23 غشت2014

انتصرت القيم والمبادئ الإنسانية التي أرستها شعوب العالم بعد المآسي والويلات التي سببتها الحرب العالمية الثانية وتجسدت في العديد من العهود والمواثيق والاتفاقات الدولية.

وانتصر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للشعب الفلسطيني بالموافقة على تقرير غولدستون، الذي يتضمن اتهام “اسرائيل” بارتكاب بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الهولوكوست على غزة

وصوتت 25 دولة بالموافقة على التقرير، وعارضته ست دول، منها خمس دول أوروبية والدولة السادسة هي الولايات المتحدة الأميركية، والشريك والحليف الاستراتيجي للعدو الصهيوني في حروبه على فلسطين وبقية البلدان العربية. وامتنعت 16 دولة عن التصويت من بينها فرنسا وبريطانيا.

وأوضح القاضي غولدستون أن اللجنة استعانت في تحقيقاتها بأشرطة وثائقية وصور بالأقمار الصناعية. وبعد منع “إسرائيل” اللجنة من زيارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها المباشرة، استمعت لشهادات مع إسرائيليين عبر الهاتف وقال: “الدلائل واضحة كما شوهدت على الأرض، هنالك سياسات متعمدة وعمليات عسكرية اتبعت عن قصد، كقصف مسجد إبراهيم المقاومة” ونفى أن يكون في المسجد أي مسلحين او أسلحة، لانه لم تحدث أي انفجارات بعد القصف الذي راح فيه عدد كبير من الضحايا وهم يصلون.

وقال إن بإمكان “إسرائيل” قصف المسجد خارج ساعات الصلاة اذا كانت تقصد تدمير الاسلحة فقط.

وصوتت لصالح القرار. جميع دول أمريكا اللاتينية الأعضاء في المجلس وهي: كوبا، نيكاراغوا، البرازيل، الأرجنتين، تشيلي وبوليفيا.

شكرا وألف شكر للدول اللاتينية، والخزي والعار لازدواجية المعايير لدول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الذين يتشدقون بحقوق الإنسان وينحازون انحيازا أعمى لمجرمي الحرب الإسرائيليين.

التقرير ضربة مؤلمة للكيان الصهيوني، لانه يؤكد انتهاك الجيش الإسرائيلي للقانون الدولي الإنساني وارتكابه جرائم حرب، وذلك لأول مرة في تاريخه.

تطرق التقرير إلى العقوبات الجماعية المحرمة دوليا على غزة وإغلاق المعابر بما فيها معبر رفح، مؤكدا ان الحصار الجائر منع دخول البضائع، وقطع إمدادات الوقود والكهرباء.

وأدى الحصار إلى تدهور الاوضاع الاقتصادية الصحية والتعليمية، وانقطاع المياه والخدمات الأخرى.

ويذكر ان “إسرائيل” شنت عدة هجمات على مبان وأفراد، وقتلت عددا كبيرا من المدنيين. وقصفت مبنى المجلس التشريعي، والسجن المركزي في غزة، وان لجنة تقصي الحقائق ترفض الموقف الإسرائيلي الذي يرى في هذه المنشات جزءً من البنية التحتية لحماس.

وأشار التقرير إلى القصف الإسرائيلي لمراكز الشرطة التي أدت إلى استشهاد 240 شرطيا، وقال ان قصفهم ينتهك القانون الإنساني الدولي.

وبرأ التقرير حركات المقاومة من مزاعم (أكاذيب) إسرائيلية حول اتخاذ المدنيين دروعا بشرية، وأكد أن اللجنة لم تجد دليلا على مزاعم بان المقاتلين شنوا هجمات من المستشفيات، أو أنهم اتخذوا سيارات الإسعاف وسائل لنقل المقاتلين، كما أكد عدم لجوء المقاتلين للاختباء في مقرات الأمم المتحدة في غزة أثناء العمليات العسكرية.

وأشارا التقرير إلى القصف الإسرائيلي إلى مقر وكالة غوث اللاجئين، ما ينتهك القانون الدولي.

وانتقد التقرير الهجوم الإسرائيلي على مستشفى الشفاء، واستخدام قنابل الفسفور الأبيض، والقذائف المسمارية، واشار التقرير الى تقارير عن اطباء فلسطينيين واجانب تقول ان الجيش الإسرائيلي استخدم قنابل “دايم” ضد المدنيين وهي محظور استخدامها في القانون الدولي.

