التجربة الفلسفية بين النقد والتأسيس

عن موقع التجديد العربي

مدخل عام

 

يبدو أن صاحب الظن “الفيلو دوكس” لا يكترث بتحديد قيمة ما يعرفه من حقائق ولا ينتبه إلى ضرورة التفكير في إدراكاته فهو يستخدم على الفور كل ما يوفره بادئ الرأي والحس المشترك ويستغرق في استعمال العقل وكيفيات الارتقاء به إلى أعلى مراتب التأمل ودرجات الذكاء دون التفطن إلى مراتب هذا الاستعمال ومنازله ودون التمييز بين استعمال خاطئ واستعمال جيد

وعدم الاستعمال للعقل وهو بذلك لا يرى ضرورة للنقد والتأسيس ولا يدعو لذلك فكل ما ينبغي إيجاده هو موجود ويمكن اقتناءه إما بالتقليد أو بالعادة والبداهة. إن يستعمل العقل استعمالا دغمائيا ويتهرب من النقد لأن هناك ثوابت ومقدسات وأسيجة لا يتقبل النقاش ولا يمكن اخضاعها للفحص المتعمق والدقيق مثل السياسة وخاصة علوية القوانين والدين و بالتحديد وجود الإله وصلوحية النص المنزل ويقف صاحب الظن غير بعيد عن المزيولوجي أو المثقف الهائم الذي لا يكترث هو بدوره بالعالم وما يحدثه من مراجعات وتقدم وثورات وتحولات على رؤية الإنسان لذاته والآخر وللعالم ويقضي الوقت كله في التفلسف بشكل مجرد ومنعزل وذلك بتشييد الأنساق من استعارات ميتة وأبنية شاحبة تشبه بيوت العنكبوت و”للمزيولوجي” سبب معقول لجهله نفسه وهو الباحث عن المعرفة إذ لم يسبق له مرة واحدة أن تساءل عنها فكيف سيمكن له في يوم من الأيام أن يكتشفها؟

ومن هذا المنطلق ما كان مشروع النقد والتأسيس لينمو لدى الإنسان إلا تحت ضغط الحاجة إلى تجاوز الخطأ وتدارك الوقوع في أي أزمة معرفية أو حيرة وجودية ولو تسنى للإنسان أن يحيا دون المعنى والفعل والتواصل لأمكنه الاستغناء عن مشروع النقد والتأسيس المرتبط بمصير الفرد وبمستقبل الحضارة والثقافة التي ينتمي إليهما. فإذا كانت أزمة كريزيس المجتمعات هي التي تحمل على نقد العقل بالذات ولنقل إنه يحمل على نقد العقل لذاته أي نقد قواعد الذهن وآلية الفكر ومنطق البحث ومناهج التحقيق. وعندها لا تقتصر المعالجات على نتاجات الفكر بوصفها آراء ومفاهيم أو باعتباره مذاهب ومدارس بل تتعدى ذلك إلى البحث في أصول المعرفة ونظمها وإلى التنقيب عن أسس الثقافة وبناها العميقة.

ولعل مأزق الفكر الفلسفي الراهن المتمثل على ما نراه في الوقوف عند العلوم الموروثة دون تطويرها أو في العجز عن ابتداع آفاق معرفية جديدة وتأسيس ميادين أخرى لعل هذا المأزق الذي لا ينفصل عن أزمة المجتمعات وعن محنة المعنى في الثقافات المتصادمة هو من الأسباب التي تدفع الفكر إلى المراجعة والنقد بحيث توجه أصابع الاتهام إلى العقل الفلسفي بذاته لكي يقوم بمحاكمة نفسه فيفصح عن مسلماته ويحلل أبنيته ويراجع طريقة اشتغاله وباختصار بالصفح عن المبادئ والقواعد التي يستخدمها في النظر والعمل على السواء سيرا لإمكانات جديدة وبحثا عن آفاق لم يتم ارتيادها بعد هكذا فالوعي بالأزمة يقود إلى نقد الذات والتعرف إليها من جديد أي إلى إعادة استكشافها وتحريرها إذ في الكشف تحرير من القيود وانفتاح على عوالم جديدة. من هذا المنطلق بالذات نفهم الاهتمام الذي يبديه الفلاسفة لفعل النقد والتأسيس عبر تاريخ الفلسفة كما يتجلى في الجدل والدحض والتفنيد والقسمة والبرهان والشك ومناهج تجريبية تخصص كلها لمساءلة العقل عن فاعليته وجدواه والبحث في أزماته ومشكلاته واستكشاف إمكاناته وحدوده وذلك بأن يحول السؤال التقليدي ماذا نعرف؟ إلى سؤال آخر يسبق السؤال الأول من حيث الدرجة المنطقية على الأقل وهو كيف نعرف

ونحن نعلم أن الفلسفة مدينة لكانط باستحضار هذا السؤال غير أن كانط نفسه لم يهتم باكتشاف نظام المعرفة بقدر ما صب جهده على تحليل أدوات المعرفة وبذلك قدم لنا تشريحا عبقريا لوظائف العقل لا يزال يشكل مدخلا أساسيا لكل تفكير نقدي أصيل حول نظرية المعرفة. غير أن النقلة الموضوعية الهامة في المدة النظرية منذ تحولها من نظرية في المعرفة إلى نظرية في النقد وإلى نقد نظرية المعرفة ذاتها تحققت عندما لم يعد البحث في أدوات صنع المعرفة في الوظائف العقلية في سيكولوجيا الفهم والإدراك هو المحور الأساسي للاهتمام الفلسفي إذ تنتقل البحث إلى واقع الحدث المعرفي نفسه وهو يقع بين الناس ويتشكل بين عقولهم ومداركهم ومجالات سلوكهم بشبكة هائلة التعقيد من السلوك المعرفي إن صح القول.

