته في مقال لاحق مع العلم أنه سؤال يقتضي إسهام كل الأقلام المؤمنة بمستقبل المغرب الديمقراطي الحداثي.

……..

عن جريدة .ا.ش

19 غشت 2014