المقال ماخوذ عن صفحة الاخ بليليض بالفيس بوك

20 غشت 2014

الإرهاب التكفيري لتفتيت الأوطان

محمد بوبكري

قبل إيصال جماعات الإسلام السياسي إلى الحكومة، كرَّست وقتا طويلا للترويج لفشل الحكومات السابقة، وأرجعت ذلك إلى تدبيرها من قِبَل قوى علمانية وغير إسلامية. وبذلك نُسِب ذلك الفشل إلى “عدم الحكم بالشريعة” واختزلت ظروفه المتداخلة وآلياته المركبة والمعقدة في ذلك الانحراف المزعوم، وأصبحت كل السلطات والحكومات والحلول، في نظر جماعات الإسلام السياسي، فاشلة بسبب استبعاد “الإسلام” من الحكم. ويعود ذلك إلى اعتماد هذه الجماعات لشعار “الإسلام هو الحل”. لكن هذا الشعار الفضفاض والغامض لا يقدم أية إستراتيجية أو مشاريع أو برامج سياسية أو اقتصادية أو تصور للعلاقات مع الخارج، فهو يخاطب وجدان المجتمعات التي يشكل الإسلام والتدين البنية العميقة لوعيها التاريخي. كما أن هذه الجماعات لم تكف عن تخويف شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من “التغريب” ومن الحداثة والديمقراطية، لأنها ترى فيها تهديدا مباشرا للدين وللهوية الإسلاميين. وقد خدم هذا الشعار جماعات الإسلام السياسي طيلة فترة تواجدها في المعارضة، حيث نجحت في أن تزرع في ذهن فئات من المجتمع فكرة أنها تنطق باسم الدين وتمثله.

لكن عندما شاءت إرادة بعض القوى العظمى إدخال بعض هذه التنظيمات إلى حكومات المنطقة، انتظر الناس ما ستفضي إليه تجربتها الحكومية. وبمرور الزمن، صُدِموا بفشلها المريع، حيث نقضت كل وعودها الانتخابية، فتراجعت في عهدها قضايا العدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والحرية السياسية، والديمقراطية. ولم يبق أمامها سوى الاحتماء بخطاب الهوية للتعبئة الإيديولوجية لإخفاء عجزها عن حلّ كل المسائل الأخرى المرتبطة بحياة الوطن والمواطن، بل إنها عمّقت الأزمة، وبدأ يتضح، بعد الاختبار العلني في مخبر الوعي الشعبي، أن “شعار الإسلام هو الحل”، والنُطق باسم الدين، هما مجرد إيديولوجيا قائمة على الوهم والفراغ. وبذلك سيتحوَّل وعي المجتمع تدريجيا من الهوس بالهوية إلى الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي السليم. هكذا ستتم مواجهة الواقع وتقييم أداء الأحزاب وغيرها من المنظمات بناء على ما تنجزه من برامج فعلية، لأن التجربة التاريخية والعملية هما وسيلتان أساسيتان لتحديث الوعي الشعبي وتحريره من سيطرة الشعارات الجامحة الخالية من أي معنى.

لذلك، عندما يضعف تأثير التعبئة الإيديولوجية الدينية، فإن المجتمعات تسير شيئا فشيئا نحو تسييس فعلي وصحي، ومتوازن، ما سيؤدي تدريجيا إلى نزع الصفة التمثيلية للإسلام التي تدَّعيها هذه الجماعات، إذ سيحكم المواطنون على أدائها من منظور السياسة والإنجاز الفعلي لا من منظور الدّين، وسيتعاملون معها بكونها مجموعة بشرية غير متصفة بما تدّعيه من كمال، ما سيفضي بهم إلى الفصل بينها وبين الدين.

هكذا، ستحتل صدارة الأولويات مشكلات الديمقراطية والفقر والعدالة الاجتماعية والتنمية وبطالة أجيال وشرائح الشباب الكبيرة وغيرها من القضايا الحيوية، على حساب مسألة الهوية المُفتعلة، وسيكتشف المواطنون أن الحرص على هذه المسألة قد تم تضخيمه من قِبَلِ هذه الجماعات، حيث إن هويات دول هذه المنطقة سوف تبقى كما بقيت هويات وديانات الصين وأوروبا وروسيا والهند، بالتوازي مع مدِّ العلمانية الذي بلغ هذه المجتمعات وما فتئ ينتشر في كافة أرجاء المعمور منذ الثورة الصناعية الأولى…

إذا كانت نهاية إيديولوجيا الإسلام تتطلب وقتا وعملا وصبرا ومثابرة، فإن تطور الأحداث في سوريا والعراق وليبيا، عَقَّد الأوضاع، حيث ظهر الإرهاب التكفيري الذي لا يُبقي ولا يذر. إنني لا أعطي أهمية للتكفير لو توقف عند حدوده اللفظية، لأنني لست في حاجة إلى شهادة أي مخلوق، كما أن الذين يمارسون هذا النوع من التكفير لا يمتلكون مفاتيح الجنة أو النار…. لكنني أرفض تماماً الإرهاب التكفيري الذي يستبيح حياة البشر وأعراضهم ومتاعهم…، حيث يقدس أصحابه الذبح والقتل والتفجير، مستندين إلى أحاديث عارية من الصحة، مثل “إني جئتكم بالذبح” “وجعل رزقي تحت ظل رمحي”، إذ هي مجرد افتراءات على النبي (ص)، فهو لم يقل بذلك، كما أن لا أحد من الأنبياء والرسل قد قال بمثل هذا من قبل.