وتطرق الى هجمات الجيش الإسرائيلي على مرافق الحياة المدنية في قطاع غزة كتدمير البنية الصناعية، والإنتاج الغذائي، ومنشات المياه ومعالجة الصرف الصحي والسكن، وهو ما يشكل انتهاكا للقانون الدولي؛ ويمكن أن يشكل جريمة حرب بحسب التقرير.

لقد رفضت “إسرائيل” منذ البداية السماح للجنة تقصي الحقائق الدولية بالتحقيق، ورفضت التقرير، كما رفضت المحاولات السابقة للتحقيق في سلوكها ومحاسبتها تطبيقا لمبادئ القانون الدولي الإنساني.

واعتبرت التقرير بعنجية ووقاحة منقطعة النظير غير منصف وغير متوازن ومتحيز.

كانت الولايات المتحدة ولاتزال تدعم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وضد السلام التي ترتكبها “إسرائيل” بأكذوبة الدفاع عن النفس، للحيلولة دون محاكمة قادتها كمجرمي حرب أسوة بمجرمي الحرب النازيين و بقية مجرمي الحرب في كل زمان ومكان. ونجحت في ان تجعل قادة “إسرائيل” يفلتون من العقاب، لذلك وعدت هيلاري كلينتون “إسرائيل” باستخدام الفيتو لمنع محاكمتها.

لقد انهارت ألمانيا النازية في السابع من أيار 1945، وخلّدت اليهودية العالمية عقدة الذنب لدى الشعب الألماني، وخلدت أيضا في الأمم المتحدة وفي جميع بلدان العالم وجوب عدم نسيان جرائم النازية ضد اليهود. وشطبت على جرائم الحرب النازية ضد الشعوب والأمم الأوروبية. وقبضت الأموال والأسلحة الهائلة التي لا مثيل لها في العلاقات الدولية كتعويضات ألمانية عن ضحايا النازية. واستغلت جرائم وأموال ألمانيا النازية وألمانيا الاتحادية ومعزوفة الهولوكوست واللاسامية لتهجير يهود أوروبا الى فلسطين، وتشريد شعبها وإقامة “إسرائيل”.

وتستغلها اليوم لتبرير الهولوكوست الاسرائيلي على شعبنا في قطاع غزة. وتطارد من تبقى من النازيين لمحاكمتهم في تل أبيب او في بلدانهم.

ان من الطبيعي ان يأخذ تقرير غولدستون مجراه في مجلس حقوق الانسان، وهذا ما حدث بالفعل.

ويأخذ مجراه بعد ذلك في الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس الامن، وبعدها في المحكمة الجنائية الدولية، وفي المحاكم الوطنية لمحاكمة قادة العدو، وعزل “إسرائيل” وطردها من الأمم المتحدة تماما كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وصولا الى تفكيك الكيان الصهيوني ككيان إرهابي وعنصري وآخر نظام استعمار استيطاني في العالم

ان تقرير غولدستون انجاز كبير للشعب الفلسطيني، وفرصة فريدة لادانة “اسرائيل”، لذلك كان التاجيل يخدم مصلحة العدو الإسرائيلي

ان طلب السلطة الفلسطينية تأجيل التصويت على تقرير غولدستون، يعبر تعبيرا واضحا عن النهج الذي تسلكه السلطة الفلسطينية، على الرغم من انه لم توجد حركة تحرر وطني في العالم قامت بتبرئة جلاد شعبها كما فعلت السلطة الفلسطينية

لقد حاولت السلطة التفريط بضحايا الهولوكوست على غزة والدمار الهائل الذي خلفه على المنازل والبنى التحتية والمرافق الحيوية، بسبب تبعيتها للادارة الاميركية ودولارات الدول المانحة، وذلك بمحاولة وأد التقرير الذي انتصر للعدالة و للقانون الدولي. واعتبرت الاوساط الفلسطينية ان التاجيل خطيئة وطنية وسياسية واخلاقية، وصدمة كبرى للشعب ولعائلات الضحايا، ولا يمكن تبريرها بحجج واهية ولجنة تحقيق صورية.