وإن ربط كانط مشروعه النقدي بتحديد مصدر المعرفة وامتداد الاستعمال الممكن والمفيد بكل معرفة ووقع حدود العقل بناة أنثروبولوجيا فلسفية لا تتكفل فقط بالإجابة عن سؤال ما الإنسان؟ الشكل الحداثوي الذي استوعب سؤال ما الفلسفة؟ بل بثلاثة أسئلة أخرى: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل؟ ما الذي يجوز لي أن أمل؟ فإلى أي مدى كانت هذه الأسئلة الكانطية تقدر التفكير الفلسفي؟ ما هي الدواعي النظرية والعملية لفعل النقد؟ما الفرق بين الاستعمال الدغمائي للعقل والاستعمال العقلي له؟ بأي وجه يتوجب على العقل أن يكون هو نفسه موضوع نقد؟ هل ننقد لغاية النقد أم ننقد لغاية التأسيس؟ والتأسيس هل هو مجرد تفسير معرفي للكون و عقلنة الواقع أم العمل على تغييره والفعل في الأشياء والتأثير على الأفراد؟ فما هو مطلوب الفلسفة النقد أم التأسيس؟هل على الفلسفة أن تختار بين أن تحكم على نتاجات العقل فترسم له حدودا وتقيم له انضباطا وتمنعه من خوض مغامرة الحلم والمعنى وبين أن تفهم تراث العقل وآثاره فهما نفترض وجود معنى أصلي نسعى إليه أو نسعى لتأسيسه بإبداعه أو الكشف عنه؟ وهل يمكننا أن نستنتج أن هيوم قد اختار التأسيس بديلا عن النقد و أن كانط قد اختار النقد بديلا عن النزعة النسَقيَّة السائدة في عصره بمعناها الصناعي والعلمي؟ إن الغرض من قول هذا هو استقصاد العلاقة الممكنة بين النقد والتأسيس هل يمكن العثور لدى هيوم على ضرب من التأسيس الفلسفي وهو الذي استعاد النزعة الريبيّة في أعلى تجاربها نضجا وهي الريبيّة البيرونيّة؟ أم أنّ النقد الذي ارتضاه كانط عنوانا لفلسفته وشعارا لعصر برمّته لا يمكن أن يكون سوى عنوانا لفلسفة تأسيسية؟

1- لماذا النقد والتأسيس؟

إن هذه المسألة هي في الحقيقة مدار نقاش فلسفي على راهنيّة كبرى تنازل في شأنها ماركس مع هيجل و فيور باخ وأقطاب الفلسفة المعاصرة وخاصة سارتر و هايدغر ورواد مدرسة فرانكورت وبطريقتهم النقدية. مطلبنا في هذا المبحث هو الوقوف على ضرب من الإحصاء إلى ما وصل إليه البحث الفلسفي في مسألة النقد والتأسيس وشاغلنا أن لا نشرع بعقولنا على نحو قبلي و ألا نرسم الجدول لفكرنا بصورة مسبقة و أن لا نقيم سورا محكما سور بها ذواتنا وهويتنا بالمقولات والنظريات والمناهج وأن نعمل على إبقاء الأبواب مشرعة أمام العقل لتعرية المهام والممارسات و الألاعيب التي تطمس مهمة التفكير وتعيق الطاقة على الخلق والابتكار ولهذا لا مجال لأن نعتصم بكتبنا أو أن نتمسك بأفكارنا ومقولاتنا بوصفها حقائق ثابتة وأصول مقررة ونحن نقف ها هنا أمام ثلاث وجهات نظر متنازعة

1- موقف يزعم التأسيس دون أن ينتبه إلى ضرورة النقد موقف دغمائي ووثوق

2- موقف يزعم النقد دون أن ينتبه إلى ضرورة التأسيس ويسقط في الحل الهدمي

3- موقف يجعل من النقد شرط إمكان كل تأسيس ويحرص على البناء على أنقاض الهدم

سوف ننطلق في هذا الدرس من أطروحة كانط من أجل اختيار مفهوم النقد و تطبيقاته واستتباعاته ثانيا الوقوف على حدود قراءة فلسفة كانط من وجهة نظر فلسفة هيوم للوصول وثالثا وأخيرا إلى معالجة إمكانية الحسم في علاقة النقد بالتأسيس. ويتمثل خطة هذا المبحث إذن على ثلاث مستويات

– كانط بوصفه رائد وصاحب مشروع نقدي.

– حدود المشروع النقدي الكانطي من وجهة نظر مدرسة فرانكفورت وهيوم

– النقد شرط إمكان التأسيس أفاق المسألة هو تجاوز التأويل التبريري نحو الفعل التعبيري (البراكسيس

يمكن الانطلاق من الدلالات اللغوية لمفاهيم النقد والتأسيس ومعانيهما الاصطلاحية كما درج على استعمالها الفلاسفة ولمل كان النقد موقفا يتخذه الفكر نتيجة استكالته إلى أزمة وتعرضه إلى محنة فإنه لا بد من طلب حقيقة الأزمة ما هي وكيف تؤدي إلى ضرورة ممارسة النقد؟

