عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

22 غشت 2014

يُشكل الإنتاج الفكري للأستاذ عبد لله العروي مادة خصبة تغطي مجالات مختلفة، وحقولا معرفية متشعبة من فلسفة، وفلسفة سياسية، وعلم كلام، وتاريخ، واجتماع، واقتصاد، وآداب، وفنون. وما يميِّز هذا الإنتاج الغزير والموصول منذ أزيد من نصف قرن هو انسجام مضامينه العلمية وأهدافه البحثية، بالرغم من تعدد المقاربات والأدوات الإجرائية وتنوع الأشكال التعبيرية. ومن ثمة فإن القارئ بقدر ما يجد في قول العروي أجوبة شافية وشاملة لمعظم القضايا التي تهم المجتمعات العربية بصفة عامة، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، بقدر ما يكون من الصعب عليه (=القارئ)، إن لم يكن من ذوي الاختصاص والدراية استيعاب جوهر القول، في منطوقه ومفهومه، وإدراك المرامي المعرفية التي يتقصَّدها، البعيدة منها والآنية، الظاهر منها والثاوي في ثنايا التحليل. قول العروي قول دقيق وعميق، ليس حمَّال أوجُه سوى بالنسبة إلى من يكتفي بالجزء ويترك الكلَّ، يسْتلُّ العبارة من بنيتها العامة ومن سياقها التحليلي المتدرِّج ويتيه في التأويل.
في هذا العدد الخاص من مجلة “النهضة”، محاولة للإبحار في نص العروي، من زواياه المختلفة، وللغوص في سجلِّ المفاهيم المؤسِّسة للمشروع الفكري الذي يعِزُّ له نظير في الفكر العربي المعاصر، من حيث موسوعية المبنى وصدقية المعنى وصرامة المنهج. تحتلُّ منظومة المفاهيم حيِّزا معتبرا من القراءات التي يتضمنها العدد، وعلى رأسها يأتي مفهوم العقل (عبد الإله بلقزيز، أنطوان سيف، الفضل شلق، محمد نورالدين أفاية)، يليه مفهوم التاريخ (محمد المصباحي، عبدالمجيد القدوري)، والإيديولوجيا (محمد سبيلا)، ومفهوم الدولة (نبيل فازيو، يونس رزين)، ومفهوم الحرية (الفضل شلق، محمد نورالدين أفاية). يحتوي العدد، أيضا، على قراءة في بعض المؤلفات المتعلقة بالمشهد السياسي الوطني (العربي مفضال)،كما نقرأ فيه محاولة في تصنيف المصادر الفكرية (محمد الشيخ)، ومساءلة للثقافة في عصر المعلومات (عبدالنبي رجواني).
كل المفاهيم التي نحتها عبدالله العروي بأناة وبإحكام شديد تجدُ في الإيديولوجيا العربية المعاصرة أصولها ومقدِّماتها، كما تكشف عن ذلك “التوطئة” التي تتصدر الحوار الفكري الذي خص به “النهضة”. توطئة تنضو الغموض عن الخيوط الرفيعة التي تربط بين المستويات المختلفة للمنظومة الفكرية، النظرية (المفاهيم) منها والإجرائية (الخواطر) والتعبيرية (الروايات)، وتمدُّنا بالكيفيات التي تساعدنا على الاستيعاب.
في المقالات التي يحويها العدد، والتي هي غيضٌ من فيض، قراءة في المنطوق وفي المفهوم، في البعض وفي الكُلِّ. مداخل معرفية متنوعة تُفضي إلى معمار فكري واحد، تفصيلات في قول جامع، هوامش وحواشي على المتن السهل الممتنع، الذي فيه الصريح وفيه المضمر.
لم تكن الغاية من إنجاز هذا العدد هي الإحاطة بجميع الأبعاد التي يكتسيها الإنتاج الفكري الوفير والخصب للأستاذ عبد الله العروي. فالأمر يكاد أن يكون مستحيلا في الحدود الذاتية والموضوعية للمجلة. إنه بالأحرى استئناف لمهمة القراءة المتأنية والهادفة في الإنتاج المتناسل والمتجدد باستمرار، ومواصلة الإنصات لخطاب العقل، ولكمة الفكر التي ما تنفك تلتمس الآذان الصاغية.