ويدل التقدم الذي يحرزه الإرهاب التكفيري في الشرق الأوسط… على تبنِّي بعض القوى العظمى لإستراتيجية جديدة هدفها زرع الفتنة المسلحة لتخريب البنيان، حيث تؤدي إلى اقتتال طوائف الوطن الواحد وقبائله للتسريع بتفتيته. ويدل ما حدث في أفغانستان، وما يحدث في ليبيا والعراق وسوريا… على أن جماعات الإرهاب التكفيري قد تتحد لقتال خصمها المشترك، لكن بعد انتهائها من هذه المهمة أو فشلها فيها فقد تنتقل إلى مرحلة الاقتتال الداخلي لاعتبارات إيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية، أو بتوجيه من القوى الدولية التي تسندها وتوظفها… وهذا ما يجري حاليا في البلدان السالفة الذكر، حيث ضاع الوطن ولا يمضي يوم واحد بدون عنف أو تقتيل…

إذا كانت العولمة، من حيث طبيعتها، تقتضي نهاية الدولة القطرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا…، فإنها لجأت مؤخراً إلى صنع تنظيمات تعتمد الإرهاب التكفيري وتستبيح حياة الآخر ومتاعه مستعملة التفجير والذبح، ما يخلق جروحا لا تندمل تزرع الأحقاد بين الطوائف والقبائل، فيتم تفجير الأوطان بسرعة، وهذا ما يؤكده ما يجري حاليا في ليبيا والعراق وسوريا….

لذلك، أصبحت دول الخليج وغيرها من البلدان التي يوجد أبناؤها في صفوف تنظيمات الإرهاب التكفيري ترغب في عودتهم إلى أوطانهم مخافة مما سيشكلونه من مخاطر عليها بعد عودتهم إليها. ويبدو لي أن كل البلدان التي يوجد أبناؤها في صفوف جماعات الإرهاب التكفيري قد تكون مرشحة لزلازل سياسية، لأنه يتم توظيف جزء من ابنائها في الشرق الأوسط لتفتيت العراق وسوريا…، وتدريبهم في الآن نفسه لتقويض أوطانهم الأصلية بعد عودتهم إليها، ما يعني أن القوى العظمى قد وضعت هذه البلدان على جدول أعمال الدول المستهدفة بالتفتيت.

وللتدليل على ما نقول، فقد ظهرت في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته وثائق تتضمن خطة إستراتيجية لدفع الأحداث في اتجاه تقسيم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى دويلات عبر تفكيك دولها من الداخل، وذلك تحت غطاء اقتتال الطواف والقبائل، أو عبر استخدام مسلحين يقومون بدور الوكلاء، أو بعمليات لا تُظهر واضعي المخطط والإستراتيجية في الصورة. ويقتضي نجاح هذه الخطة وجود زعامات محلية يمكن شراؤها، أو توريطها في التعامل مع الجهات الواضعة لمخطط التقسيم الذي أطلق عليه تارة اسم “الشرق الأوسط الكبير” وتارة أخرى اسم “الشرق الأوسط الجديد”… ومن الغريب أن هناك محاولات محلية لوضع هذه الخطة موضع تنفيذ في العراق، وسورية، وليبيا… من لدن منظمات الإرهاب التكفيري.

لقد مارس تنظيم الإرهاب التكفيري في العراق قتلاً عشوائياً لكل من يعارضه، ما يدفع بالأمور نحو تقسيم الدولة. وهو ما كانت قد أكدته خطط معارك هذا التنظيم المسلح في مختلف المناطق، والسعي لفصلها عن العراق، لتكون بعد ذلك نقطة انطلاق نحو مزيد من التفتيت في مناطق أخرى.

ولعل ما تقوم به جماعات “الإرهاب التكفيري” في سوريا والعراق وليبيا…، يمضي في الاتجاه نفسه القائم على فكرة هدم الدولة، عبر اقتطاع كل ما يستطيعُ هذا الإرهاب اقتطاعه من كيان الدول. فهذه التنظيمات يتدفق عليها التمويل من الخارج، والمقاتلون الأجانب، وهي تسعى لإشعال حروب أهلية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بهدف الوصول إلى تقسيم دولها وتفتيتها من داخلها. وتوجد فصائل عديدة تتبنى الفكر نفسه وتحمل اسم “جبهات” و”ألوية”، تتألف من قادمين من مصر وتونس وليبيا والمغرب، وكذا من مختلف تنظيمات الإسلام السياسي في بلدان أخرى.