رغم أن لفظ الأزمة كريزيس لم يصدح مفهوما فلسفيا إلا مع أدموند هوسرل أن الفونومولوجيا في كتابه أزمة العلوم الأوروبية الذي نبه إلى أن القاسم المشترك للعلم والفلسفة وللتجريبية والعقلانية هي إفراطها في الاعتناء بالحقيقة لها للمعنى فإن هذا اللفظ كان يضغط منذ الأزل ويمارس تأثيرا على الفكر ويدفع به إلى مراجعة نفسه وإصلاح أخطائه والأزمة في اللغة العربية هي الشدة و الضيقة إذ يقال أزمة وآزمة ومأزم هو المضيق أما في اللغة الفرنسية «crise »فتحيل اللفظة إلى المجال الطبي والعلمي والاقتصادي وتعني تحولا فجئيا وهاما من حيث النتائج فهي من جهة حدث حاسم ومن جهة ثانية تناقض بين حالة سابقة وأخرى لاحقة وتمثل لحظة انكسار وتحول حاد في سيرورة معينة لذلك نجد أزمة في الحالة الصحية للإنسان تعلن بداية مرحلة خطر وتؤذن بالموت وأزمة اقتصادية تنبئ بالإفلاس و الكساب والتضخم والبطالة وكذلك أزمة قيمية ناتجة عن فراغ في المعنى واصطدام التقاليد مع روح التقدم والتحرر التي تميز الوعي التاريخي عند الفرد الواعي بعصره أما الأزمة في العالم فهي حالة يفترض أن تكون مؤقتة تزول بزوال أسبابها وهي تتصف بعدم الاستقرار والتغير العميق والفجئي وعادة ما تؤدي الأزمة في العالم إلى اندلاع الثورات وحصول الانقطاعات وإبراز التحولات فكأن لحظات الوعي بالأزمات هي لحظات اللاعودة مع الماضي وإعلان الحرب والتحطيم وتصفية الحساب مع التراث.

Crise, krisis, critique الذي يدل في لسان العرب إلى نقد الدراهم بمعنى تمييز ما كان حقيقيا منها عما هو مزيف والذي نجد فيه كذلك ارتباط النقد بالنقاش والتشنيع وذكر مساوئ بمعنى الانتقاد إذ يقال نقدت فلان أي ناقشته في الأمر غير أن في المأثور هناك نقد الشعر والأدب بمعنى التمييز والحكم

Juger c’est critiquer ليصبح قسما من أقسام المنطق ولم تقتصر دلالات النقد على الفلسفة ليكون فعل تمييز وحكم ستهدف تحديد القيمة مع ما يقتضي ذلك من استخدام لملكات العقل التي تمثل شروط إمكانه بل تجاوزت إلى العلوم الأخرى وخاصة التاريخ والفيلولوجيا فتحقيق الكتب المقدسة في القرن 17 والحلم على صحتها وذلك بإخضاعها للنقد الفيلولوجي يمثل إخضاع الحقيقة المقدسة إلى معايير الفعل النقدي كما أن الممارسة الجنيالوجية تمثل نقد الأسس الميتافيزيقية للفلسفة من أفلاطون إلى هيجل كما أن النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت قامت باستنطاق نقدي لأوهام المجتمع المعاصر وخاصة القمع ولاستهلاك والعقل الأداتي و التقنية.ولما كان النقد يستوجب إيجاد البديل والتأسيس لتجاوز مجرد أن يكون انتقادا أو تحطيما وحتى لا يقع الفكر في الفراغ طالما أن الإنسان هو نفسه مثل الطبيعة يخشى الفراغ فإن التأسيس يتوزع على العديد من الدلالات ففي لسان العرب الأساس هو العماد الذي يقوم عليه البناء بمعنى الركائز والدعائم والتأسيس هو التشييد والبناء ذاته ويختلف عن الأسس fondements كما يشير إلى ذلك اللفظ الفرنسي fondation والذي يشير إلى المعنى اللغوي للميتافيزيقا بمعنى المكتبة كيفية التصنيف والتعريف أي ترتيب الحروف والكلمات في كتاب وترتيب الكتب والمعاجم في مكتبة وبعبارة أخرى التأسيس هنا هو بناء النظريات وتشييد الأنساق على صعيد التجربة والفعل والعمل على تغيير الواقع بما يستجيب لمقتضيات تلك الأبنية النظرية و الأنساق التأملية. غير أنه من السهل علينا التذمر من الواقع والاحتجاج عليه والسعي إلى انتقاد ماهو سائد ولكن من الصعب علينا ممارسة النقد الفعال وتحويل هذا الاحتجاج إلى ممارسة تعمل على تغيير الواقع بشكل فعلي ويقلب أوضاعه رأسا على عقب. وهذا التباين بين الجهد النظري للنقد والجهد العملي يعود إلى سوء فهم لطبيعة الفعل النقدي ذاته وهنا يتمثل دور التفكير الفلسفي في محاولة إزالة هذا اللبس وإنارة الطريق للارتقاء إلى المقاربة النقدية السديدة والمشروع التأسيس الرصين الذي يصبح بهما الإنسان إنسانا. من المعلوم أن قضية الإنسان هي القضية الأساسية في الفلسفة والإنسان هو في كل وقت الشغل الشاغل للتفكير الفلسفي. وحتى حينا نعود إلى الإغريق – ورغم ما قيل عن احتجاب فكرة الإنسان لديهم وذلك لاهتمامهم بالفيزيس وجواهر الأشياء والعلل الأولى وعناصر الكون- إلا أننا نجد لديهم تفكيرا أنثربولوجيا مضمرا. وهذا الأمر ليس واضحا للعيان فقط عند السوفسطائيين بتأكيدهم أن الإنسان هو مقياس كل الأشياء بل موجود عند أفلاطون الذي ذكر في محاورة الغورجياس: “انك لمتني يا كاليكلاس على موضوع بحوثي ولكن أي شيء أجمل من أن ندرس ما يجب أن يكون عليه الإنسان”. بيد أن طرافة طرح فلسفة الحداثة الغربية لإشكالية الإنسان لا يعود إلى تغيير الصياغة من: ما الإنسان إلى من هو الإنسان بل في كشفه تعقد الطبيعة البشرية وغموض تعريف ماهية الإنسان عبر عنه ديكارت في التأمل الثاني بواسطة سؤال نقدي يظهر فيه الروح الشكية التي استخدمها للتأسيس المنهجي للمعرفة اليقينية بقوله:”كنت أعتقد صراحة أنني إنسان ولكن ماهو الإنسان؟ هل أقول انه حيوان عاقل؟ كلا إذ يضطرني هذا إلى أن أبحث بعد ذلك في ماهو الحيوان وماهو العاقل فأنزلق هكذا من سؤال واحد إلى الخوض بلاوعي في أسئلة أخرى أشد صعوبة وتعقيدا”. يترتب عن ذلك أن السؤال عن الإنسان لا يقل غموضا وصعوبة عن السؤال عن الفلسفة وعن الوجود وعن المعرفة وعن القيم وإذا كان لابد من ممارسة الفلسفة والسير في الطرق المؤدية إلى التفلسف بدل عن التساؤل عن ماهية الفلسفة فإنه كذلك يجب على الإنسان ذاته أن يعمل على تحقيق انيته واستكمال الطبيعة التي تخصه بدل أن يضع نفسه في موقع خارجي.ربما يكون التفكير الحاذق في الإنسان بشكل نقدي قد بدأ مع فيلسوف الأنوار عمونيال كانط حينما طرح سؤال ما الإنسان في كتاب المنطق ولما أقر بتناهيه واستحالة تطابقه مع ذاته وقابلية وقوعه في الخطأ لكونه مجرد حيوان لااجتماعي وعدواني وليس إلها أو ملاكا بل خطاء وغير قادر على التطابق مع ذاته. على هذا النحو تمثل فلسفة كانط الفلسفة النقدية بامتياز فقد انبنى مشروعه على هذا الأساس وكان عصره هو عصر النقد وقد شكلت كتبه الثلاث نقد العقل المحض ونقد العقل العملي ونقد ملكة الحكم شاهدا على هذا التمشّي النقدي العام. والحق أن الفكر الكانطي قد ركز مجهوده على تحديد ما يستطيع العقل البشري الوصول إليه وما يقدر على معرفته في المجال النظري وما عليه من التزامات في المجال العملي يتيعن عليه القيام بها وما يشحذ ملكة الذوق دون مفاهيم.