قول/ في فرضية العقل الاقتصادي المطلق. في مؤلف مفهوم العقل فصول متميزة عن الوضعية الإبستيمية للعقل أو العقلانية في النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، وبالأخص عند آدام سميث الذي يعتبر المؤسس للاقتصاد السياسي، في أواخر القرن الثامن عشر، والمنظر غير المسبوق لقوانين السوق ولقواعد الليبرالية. يؤكد آدام سميث، كما هو معروف، على دور المنفعة المادية والمصلحة الذاتية في موضعة العلاقة التبادلية، وفي عقلنة آليات اشتغال الأسواق وانتظام المعاملات. بل إنه يرى في المنفعة، ميتافورياً، تلك “اليد الخفيَّة” التي تقود إلى التوازن، أي إلى الوضعية الأفضل بالنسبة إلى الأفراد، ومن ثمة إلى المجتمعات. هذه المقاربة الإجمالية التي لا تفصل بين الميكرواقتصادي (الوحدي) والماكرواقتصادي (الكُلِّي) هي ما سوف تعرف، على يد التقليديين الجدد، انزياحاً نحو المقاربة الحدية التي تجعل من المنفعة الفردية، ومن العقلانية التي يتمتع بها الكائن الاقتصادي (Homo oeconomicus)، شرط كفاية لتحصيل حاصل المصلحة العامة، ولإحداث التوازن الكلي
تحريجة/ في أن العقل الاقتصادي محدود ومقيد. سوف يشهد هذا الانحياز النظري إلى فرضية “العقلانية المطلقة” سعياً إلى تخليص الفعل الاقتصادي من محدِّداتة غير العقلانية، الذاتية والنفسية، ونزوعاً نحو فصل الاقتصاد عن السياسة لكي يُمسي اقتصاداً محْضاً وخالصاً مثله مثل جميع العلوم الدقيقة وعلى رأسها علوم الفيزياء. وإذا كان لهذا النزوع العلموي نتائجه الجمة على مستوى تطوير أدوات القياس العددي والنمذجة الرياضية، فإنه، في المقابل، لم يعد قادرا على الإمساك بالسلوكات غير النمطية، أوغير العقلانية، للفاعلين، وعلى التوقُّع والتحسُّب واستباق الأزمات الكبرى، ومنها أزمة 1929 التي كادت تعصف بالرأسمالية عصفاً. هذا الواقع هو ما سوف يأخذه بعين الاعتبار، في الثلاثينات من القرن الماضي، الاقتصاد المؤسَّساتي الذي يعتمد إجرائية العقلانية المُقيَّدة عوض المطْلقة، لكي يستعيد بذلك الاقتصاد بنيته الإبستيمية الأصلية، التي لا يخلو فيها طلب المنفعة من صراع ، والتي تتدافع فيها السلوكات العقلانية مع السلوكات اللاعقلانية في دورات متعاقبة من الأزمة والتوازن.
التَّحريجة هذه نستخلصها من منطوق مفهوم العقل لعبدالله العروي الذي يأخذ بعين الاعتبار، من هذا المنظور بالذات الذي يتقاسمه مع ابن خلدون ، مبدأ “العقل العملي” والممارسات المعقولة، لإدراك التفاعل الذي يسم العلاقات الفردية والاجتماعية في العالم العربي، والآثار البنيوية الناجمة عنها بالنسبة إلى التنمية. العقل المقيَّد بالدور المنوط بالدولة بلغة العروي، وب”المعمار المؤسسي”، أو “البنية الموضوعة” (Structure artefactuelle) بمفردات الاقتصاد المؤسسي، الشكلية وغير الشكلية، في إعادة إنتاج شروط التنظيم والتدبير، وفي عقلنة المعاملات والمبادلات، والتخفيض من إجمالي الكُلفة.
قول/ في أن التاريخانية هي الواقعية. عندما صدرت الإيديولوجيا العربية المعاصرة في بداية السبعينيات كان اليسار الجديد قيد التشكُّل على امتداد الخارطة العربية، كما كان بصدد البحث عن موارد فكرية جديدة من شأنها أن تساعد على فهم ما جرى، وعلى استيعاب الآثار المدمرة التي خلفتها النكسة (نكسة 1967). وفيما يخص المغرب على الخصوص، وجد اليسار الجديد ضالته في الأسباب التي عالجها الكتاب بدقة متناهية، والتي تكمن، بالأساس، في “الوعي المتأخر” الضاربة جذوره في الإيديولوجيا العربية منذ عصر النهضة على الأقل. هذا الوعي المتأخر ما ينفك إلى اليوم يطبع السلوكات والمعاملات وأنماط التفكير والتدبير. هل اليسار الجديد، الذي استوحى أرضيته الفكرية وبوصلته السياسية وشعار “دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع” من نقد الإيديولوجيا، الذي تضمنه كتاب الإيديولوجيا العربية المعاصرة، أقول هل اليسار الجديد أخفق في العبور بالتاريخانية من صيغتها الفكرية إلى مجال الترجمة السياسية والإنجاز العملي؟ أم أن البيئة الحاضنة تحتاج إلى تضافر الإرادة والجهود، إرادة الدولة بكافة أركانها، وجهود المجتمع برمته، طبقاته الشعبية ونُخبه؟ هل تكمن المعضلة في الوعي بالتأخر أم أن المسألة مسألة فهم وإدراك للأسباب التاريخية واستنبات وتوليد لشروط التجاوز والنهوض؟ هل التاريخانية هي المنهج؟ يقول العروي في الحوار الذي نقرؤه في هذا العدد من المجلة : “من العبث مقابلة التاريخانية بمناهج أخرى مثل التفكيكية أو البنيوية مثلا. هل أنصار التفكيكية وضعوا نهجا لفهم السياسة؟ كل منهاج صالح لمجال معرفي خاص به”. ليس من باب الصدفة أن يتصدَّر المنهج التاريخاني دفَّتي كتاب مفهوم التاريخ وكتاب مفهوم العقل، ذلك أن المجال السياسي هو المجال الخاص به. يلتقي العروي مع كل من ميكيافيلي وابن خلدون في مقاربة آليات اشتغال السياسة. ليست الأخلاق هي السمة الفارقة، بل المنفعة والمصلحة هي المحدد في آخر التحليل. مخطئ إذن من يمارس السياسة بعيدا عن قواعد العقل. “السياسة العقليّة” (ابن خلدون)، بتوسُّلها المنهج التاريخاني، هي التمييز “باستمرار بين الوعي بالواقع وتخيُّل البديل”، “البديل المحبَّب”. (أنظر العروي في هذا العدد). ” الواقع لا يُغيَّر بالتخيُّل. لا سلطان للخيال الصرف على السياسة. الواقع يُغيَّر بالواقعية. هذا هو درس التاريخانية لمن يفهمها على وجهها” (ن. م.).