هكذا تلاقت أفكار منظمات الإرهاب التكفيري التي انتشرت وتناسلت خلال السنوات الأخيرة، مع مخططات أجنبية. وجدير بالذكر أن إستراتيجية التقسيم آنفة الذكر لم تكن جديدة، بل الفكرة نفسها موثقة في الفكر الإستراتيجي لبعض واضعيها منذ منتصف الخمسينيات، لكن تنفيذها ظل ينتظر الفرصة الملائمة، فنجح الغرب اليوم في صنع وكلاء محليين مسلحين يتولون التنفيذ حسب نص الإستراتيجية التي وضعتها قوى خارجية عن المنطقة…

تعاني بلادنا من غياب الديمقراطية واستفحال الأزمة الاقتصادية وانحطاط التعليم وتفقير الفئات الوسطى وانسداد أي أفق أمام الشباب….، ما سيتسبب في فقدان الأمل لدى فئات واسعة منهم، ويساهم في تحوُّلهم تدريجيا إلى انتحاريين، ويدفعهم إلى الالتحاق بصفوف الإرهاب التكفيري. وفي ظل هذه الظروف، قامت السلطة والزعامات الحزبية بتدمير الحقل الحزبي، فأصبحنا بدون أحزاب، ولم تعد لنا مؤسسات فعلية، فضعفت جبهتنا الداخلية، وصرنا غير قادرين على مواجهة الأخطار المحدقة بوطننا، لأن مواجهة الإرهاب ليست أمنية فقط، بل إنها شأن مجتمعي أيضا، كما أنها تتطلب امتلاك إستراتيجية أمن قومي مدروسة ومتكاملة.

لقد سيَّست جماعات الإسلام السياسي الدينَ في بلادنا، وزايدت به على التنظيمات الأخرى بهدف الوصول إلى الحكومة، لكنها لم تكن تعي أن ما كانت تقوم به سينقلب ضدها، لأنها رفعت شعارات وردية، كان مؤكدا أنها لن تستطيع ترجمتها إلى واقع، لأنها لا تمتلك رؤية ولا مشروعا، ولا تستطيع القيام بأكثر من التنفيذ الحرفي لأوامر من جاؤوا بها إلى الحكومة، حيث تأكد بالملموس أنها تطبق أوامر صندوق النقد الدولي وترهن مستقبل الوطن بمراكمة الديون عليه، كما أنها خنقت الشعب المغربي اجتماعيا بعملها على مُفاقمة مشاكله الاجتماعية…، فتحولت هي ومن وراءها إلى عامل أساسي لزعزعة الاستقرار…

ونظرا لفشل حكومة جماعات الإسلام السياسي في المغرب في حل مشكلات البلاد، فقد ظهرت جماعات سلفية سياسية جديدة تكفر الجماعات الأولى نفسها، فتأكد أن جماعة الإسلام السياسي الحكومي لا تعرف طبيعة السياسة ولا الدين، ما يفسر عدم إدراكها أن كل من يزايد بالدين سيأتي مستقبلا من يستعمله ضده ليزيحه ويفنيه، وهو ما يتضح اليومَ مع ظهور جماعات سلفية جديدة تكفر “الإسلامويين الحكوميين” وتتوعدهم، من داخل صفوف تنظيماتهم وغيرها من التنظيمات “الإسلاموية” الأخرى. لقد تحول بلدنا أيضا إلى أرض خصبة للتكفيريين نتيجة تمسك السلطة بالهياكل الطائفية والقبلية ظنا منها أنها تساعدها على الاستمرار والاستقرار. لكنها أغفلت أن التشبث بالعصبيات والنزعات التقليدية هو ضد الوحدة الوطنية وضد المواطنة، إذ لا وحدة وطنية ولا استقرار بدون تحديث وبناء ديمقراطي. وما غاب عن السلطة أيضا هو أن بعض القوى العظمى تستغل هذه البنيات التقليدية المعيقة للوحدة الوطنية لتفجير الأوطان من داخلها.

إن هذه القوى العظمى تستغل معرفتها الأنثروبولوجية لتفجير الأوطان، حيث لا تتخذ أي قرار بشكل اعتباطي. أما السلطة عندنا، فلا يبدو أنها تبني قراراتها على هذا النوع من المعرفة، ما جعلها بدون إستراتيجية فعلية للأمن القومي.

لقد كانت السلطة هي أول من أثار النزعات الطائفية والقبلية وشجعها للوقوف في وجه التحديث حرصا على البقاء. لكن ما غاب عنها هو أن ما تفعله هو ترسيخ عوامل تشتغل ضد مفاهيم الوحدة الوطنية والدولة والمواطنة في آن واحد. إنها لا تعلم أن إثارتها لهذه النزعات قد تجعلها تتحول إلى حركات قد تستقل عنها وتتحول إلى حركات مجتمعية مناهضة لها، ما يفيد أن السلطة تشتغل ضد نفسها، ولا تعرف أين تكمن مصلحتها ومصلحة الوطن، ولا تعي طبيعة الأشياء التي توظفها، ولا تدرك خطورتها…