اللافت للنظر أن عملية النقد تتحدد بوصفها جزء من المنطق وحكم القيمة في مقابل حكم الواقع بعد معالجة المبادئ وتقييم المعطيات وموازنة الغايات ولذلك يعرف كانط النقد في مرحلة أولى بشكل عام على أنه معالجة حرة وعمومية للعقل examen libre et publique تتسم بطابع تحرري من الأوهام وبالاندراج ضمن الفضاء العام. بعد ذلك أسند له معنى دقيقا ويتمثل في التفكير الفاحص في شروط الصلاحية وحدودها réflexion sur les conditions de la validité et ses limites، وبالتالي تتنزل إشكالية النقد ضمن إشكالية المعرفة والعلاقة الممكنة بين الذات والأشياء وتصبح مسألة البحث عن شروط إمكانية المعرفة وقيمتها هي الغرض الأول لأي مشروع فلسفي نقدي وفي هذا السياق يصرح كانط في كتابه الصغير “مقدمة لكل ميتافيزيقا مستقبلية يمكن أن تصير علما” ما يلي: “إن عصرنا هو بخاصة عصر النقد الذي يجب أن يخضع كل شيء له، فعادة ما يحاول الدين متعاليا بقداسته والتشريع متعللا برفعته أن يفلتا من هذا النقد غير أنهما يثيرا شبهة مشروعة ولا يستطيعان الطموح إلى بلوغ ذلك التقدير الصادق الذي يوليه العقل إلا لما من شأنه أن يدعم تمحيصه تمحيصا حرا وعلنيا”.على هذا النحو جعل كانط النقد جنسا فلسفيا جديدا لا يتميز بالحرية والعلنية فحسب بل يشمل انعدام الثقة في كل رأي لا يبدو جليا ولا يستند إلى أسس صلبة ويتحول إلى تساؤل عن قيمة أي أطروحة سواء بالنظر الى محتواها الداخلي أو بالنظر إلى مصدرها الخارجي. والحق أن المذهب النقدي يرى بأن الذهن يبني معارفه وفق مقولاته القبلية وهي صور وأطر صادقة وصحيحة ولا تعرف الخطأ طالما بقيت في حدود التجربة ولكن يفقد قيمته المعرفية اذا تخطى عالم التجربة وتشبث بأغاليط الميتافيزيقا وأنساقها المجردة وبيداء الأوهام.

