دول الخليج .. الاستعمار المعاصر لعالمنا العربي

 بقلم د.عدنان عويّد

مع حدوث الطفرة النفطية في عالمنا العربي منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي, سيطرت قوى اجتماعية متخلفة في علاقاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, على دول تطغوا على بحر من النفط والغاز, حيث كانت ولم تزل هذه القوى تحمل عقلية وثقافة البداوة بكل تجلياتها. وهي القوى ذاتها التي راحت تتشكل دولها لاحقاً بمفهوم عقلية (داحس والغبراء), الأمر الذي أضفى على هذه الدول صفة (دول الغنيمة). والقضية المؤسفة والمحزنة معاً هنا, أن هذه الثروة النفطية الهائلة لم تستطع منذ البداية أن تمنح هذه الدول استقلالية قرارها الاقتصادي والسياسي بسبب سيطرة الشركات النفطية على هذه القرار, وبالتالي توجه هذه السياسة إلى ما يخدم مصالح أصحاب هذه الشركات أكثر من مصالح شعوب هذه الدول ذاتها.
إن التدفق الهائل للثروات النفطية في دول الخليج, لم يجد المجال الحيوي لاستثماره عقلانياً داخل مجتمعات هذه الدول من قبل شعوبها بسبب انتشار الجهل والأمية والتخلف وغياب كل مقومات الاستثمار الفني والمهني والإداري في بنية مجتمعات هذه الدول التي تَشَكَلَ بعضها في سبعينيات القرن الماضي, وهذا ماساهم في استثمار قسم من هذه الثروة الهائلة في مجالات البناء وقطاع الخدمات والترف الشخصي, وما تبقى من هذه الثروة (وهو الأكثر حجماً) عاد مرة أخرى إلى أوربا وأمريكا ليعمل في مصانعها ومؤسساتها الصناعية والتجارية والسياحية والبنكية برغبة أمراء الخليج, الأمر الذي أفقد هؤلاء الأمراء التحكم في سير نشاطه أو حتى سحبه من أماكن نشاطه هناك إذا ما فكروا بذلك. هذا مع تأكيدنا أن بعض الصناعات ذات اللمسات الأخيرة الخاصة بالاستخدام المنزلي راحت تظهر في بعض هذه الدول منذ العقد الأخير للقرن الماضي.
إن تحكم أمراء الخليج بهذه الثروة, أو ما يصل إلى أيديهم منها, قد وظفوا قسماً منه محلياً وعربياً في مجالات تخدم مصالحهم ومصالح أسيادهم في الغرب وأمريكا, إن كان في مجال الثقافة والإعلام, عبر تغذية الفكر الرجعي الذي يحافظ على استمرار وجودهم في السلطة, حيث راحت وسائل إعلامهم وكل مؤسساتهم الثقافية والفكرية تعمل على تسويق عقلية البداوة وقيمها الأخلاقية وبناها الفكرية, كما هو الحال في المسلسلات البدوية التي سَخرت لها خيرة فناني الوطن العربي, أم على مستوى المؤسسات الثقافية الأخرى التي راح قسم منها يعمل على نشر الفكر الليبرالي بعد أن أفرغ من مضامينه السياسية وما يتعلق بهذه المضامين من قضايا الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة وحرية رأي والتعددية سياسية وغير ذلك, وما تبقى من هذه المؤسسات فقد وظف لنشر وتعميم الفكر السلفي عموما, والوهابي والإخواني منه على وجه الخصوص, مسخرين للاتجاهين خيرة الكتاب والمفكرين ورجال الدين العرب أيضاً, الذين غير الكثير منهم قناعاته الدينية والفكرية أمام إغراء البترو دولار.
من خلال هذا التوظيف للفكر البدوي المتخلف والديني المفوّت حضارياً بشقيه الوهابي والإخواني, الذي أخذ يوظف توظيفاً ممنهجا, عبر حَمَلَتِهِ الاجتماعيين, بدأت محاربة كل الفكر العقلاني والتنويري في الساحتين الخليجية والعربية معاً, يساعدها في تطبيق هذه السياسة وتعميمها أيضاً بشكل مباشر أو غير مباشر, بقية الأنظمة العربية بعد أن لمست تأثير هذا الفكر على عقلية مواطنيها وتخديرهم, بالرغم من أن هذه السياسة الفكرية انعكست سلباً على حياة واستقرار حياة شعوب هذه الدول بعد أن استخدمتها دول الخليج الاستخدام الأمثل (وبخاصة الدينية) من أجل إسقاط الأنظمة العربية التقدمية التي وجد أمراء الخليج أنها تعمل خارج مصالحهم, كما سنوضح ذلك بعد قليل.
نعم إن سياسة البترو دولار الخليجي هذه, وبخاصة السياسة الطائفية التي بدأت تروج لها إعلامياً وثقافياً منذ عقود, أخذت تظهر اشكالياتها واضحة أمام شعوبها من جهة, كون أكثرهم لا ينتمون مذهبياً لمذهب الطبقة الحاكمة,(البحرين اليوم أنموذجاً), ثم مع بقية دول الوطن العربي من جهة ثانية, كما نشاهد من مآسي بإسم الدين على أرضي سورية والعراق ومصر وليبيا ولبنان,.