وتصاعد الغليان الشعبي في الضفة والقطاع والمخيمات، مما اجبر السلطة على عرض التقرير مجددا على مجلس حقوق الإنسان والتصويت عليه.

ان “إسرائيل منذ تأسيسها وحتى اليوم تنتهك القواعد الملزمة في القانون الدولي واهم العهود والمواثيق الدولية لتهجير اليهود الى فلسطين وتهويدها وترحيل شعبها، وكسر إرادته والإرادات العربية واقامة “اسرائيل” العظمى الاقتصادية من خلال مشروع الشرق الاوسط الجديد، والهيمنة على النفط وممراته وأسواقه وأمواله وعلى الثروات الطبيعية في البلدان العربية.

لذلك يتعرض شعبنا الفلسطيني باستمرار الى الإبادة الجماعية (الهولوكوست) والإرهاب والعنصرية والاستعمار الاستيطاني والترحيل والعقوبات الجماعية لمسحه من الوجود بالترحيل والتوطين والتشريد والوطن البديل والملاحقة الدائمة في أصقاع الدنيا كافة.

يقضي القانون الدولي ومبادئ واهداف وقرارات الشرعية الدولية بوجوب الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي الفلسطينية و العربية المحتلة، ومعاقبة “إسرائيل” المعتدية على حروبها العدوانية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وإلزامها بدفع التعويضات عن الخسائر التي حلت بالشعوب والبلدان العربية.

وينص القانون الدولي والمواثيق التي وافقت عليها عصبة الأمم والأمم المتحدة على معاقبة مجرمي الحرب على الجرائم التي ارتكبوها في أعقاب الحربين العالميتين الاولى والثانية، وذلك في معاهدة فرساي وفي معاهدة بوتسدام ونظام محكمة نورنبيرغ الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين.

تذرع النازيون بعدم وجود معاهدات ومواثيق دولية تحظر وتعاقب على ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان، وتمنع استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، وتحافظ على سلامة المدنيين وممتلكاتهم.

فبماذا يتذرع قادة “إسرائيل” وهم أسوء واخطر من قادة ألمانيا النازية وأكثر منهم عنجهية وصلفا ووقاحة؟ وخاصة بعد تأسيس الأمم المتحدة، والموافقة على العهد الدولي لتحريم الإبادة الجماعية (جينوسايد)، والاعلان العالمي لحقوق الانسان واتفاقيات جنيف الاربعة لعام 1949؟.

وهكذا خطت البشرية في اعقاب الحرب العالمية الثانية خطوات هائلة في مجال حقوق الانسان، وحماية المدنيين خلال الحروب والنزاعات المسلحة، وعدم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، ومحاكمة مجرمي الحرب على الجرائم التي ارتكبوها ضد الإنسانية وضد السلام.

وكانت اولى هذه الخطوات الهامة محكمة نورنبيرغ والإقرار بنظام المحكمة كجزء من القانون الدولي وعدم سريان تقادم الزمن على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وجاء تأسيس المحكمة الجنائية الدولية في روما لتعزيز هذا الاتجاه وحددت المادة الخامسة من نظام المحكمة الاختصاصات التي تتعلق بعملها وهي:-

أولا: جرائم الإبادة الجماعية.

ثانيا: الجرائم ضد الإنسانية.

ثالثا: جرائم الحرب.

رابعا: جريمة العدوان.

وتتجسد جميع هذه الجرائم في ممارسات قادة “إسرائيل”، والذين لا يريدون السلام، وإنما الأرض والمقدسات العربية، والتطبيع، واستسلام العرب وخضوعهم للمشروع الصهيوني.

لذلك يجب تقديمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية كمجرمي حرب أسوة بمجرمي الحرب النازيين وتطبيقا لتقرير غولدستون الذي وافق عليه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف.

المطلوب: العمل ليل نهار تطبيقا لتقرير غولدستون لمعاقبة قادة الكيان الصهيوني وفي مقدمتهم اولمرت وليفني وباراك كمجرمي حرب، ورفع قضايا أيضا امام المحاكم الوطنية في كل بلد من بلدان العالم ضد كل من خطط أو نفذ أو اشترك في الهولوكوست على شعبنا في قطاع غزة، خشية أن يلاقي قرار مجلس حقوق الإنسان نفس المصير الذي لاقاه قرار الأمم المتحدة رقم 3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية: وهو الإلغاء.