تتمثل خطة النقد في التساؤل: كيف ومن أين لنا أن نعلم ما نعرفه؟ بدل أن نعتبر مباشرة الأشياء المعلومة حقائق بديهية وبالتالي نتفحص قدرتنا على المعرفة ومصدر هذه المعارف وقيمتها النظرية والعملية. لا يشير لفظ النقدية إلى فحص المؤلفات والكتب والأنساق والوثائق التاريخية وإنما يهتم بمعرفة قدرة العقل عموما منظورا إليه من جهة ما يمكنه أن يتحصل عليه من معارف مستقلة عن التجربة الحسية

غير أن النقدية لا تتحول إلى نوع من النسبية حينما تقر بامتناع المعرفة اليقينية بل ترى أنه كلما وقع تجاوز الحدود المرسومة للذهن من قبل بناه القبلية يستحيل إدراك المطلق أي الأشياء في ذاتها choses en soi. لعل ريبية هيوم وما أحدثته من رجة أيقظت الفكر العقلاني الدغمائي من سباته هي أحسن مثال على هذه التجربة المقضة واليقظة عما في العالم الطبيعي من إشكالي وجعلته يعرض عن تحصيل الأجوبة وعن بلوغ الأهداف المطلقة والغايات النهائية ويركز اهتمامه بالأشياء التي تعترضه في الطريق والإكثار من المساءلة والتشكك والتظنن، والآية على ذلك أن الحل ليس في كراس المعلم بل في العقل الباحث، والكلمة النهائية في الفلسفة أنه لا توجد كلمة نهائية والمهم هو طرح الأسئلة بدقة وحسن صياغة المشاكل

2- ماذا ننقد؟ وماذا نؤسس؟

إذا كان أرسطو قام بنقد المثالية الأفلاطونية مشيرا إلى الطبيعة وساعيا إلى تأسيس الميتافيزيقا بوصفها علم الحقيقة الجوهرية والثابتة والفيزيقا باعتبارها علم الحركة معرفة المتغيرات فإن هيوم تصدى لإرادة السيطرة لدى العقل الفلسفي وتحله من حب الحكمة إلى حب التحكم وقام بتفعيل تقنية النقد في كل اتجاه.

لقد عبر دافيد هيوم عن هذا التظنن تجاه العقل والحيرة من وضع الحقيقة بإعلانه أنه لا جديد تحت الشمس وصوب عينه نحو ما توفره التجربة من انطباعات حسية وخبرات متراكمة وليس ما ينصح به العقل من نظريات جوفاء ومقولات فارغة وعمل على ترسيخ الفعالية النقدية في التجربة الفلسفية بأن حرص على هدم الميتافيزيقا ورأى أن الانتقال من العالم المنظور إلى وراء المنظور هو ادعاء مغلوط وناتج عن شعوذات الجمهور وعجز عن منازلة البسائط من الأمور وصادر عن عناد البشر واجتهاد لا طائل منه

لا يكتفي هيوم بنقد الميتافيزيقا والانتصار للتجربة على حساب العقل بل يحول جهده الفلسفي نحو تأسيس ميتافيزيقا جديدة يسميها الجغرافيا الذهنية ويسند لها مهمة رسم حدود للذهن البشري وتحديد قواه وتمييز المجالات التي يقدر على معرفتها والمجالات التي لا يمكنه الخوض فيها خشية الضياع في اللامعقول.

 

في هذا السياق يقول كانط:” إني لا أعني بنقد العقل المحض نقد الكتب وإنما نقد قدرة العقل عموما بالإضافة إلى جميع المعارف التي يمكن أن يطمح إليها بقطع النظر عن التجربة وبالتالي فأنا أعني بذلك مسألة إمكان وامتناع الميتافيزيقا”. ويترتب عن هذا القول أن النقد ليس طريقا نحو الاكتشاف عن الخطأ فحسب بل هو فرصة للتصحيح وتفادي الوقوع فيه مجددا وتجربة إبداع للبدائل وتوجه نحو إنشاء للحقائق. من هذا المنظور يدعونا كانط إلى تقديس الفكر النقدي الذي لا يهاب أحدا لأنه لا يمكنه البتة أن يتهرب من المراجعة الذاتية وتفقد آلياته ولا يوجد أمر مهم من جهة الفائدة وأي موضوع مقدس يعفى من هذا التفقد.

 

تتعارض النقدية مع الدغمائية والتي غالت في الإعلاء من قدرة العقل على المعرفة وتصورت أنه بالإمكان الوصول إلى الحقائق صلبة دون الرجوع إلى التجربة ودون الانتباه إلى مسلماته الضمنية وأنه يتجاوز العالم المحسوس ليصل في ادراكاته إلى ماوراء هذا العالم الطبيعي. كما تتفادى الوقوع في الريبية التي أساءت الحرية المعطاة للنقد وأضرت بالعقل وانغمست في عالم التغير والصيرورة في المادة المحسوسة ودوار التجارب وفقدت كل من الكلي والضروري والتصق بها العرضي والجزئي والاعتباطي. أما النقدية فتحاول التأليف بين القبلي العقلي والبعدي التجربي والتركيب بين مقولات الذهن وانطباعات الحس وتبحث عن كيفية بناء أحكام تأليفية قبلية على غرار العلوم الصحيحة والطبيعية. كما تنظر النقدية في ملكة العقل وفي سلطاتها وحدودها وشروط صلاحيته وتنتبه إلى أن العقل هو الذي ينقد نفسه بنفسه بعد أن تحول إلى قاضي ومتهم في ذات الوقت قصد التخلص من ميراثه الاستبدادي

لعل الرهان الأساسي من النقد الفلسفي عند عمونيال كانط هو تفنيد الميتافيزيقا وتأسيس نظرية جديدة في المعرفة تقوم على إمكانية تأسيس ميتافيزيقا مستقبلية بالاعتماد على مناهج علمية ومقدمات موضوعية. لقد تمكنت الفلسفة مع كانط من بلوغ درجة الوعي بذاتها وعثرت على مركز ثقلها في العقل الإنساني.

لكن مهما ارتبط النقد بالتشريع أو بالتحديد مع كانط وأحدث ثورة كوبرنيكية في مجال المعرفة فإنه قد ضيق من مجال المعرفة ليوسع من دائرة الإيمان ومهما حاول النقد تغيير أسلوب الميتافيزيقا بإحداث ثورة مباغتة في طريقة التفكير فإنه ظل متسترا على رواسبها ومؤثراتها بل كشف حاجة الإنسان الفطرية إليها.