إن أمراء الخليج بعد أن عجزوا عن توظيف الكثير من رؤوس الأموال النفطية الطائلة في دولهم وتحقيق التنمية بمفهومها العقلاني لشعوب دولهم كما أشرنا في موقع سابق, وهذا بقناعتي جاء برضى منهم أيضاً حتى يبقوا وحدهم مسيطرين على السلطة والثروة, للأسباب التي أشرنا إليها أعلاه, راحت عقليتهم البدوية تزحف كالنار في الهشيم في ساحات الوطن العربي الفكرية أولاً, والترفيهية ثانياً, وبخاصة عند من حصل على فرصة عمل من أبناء بقية الأقطار العربية في دول الخليج, حيث أن الكثير من هؤلاء بعد عودتهم إلى أوطانهم وظفوا ما حصلوا عليه من أموال في بناء قصور, أو شراء سيارة فارهة آو توظيف قسم من أموالهم في بعض المشاريع الصناعية الاستهلاكية والخدمية الصغيرة, وغالباً ما وظفت أموال العمالة للعائدين من هؤلاء في المصالح العقارية واقتصاد السوق الصغير جداً. الأمر الذي ساهم في ارتفاع أسعار العقارات والمحلات وبدل الإيجار, وهذه كلها تركت أثارها السلبية المباشرة على حياة بقية المواطنين في هذه الدول الفقيرة وأدخلتها في أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية (فكرية), حيث كنا نجد على المستوى الفكري, أن الكثير ممن راح يعمل في السعودية مثلاً يعود إلى الوطن وقد ربى دقنه وحف شاربه وارتدى (الكلابية) القصيرة وحمل المسواك وقارورة العطر الصوفي في جيبه.
مع حدوث هذه الفوارق والهزات الاجتماعية بسبب تدفق بترودولار العمالة الخليجية على بقية دول الوطن العربي من جهة, ثم بسبب حدوث ذاك التفاوت الهائل في الثروة بين دول الخليج نفسها وبقية الدول العربية, أصبح العديد من الحكومات العربية بحاجة لمساعدة وكسب رضى أمراء الخليج, إن كان لجهة فتح باب العمالة لمواطني هذه الدول داخل دول الخليج من أجل تدفق بترو دولار العمالة الخليجية إلى دولها, أو لجهة الحصول على قروض ومساعدات مالية ترفع من ميزانياتها أو تسد بعض حاجات التنمية غير المستدامة عندها في طبيعة الحال. إن كل ذلك أعطى دول الخليج تلك السطوة المادية والمعنوية على سياسات العديد من الدول العربية, وبالتالي قدرتهم على اختراق هذه الدول وتنفيذ سياسات الغرب وأمريكا وحتى الكيان الصهيوني داخلها.
من هذا المنطلق جاءت محاربة السعودية مثلاً, وهي منذ بداية تأسيسها رأس حربة هذه الدول ضد الأنظمة العربية التي لا تتفق مع توجهاتها السياسية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي وقفت السعودية ضد حركات التحرر العربية والأنظمة الراعية لها في الساحة العربية. كما جرى في العراق وسورية في فترة الخمسينيات, وفي الستينيات في مصر (عبد الناصر) واليمن, وكذلك تآمر كل دول الخليج على إسقاط نظام العراق السابق (بغض النظر هنا عن موقفنا تجاه سياساته الداخلية ضد الشعب العراقي), وأخيراً تجلى دور هذه الدول الخليجية التآمري بشكل واضح في سيطرتها على الجامعة العربية منذ قيام ما سمي بالربيع العربي, والتحكم بقراراتها, بل راحت تسخر قراراتها بالتعاون مع سادة أمرائها في الغرب وأمريكا والكيان الصهيوني لإسقاط ما تبقى من دول وقوى لم تزل تشكل عقبة أمام مصالحهم جميعا, كما جرى في ليبيا وسورية والعراق ولبنان, مستخدمين حصان طروادة الذي اشتغلوا عليه عشرات السنين, وهو الفكر الديني السلفي بشقيه الوهابي والإخواني, عبر تأجيج البعد الطائفي.
أمام كل ما جئنا عليه يتبين لنا وبكل وضوح أننا اليوم أمام شكل آخر من الاستعمار يمارس علينا, وهو استعمار دول الخليج. فإذا كان الغرب وأمريكا يسعون دائماً إلى تقسيم الوطن العربي إلى كنتونات لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد, فإن دول الخليج تساهم اليوم عبر البترودولار على دعم كل القوى الانفصالية داخل دول الوطن العربي من أجل تحقيق هذه التجزئة, في مصر وسورية والعراق وليبيا. وإذا كان الاستعمار قد شجع عبر تاريخ استعماره على قيام وانتشار الفرق الدينية الصوفية الطرقيّة وكل الفكر الغيبي ألامتثالي, ومحاربة كل الفكر التنوير العقلاني, فها هي دول الخليج تمارس السياسة ذاتها عبر تشجيعها للفكر السلفي الوهابي الديني وثقافة البداوة والعقلية المملوكية.
نعم إنه استعمار دول الخليج المعاصر لعالمنا العربي الذي يهدف إلى تفتيتنا وتحويل دولنا إلى كنتونات تخدم سياسة السوق الشرق الأوسط الجديد, الذي راح يشكل أمراء الخليج أحد قادته اليوم بعد أن التحم الرأسمال الخليجي بالرأسمال العالمي الاحتكاري العالمي. بينما المستفيد الوحيد من كل ذلك هو دولة الكيان الصهيوني والغرب وأمريكا وأخيراً أمراء الخليج.. إنها مؤامرة لإخراجنا من التاريخ.

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر

24 غشت 2014