هل بمقدور اليسار، الغارق في الإيديولوجيا، أن يُدرك أن محدودية المجتمع تُحتِّم عليه أن يجترح الفعل الموضوعي، لا الإسم الذاتي، وأن يُسجِّل الممارسة السياسية باعتبار شروط العمل المقيَّد، لا المطلق، العمل المحدود بالتبعية للمسار، وبكوابح الواقع، والمحدود أيضا بقصور الفاعل أمام الأنساق التقليدية والثابتة. ذلك أن “التفكير في التخلف والإصلاح يؤدي إلى فهم “حقيقة” التاريخ، وهذه ترادف معنى الماركسية الموضوعية” التي هي، في الجوهر، “وضعية تُشاهَد وتوصَف” لا “موضوعة تُناقش”. من ثمة، لا ينبغي النظر إلى التاريخانية “كأيديولوجيا بديلة، بل كوسيلة للتخلص من كل أنواع الأيديولوجيا، وللالتصاق بالواقع لنضمن بعض النجاح لما نقدم عليه من تدبير”.
تحريجة/ في نقد الإيديولوجيا. الموضوعية “وضعية تشاهد وتوصف”، يقول العروي. القول يستدعي، قبل الفعل، إعمال الفكر. هذا صحيح إلى حدٍّ بعيد، إذ لاممارسة بدون نظرية، كما هو معهود في الأدبيات الماركسية. المشاهدة والوصف والتحليل، آليات منهجية وإجرائية تُعبِّد الطريق نحو الفهم والوعي، تساعد على تعبئة العمل بموارد العلم، لا الإيديولوجيا. هل معنى هذا أن الإيديولوجيا مرآة تعكس وضعية مُزيَّفة، وضعية ليست هي الوضعية، ومن ثمة يحسن الهروب منها لكي يصفو النظر وتتبيَّن الروؤية؟ ليس الظنُّ أن هذا هو القصد من قول العروي في نقد الإيديولوجيا. تتوزَّع النظرية الاقتصادية، منذ نشأتها، بين تيارين مختلفين، بل ومتناقضين حول العديد من المواضيع: تيار أورثوذوكسي، وهو السائد، يؤمن باقتصاد السوق والعرض وبالليبرالية؛ وتيار هيثوروذوكسي، يدعو عكس الأول إلى اقتصاد الطلب، وإلى تدخل الدولة لضبط الأسواق وإعادة التوزيع. أين الإيديولوجيا وأين الموضوعية؟ من الصعب الحسم بدون السقوط في الإيديولوجيا. تحريجة ثانية تتعلق بالجانب الإنجازي (performatif) للإيديولوجيا. العولمة وضعية تُشاهد وتوصَف، وهي أيضا تُسوَّق بالإيديولوجا وهو ما لا يَقلُّ نجاعة.
قول/في أن الحداثة حالة قائمة. في الحوار المنشور في هذا العدد الخاص يقول عبدالله العروي : “التاريخانية هي منهج الحداثة”. ومنذ سنوات ألقى محاضرة تحت عنوان “عوائق التحديث”. إذا أمْكنَنا أن نختزل، والاختزال في فكر عبدلله العروي جريرة منهجية، فإننا قد نقول إن فرضية الحداثة هي الفرضية الحاضرة، بالقوة وبالعبارة، في جميع مؤلفاته. الحداثة ك”واقع معيش”، وك”حالة قائمة”، لا ك”مقولة”. الكلُّ يتكلم الآن عن الحداثة، يعارضها البعض لفظيّاً، ويتغنَّى بها البعض الآخر لفظيّاً أيضا. وحتى لا يغمُر الهذر المتنافر العقل لا مناص من العودة، مرة أخرى، إلى مصنَّفات العروي لتستقيم الرؤية. ولعل الحاجة إلى فصل القول في مؤلف خاص يُفرده المفكر عبد لله العروي للموضوع أمست لا تعدم أسباباً معقولة.