بالرغم من زعم الفحص النقدي للقدرة العقلية على تحصيل المعرفة وتصفية الخطأ فإنه ظل يتحرك ضمن دائرة الأوهام والأباطيل الناتجة عن الاستعمال غير المقنن وغير المشروع للعقل وما يمكن القيام به ليست إزالة تلك الأوهام من ساحة العقل بشكل تام بل استبعاد مخلفات تلك الأوهام على العمل وتأثير على الوعي ومحاولة منع تكون الوهم في ملكة المعرفة مثلما يرى جيل دولوز. إن أقصى ما يمكن أن يوفره المشروع النقدي الكانطي هو ربطه في مجال العملي بين القانون الأخلاقي والحرية ونفي التعارض بين الإلزام والاستقلالية عند تحلي الشخص بروح الاحترام والمسؤولية وتمكنه من التمييز بين الاستعمال المشروع والاستعمال غير المشروع للعقل وتبعا لذلك يبحث النقد الكانطي في شروط إمكان المعرفة ويتناسى شروط إمكانه حسب علي حرب ويحاول العقل التحرر منى أسر الميتافيزيقا بينما هو ينتقل من سجن الميتافيزيقا العقلانية إلى قبضة الميتافيزيقا الأخلاقية. لهذا السبب يصعب التمييز بين عقل ناقد وعقل منقود وتسرع في استعمال سلاح النقد قبل التريث ويقوم بنقد السلاح وجعل العقل عبد للأهواء وخادما للانفعال.

على هذا النحو تبدو النقدية الكانطية من وجهة نظر هيجل غير بعيدة عن المكان الذي تحاول مغادرته ولا تخلو من الوثوقية إذ تقر باستحالة بلوغ المعرفة المطلقة قبل بذل الجهد في تحصيلها وعلى هذا المنوال تريد تعلم السباحة قبل الغوص في الماء وتزعم معرفة قدرة العقل قبل توظيفه وتسكت عن العديد من المسلمات الضمنية. فما علاقة الرّيبية بالفلسفة عند هيجل؟ وهل يمكن تحديد ماهية النقد الفلسفي؟

يرفض هيجل النقد الكانطي ويعتبره مجرد منحى ذاتي في المعرفة ويعيد الاعتبار إلى الأبعاد والمهام التي طلقها كانط وتخلى عنها على غرار إمكانية معرفة الشيء في ذاته والوصول إلى المعرفة المطلقة وبلوغ مرحلة الوعي بالذات وتحقيق التصالح بين الحرية والطبيعة وبين الدين والفلسفة والفن في الروح المطلق.

بالرغم من أننا لا نعثر على النقد كمفهوم أو كمقولة منطقية ضمن لحظات الجدل ومسار الروح في عودته إلى ذاته وتحققه في التاريخ عند هيجل إلا أن هذا الأخير يعدد من مواضع تواجده في فلسفته وداخل منهجه في تاريخ الفلسفة ويربطه بالرّيبية ويضع له تسميات مختلفة مثل التضاد والتناقض وشغل النفي والتهفيت والنقض والتجاوز من أجل الاستيعاب والانصهار والتلاحم والالتئام والدمج والتنسيق والشمول والعقلنة

يقر هيجل بوجود ثلاثة طرق نقدية لدراسة الفلسفة:

– التهفيت بإظهار تهافت الفلسفة وإبطالها وإخراج الزيف منها وهي معالجة تفصل ميكانيكيا بين الصواب والخطأ وتسيء فهم تعاقب الفلسفات والأنساق وتتناول الفلسفة من خارجها وتهمل مضمونها وعنصرها التأملي. وربما عيب هذه المعالجة أنها تتوخى منهجا تجريديا يسقط في نظرة ذاتية تعسفية وسطحية.

– الفهم والاستيعاب والنظر إلى الفلسفة بوصفها نسق ووجهة نظر تتدعي الكلية والاطلاقية والشمولية وتعين المفهوم الذي بنت عليه مشكلتها المركزية وأطروحتها العامة.

– فهم النسق الفلسفي يقتضي الإقامة داخله والتعايش مع مفاهيمه والتكلم بلغته وإثارة مشكلاته وممارسة النقد والاستيعاب والتجاوز من داخله. إن الأنساق الفلسفية ليست موضوع تفكير بل هي حقائق متطورة ومسارات نسبية ومجال عرضي للهدم والنسخ وبالتالي فإن النقد الحق هو وجه من وجوه النسخ Aufhebung. كما أن المعرفة الحقّيقة هي التي تفهم الأخطاء وتحطمها وتتجاوز كل زعم بادراك الكلي وذلك بالعودة إلى المبدأ الأساسي للنسق، وإذا كان من نافل القول أن نعتبر النقد آلية من آليات التفلسف وأن الفلسفة نقدية أو لا تكون فإنه من الضروري أن ننتبه إلى التحول الذي طرأ في الفترة المعاصرة حول المسألة النقدية وبالخصوص الانتقال من الحديث عن النقد لغاية التأسيس إلى النقد لغاية النقد وما اصطلح على تسميته بنقد النقد أو النقد المزدوج الذي انتشر مع فلسفة الرجة ومدرسة فرنكفورت وفكر الاختلاف.

لا مندوحة عن هذا التحول من تأسيس إلى نقد كل تأسيس طالما أنه يعبر عن قدرة الإنسان على طرح الأسئلة وثارة الإشكاليات والبحث عن المعنى والسير نحو التفلسف الأصيل والالتقاء المنفتح بالوجود. بيد أن هاجس الفلسفة ليس التأسيس ولو كان للفعالية النقدية وليس النقد لغاية النقد بل إن الفلسفة في حد ذاتها قد تتعارض مع كل أساس وتكذب كل مزاعم التأسيس وتقطع مع المكوث فوق أرض صلبة وقاعدة ثابتة وتقف فوق رمال متحركة ولا تقيم إلا في بيتها الفكري المترحل دوما نحو المجهول والمراجع لمسلماته.

3- ماذا يترتب عن النقد والتأسيس؟

لقد استخدم كارل ماركس النقد بشكل متواصل وكان هذا المفهوم حاضرا في جميع مؤلفاته واستعمله في كافة مراحل حياته وكان شاهدا على تطور فكره وانتقاله بين عدة قضايا أهما زيف القيم وسلطة رأسمال. من هذا المنظور كانت التجربة النقدية عند ماركس تجربة ايجابية سعت إلى بناء فلسفة المستقبل بإبراز الوجود العيني للإنسان ودفعه إلى بناء ذاته وتفكك حلقات الارتباط اللاّمشروع بين اللاهوت والميتافيزيقا.

لم يكن هدف ماركس من خوضه غمار النقد عقوق الأب هيجل والخروج عن المثالية الألمانية فحسب وإنما تحرير الإنسان وتمكينه من إعادة تملك قواه المغتربة وتسليحه بالوعي التاريخي والأدوات الثورية والفن الملتزم لكي يجهز على شبكة الأوهام وأشكال الاستغلال ويحقق المصالحة مع ذاته والطبيعة. إذ يصرح في هذا المعنى صحبة انجلز في الايديولوجيا الألمانية:” حينما ينقطع التأمل وتظهر الحياة الحقيقية الواقعية تبدأ المعرفة الايجابية ويشرع عرض الفعالية العملية ومجرد التطور الفعلي للبشر، وعندما تنقطع العبارات الجوفاء حول الوعي يكون على المعرفة الفعلية أن تأخذ مكانها وبمجرد ما تعرض الفلسفة الواقع فإنها تفقد ذلك الميدان الذي تتمتع فيه بوجود مستقل.” لقد سار ماركس على خطى فيورباخ في معركته مع الاغتراب الديني وقد رأى في الوهم الخرافي نموذج كل وهم ودعا إلى أن يتبع نقد السماء نقد الأرض وأن يعقب الخلاص من الاغتراب الديني التحرر من الاستبداد الطبقي وتعرية وفضح الظلم السياسي والتفاوت الاجتماعي في الملكية والحقوق ونقد الانشطار الذي تشكل بعد الثورة البرجوازية بين المجتمع والدولة وبين العمال والأعراف ودعا إلى الانخراط في النضال الاجتماعي من أجل المواطن.

في المجمل يمكن القول بأن الفلسفة النقدية تحولت الى نوع من الايديولوجيا ولكنها ليست مجرد وهم أو يوتوبيا بل نظرية علمية تفسر الشروط المادية للمنتجة للأوهام وتنطلق من لغة الحياة اليومية من أجل بناء قوة اجتماعية فعالة تحمل على التفكير وتعمل على تغيير الأوضاع الاجتماعية على أساس المساواة.

ما يسمح به النقد في اللحظة الثالثة من تطور الفلسفة ليس مجرد إصلاح الأخطاء وتدارك الهفوات والتخلي عن الأوهام بل وكذلك تجاوز الأزمات التي تطرأ على المجتمع والثقافة والاقتصاد والسياسة وعلاج الأمراض التي تعاني منها الشعوب والجدب الحضاري الذي تتردى فيه ويمنعها من التقدم.

لعل من المجالات الجديدة التي يمكن للفلسفة النقدية أن تقتحمها هي العلم والايديولوجيا والتقنية والعقلانية وريثة التنوير والبراغماتية والأداتية والطابع الكلياني الاحتوائي الذي رافق الامبريالية وفضائع الشمولية وتدجينها للرفض وإخضاعها الفرد إلى مبدأ المردود وتطويع اللّيبيدو إلى العمل ورهن ايروس للتحضر

لقد أطلق هاربرت ماركوز مصطلح الاستعادة النقدية للعقلانية التي أراد المجتمع المعاصر وضعها عنوانا لمرحلته وحاول الكشف عن مقام وجود الدازاين وسط امكانيات العيش التي يحددها الوضع التاريخي. إذا كان الوجود الاجتماعي قد أصبح وجودا مغتربا ومشيئا فإن مسؤولية الفلسفة الحية التي تجلت فيها أدق طاقات الشعوب وأخفاها على رأي كارل ماركس تقتضي بأن تساهم في انعتاق الإنسان من الاغتراب والسلعنة والقمع وتشغل طاقتها النقدية بتحليل نوعية الوجود المعاصر لها وتساعد الشرائح المهمشة على استعادة الوعي بالتسلح بالبراكسيس وامتلاك زمام المبادرة وتسيير الحياة ضمن حقيقة الوجود الأصيل.

هكذا أسس ماركوز نظرية الفكر السالب التي تجعل من النقد ممارسة للرفض والاحتجاج على الرأسمالية المتقدمة وتتمرد على التنميط والقولبة وتمسك الإنسان عن الانسياق وراء خط ايديولوجي زائف وأن يتحول إلى إنسان ذي بعد واحد في مجتمع ذي بعد واحد وتفضح الأقنعة التي يختبىء وراءها المتسلطون وتصارع الإرث السياسي والحقوقي للنظام الكلياني القمعي الذي يكبت الغرائز تجفيفا لإمكانيات التحرر.

هكذا صاغت مدرسة فرنكفورت نظرية نقدية تتمحور حول الثقافة والتاريخ والسياسة والاقتصاد ويتمثل رهانها الأساسي في التدخل في مجرى الممارسة من أجل فك آليات السيطرة وتحرير الرغبة وحل الأزمة المستفحلة في الواقع الاجتماعي. بناء على ذلك لا يكتفي الفيلسوف الناقد بملاحظة الواقع ووصف ظواهره وتفسير قوانينه بل يشخص أمراضه ويحمل شمعة النور وسط الظلام الذي يحاصره ويقوي من الأمل ويسعى إلى الاحتفاظ بما تبقى من حرية وشجاعة تفكير لإدانة الواقع الزائف ورفض السلطة الكليانية.

لقد وجدت مدرسة فرنكفورت في الفن وبعده الجمالي بعدا أساسيا من أبعاد التحرر وصرخة مدوية في وجه الظلم الاجتماعي وحاولت تحطيم الاغتراب والتشيؤ بعد أن فقد الإنسان الأمل في قدرة البروليتاريا وذهبت إمكانياتها الثورية أدراج الرياح. ولقد كانت هذه المدرسة النقدية ردا حاسما على تحول سيطرة الإنسان على الطبيعة إلى سيطرة على الإنسان ومثلت نموذجا حيا للفكر الجدي والمثابر الذي لا يشفق ويرحم ولا يستثني أحدا من دائرة الاتهام ولا يخشى من نتائجه الخاصة ومن رهاناته المستقبلية.

خاتمة:

ما يمكن استخلاصه في الختام هو أن النقد ومن ورائه التأسيس كانا ولا يزالا شغل الفلسفة الأبرز منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو إلى حد نيتشه وفوكو وريكور. اذ يصرح أفلاطون في محاورة السفسطائي: “إن التفنيد هو أعظم سبيل للتطهير وأنجعها ومن يتملص من هذا الاختبار هو كائن جاهل وقبيح” ويجبه نيتشه بعد قرون على النحو التالي في جنيالوجيا الأخلاق:” إننا في حاجة إلى نقد القيم الأخلاقية ولذا فإنه علينا أن نضع قيمة القيم موضع سؤال من أجل ذلك أن نعرف شروط نشأتها والظروف التي ساعدت على ذلك”. ان توجيه الانتباه الى الأنساب والأصول التي تشكلت منها القيم هو عملية نقدية للأخلاق تبدأ بتحليل مشخص للأعراض للكشف عن القوى التي أنتجتها وبعد ذلك القيام بالنمذجة والعودة بتلك الأعراض والنماذج إلى أصول تفاضلية. كما أن ماركس قدم قراءة نقدية للقيمة تقوم على ما يلي:” ان القيمة لا تحمل ماهيتها على عرض جبينها وإنما هي تجعل من كل منتوج للعمل نصا هيروغليفيا ولا يسعى الإنسان إلى تفحص معناه ومعرفة أسرار العمل الاجتماعي الذي يساهم فيه إلا بعد مرور الزمن، وان تحويل الموضوعات النافعة إلى قيم لهو من إنتاج المجتمع شأنه في ذلك شأن اللغة.” كتاب رأسمال الفصل الأول – المقطع الأول. غني عن البيان أن أشكال النقد والتأسيس تتعدد وتتنوع بتعدد وتنوع التقنيات والمناهج والاستراتيجيات وأن النقد لا يزعم مجاوزة اللاهوت والميتافيزيقا والدغمائية والريبية فحسب بل يؤسس ذاته بوصفه أحد أنماط التفلسف وباعتباره الفعل التحرري الذي يجدر بالإنسان القيام به.

علاوة على أن التفلسف ليس مجرد رسم لجغرافيا الذهن ونقد العقل لنفسه بالبحث عن شروط إمكانه بل هو أيضا تقصي جنيالوجي وحفر أركيولوجي في أنظمة المعرفة وطرق إنتاج الخطاب. كما أن النقد في صيغته المعاصر تحول إلى تحطيم غراماتولوجي بالتخلي عن وهم الأصل وخرافة التأسيس والاكتفاء بالأثر والتشريع لخطاب عن التناهي والحدثان والمنظورية بالنسبة للحقيقة والمعنى والقيمة والوجود

إن إشكالية النقد والتأسيس ترتبط أشد الارتباط بإشكالية تجربة التفلسف التي يمكن أن ينخرط فيها الإنسان من جهة أنه لا يقدر على تعلم الفلسفة ويستطيع التدرب على التفلسف والإقبال على التفكير في الوجود بغير تحفظ. إن تجربة التفلسف هي من الثراء والتعقيد بحيث تتجاوز الإمية المربكة: إما نقد وإما تأسيس لتنفتح على إمكانيات أكثر رحابة تحيل على اللاّمتوقع والعارض والطارىء وتقتحم دائرة اللاّمفكر فيه.

اللافت أن هذه المسألة تثير مفارقة: اذ كلما ارتقت الفلسفة لكي تصير خطابا نقديا بفضل النقاء كلما طردت من حقلها ما يتعلق بعلاقة الفكر بعملية التأسيس وكلما نهضت الفلسفة من أجل بناء رؤية تفسيرية وتغييرية للواقع كلما قللت من امكانيات التحليق عاليا في سماء الفكر النقدي الحر. فههل ينبغي أن نضحي بالنقد من أجل التأسيس أم نستغني عن التأسيس لصالح النقد؟ فهل بامكان الانسان أن ينخرط في تجربة التفلسف من حيث هي لعبة وجوده الخاص دون الاضطرار الى الاضطلاع بجدلية النقد والتأسيس؟