التنمية بالمغرب بين دقة المفاهيم والاستقامة السياسية

أحمد الدرداري،*

 

منذ الاستقلال الى اليوم, يلاحظ أن التنمية تتوقف على الرضوخ لمطلبين أساسيين وهما دقة استعمال المفاهيم والمصطلحات الدستورية والاستقامة السياسية.

1 – دقة استعمال المفاهيم الدستورية

يتوفر الدستور المغربي على مفاهيم تأصيل الحكم والدولة والنظام السياسي الملكي ذي الخصوصيات والتقاليد المغربية، وتنقسم المفاهيم إلى مفاهيم عامة, ويتم تناولها من قبل كل المؤسسات وعلى مستوى كل المنابر عندما تتوفر ظروف استعمالها, في حين نجد مفاهيم حصرية على جلالة الملك نظرا لطبيعتها غير القابلة للامساك من قبل غيره. وقد خص الدستور والعقل السياسي والديني جلالته بمفاهيم حصرية للحفاظ على التوازن الدستوري والسياسي والديني والاستقرار واستمرار الدولة .
المفاهيم الحصرية التداول من طرف الملك
تنقسم هذه المفاهيم الحصرية الى مفاهيم دينية وسياسية وتقنية, لكونها امانة ملكية لا يحق التصرف فيها ولا تقبل التفويض ومنها:
المفاهيم الدينية: وترتبط هذه المفاهيم بالحقل الديني وهي:
مفهوم البيعة:
لكون عملية مبايعة جلالة الملك تتم من قبل الشعب بكل مكوناته ومؤسساته, وهي رباط ثنائي بين العرش والشعب كطرفي العقد ولا يسمح ان يكون هذا المفهوم موضوع برنامج سياسي حكومي او برلماني, لأن البيعة هي أمانة مباشرة في عنق الملك وتعطيه التمثيلية الاسمى للشعب وللامة وعليه فلا وساطة بين الملك والشعب في هذا الأمر، ليبقى هذا المفهوم سقف الارتباط الذي لا يقبل المساس ويدخل ضمن ذخيرة المفاهيم الحية المؤسسة للتوازن والاستقرار الممتد مؤسساتيا وترابيا وبشريا للمغرب.

مفهوم الامة:
ويعني الدلالة الروحية للعقد بما يثبت الرابط الروحي الذي بايع من اجله الشعب الملك, لينوب عنه في الامور الروحية بشتى روافدها وكل متطلباتها ولا يسمح باستعمال هذه الدلالة الدينية للأمة من قبل اية مؤسسة الا بدرجة تقل عن مستوى التمثيل لجلالته، كاستعمالها من طرف البرلمان مجتمعا بغرفتيه اغلبية ومعارضة, واي استعمال للمفهوم يبقى مجازيا و الا يكون خارجا عن الصواب, لأنه لا البرلمان ولا الحكومة يمثلان الشعب في إطلاقيته, اما جلالة الملك فهو موضوع الاجماع ويمثل ذاك الاجماع بالحديث والتصرف باسم الاجماع ويتوفر بذلك على كل الشرعيات الدستورية السياسية والدينية والتاريخية والشعبية .
مفهوم الشعب:
مفهوم مرتبط بالملك بدرجة كبيرة ولا يسمح لأحد بتناول كلمة «شعبي العزيز» إلا من طرف جلالة الملك المتربع على العرش, والحكومة لا تمثل كل الشعب وتبقى تمثيليتها كأغلبية افقيا ناقصة وعموديا تمثل نفسها في مقابل باقي المؤسسات ولا تمثل بعض المؤسسات، وعليها الحديث باسم الاغلبية فقط وحتى الاحزاب لا تمثل كل الشعب بسبب العزوف وعددها المتزايد وعليها الحديث في تناولها للخطاب السياسي عن المناضلين والناخبين والبرلمان لا يمثل كل الشعب أيضا, لأنه لا يمثل جميع المواطنين ومنقسم الى معارضة وأغلبية ولا يتوفر الا على الشرعية الانتخابية وحدها.
مفهوم الرعية:
يجد هذا المفهوم سنده في الموروث الديني ويشمل كل فرد مغربي ينتمي عقديا للدين الواحد اينما كان, ويخضع في مخاطبته للمرجع الديني الاسلامي المغربي الرسمي المالكي المذهب كمنفذ لأمير المؤمنين الولائي، وان كانت البيعة تجمع المسؤولية الدينية والسياسية، ولا يمكن مخاطبة الرعايا واستعمال مفهوم الرعية الا من طرف أمير المؤمنين.
الجيش:
باعتبار جلالة الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، فإن هذا المفهوم من المجال المحفوظ لجلالته ولا يمكن مخاطبة الجيش الا من قبل الملك الذي ينفرد شخصيا بالاهتمام بهذا المجال والاطلاع على ما يمكن ان يطرأ من تطور.
الظهير الشريف:
وهو آلية تدبير ملكية ومؤسسة إصدار الأوامر ذات الارتباط بالاختصاصات الملكية, بحيث ليس من حق احد او مؤسسة اصدار الاوامر او قانون او ضبط مجال بالظهير الشريف ما عدا جلالته، ويمكن توقيعه بالعطف من طرف رئيس الحكومة.
المفاهيم العامة التداول من طرف المؤسسات
مفهوم الديمقراطية:
بحكم ان دلالاته ترتبط بكل مكونات الدولة وإطار لعملية الحكم ويتعدد استعماله بحسب الوضع والسياق من طرف البرلمان والحكومة والملك والأحزاب والجمعيات, لكن هذا المفهوم صعب الادراك وبالأحرى التنزيل, لأنه يصطدم بصعوبات ثقافية لكن تبقى المحاولات دليل على القبول بنسبية دلالاته وتعدد مضامينه وتعريفاته التي لا تلقى الاجماع بالقبول ولا بالرفض فوصفت الديمقراطية اقل الانظمة سوءا.
مفهوم الدولة:
لأن هذا المفهوم أساس النقاش الذي لا يحتكر لكون الحياة المشتركة تتأثر بمفهوم الدولة كأساس نظري لبناء الفكر الوطني العام والشامل والدقيق بمحددات السيادة أو السلطة والشعب والاقليم، واغناء النقاش بين مختلف الفعاليات، وهو مختبر التحليلات السياسية والدينية والفكرية .
مفهوم التنمية:
ايضا يعد مفهوما يشتغل عليه الجميع وهو من اصعب ما يمكن ان يناله المرء وتستعمله كل المؤسسات, ملك, حكومة, برلمان وباقي المكونات المجتمعية، وهذا المفهوم هو المحك الحقيقي لوجود الدولة وقيمة الشعب والحكم والمحدد لمستوى الحياة ومكانة الإنسان المادية والمعنوية.
مفهوم العدالة:
باعتبار القضاء أساس العدالة والتحكيم وحل المشاكل المترتبة عن النزاعات، يبقى القضاء مؤشر على نوع السلوكات والممارسات وضمان السير السليم للدولة والحفاظ على الحقوق كاملة دون اعتداء، كما ان استقلاليته تدل على انه موضوع نقاش لتحقيق الحياد والعدل.
مفهوم الوحدة الترابية:

وهذا المفهوم يندرج ضمن المفاهيم المتداولة شعبيا ورسميا سياسيا ومدنيا، فهو مبدأ من مبادئ المواطنة لكون التراب يجمع كل المكونات السياسية والروافد الثقافية وعليه نجد كل المؤسسات تستعمل هذا المفهوم كجواز مرور وكسند للقول بالانتماء للوطن والتمتع بالحريات المختلفة والتحلي بالاستعداد للتضحية وشرعنة الممارسات.

2 – الاستقامة السياسية

بالرجوع إلى حدث ثورة الملك والشعب الذي قام على فكرة أخلاقيات الارتباط بالوطن من أجل التحرير والاستقلال والتحام العرش والشعب وتوقيع وثيقة تاريخية أعطت الحرية للمغرب، تبعتها مشاكل ممارسة السلطة، وافتقدت أخلاقيات الفعالية لمدة معينة، على أن كل الدول تعاني مشكل الاخلاقيات في تدبير الشأن العام بنسب متفاوتة، أساسها كون بعض المؤسسات لا تكترث بالأخلاقيات في مهنيتها، كما أن الأحزاب أيضا لا تستثمر الأخلاقيات لتفعيل أداء المنتخبين، فخرج المغرب من أزمة الاحتلال وبقيت لا أخلاقيات التنمية ما بعد الاستقلال رغم وضوح القواعد الدستورية والسياسية اللازم احترامها من طرف الفاعلين، بتوضيح الحقوق والواجبات المرتبطة بعملية تدبير الشأن العام بشكل سليم وطنيا وترابيا وفق تصور ومعايير متوافق عليها تنطلق من جودة الانتخابات وكفاءة النخب وتحديد الاهداف بشكل دقيق ومسبق، وجعل الأخلاقيات سند الفعالية من أجل التنمية.
فالديمقراطية وسيلة لتوضيح الروابط المختلفة في الدولة وهي مجموعة مبادئ للممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل أصبحت اطارا نظريا للحقوق والواجبات على المستوى الوطني والمحلي.
لهذا نجد الجماعات الترابية ماتزال تتخبط في العديد من المشاكل وتعاني كثير من الجماعات القروية من الأمية والجهل والفقر والهشاشة وفق ما تشير اليه المندوبية السامية للتخطيط، بل هناك جماعات استفحل فيها الوضع وتقتضي المعالجة بحلول استثنائية ولا تراعي استشارة المواطن المفقود او الضعيف الارتباط المقنع بجماعته.
فالأخلاقيات تقتضي عدم تخلي السلطة المركزية عن مراقبة تدبير المصالح العمومية, فالوضع قد ينتقل من الشك في فعالية المؤسسات الى اليقين بعدم جدواها، وتغيير الخطابات الفضفاضة والغامضة والفارغة التي افتقدت معها الثقة في بعض المؤسسات.
إن خطة تخليق الحياة السياسية واحترام المواقع والجبهات بهدف استعادة الثقة المفقودة في النخب السياسية والادارية تتطلب فتح المتابعات ضد شخصيات عمومية أخلت بالقانون والمهنة كتجاوز شرف المهنة جنائيا اذا كانت المخالفة جنائية، أو تأديبيا اذا كانت المخالفة تمس بالنظام الأساسي للمهنة أو أخلاقيا اذا تعلق الأمر بمخالفة نظام الأخلاقيات والآداب والاستقامة. كما فعلت اوربا منذ 1966 في اطار الأيادي النظيفة حيث أعطى ذلك نتائج مهمة، مما يتطلب تجاوز فكرة استحالة مطاردة الساحرات والتشبث بفكرة تعظيم الوطن وتغيير رتبة المغرب العالمية في الفساد، وبذل المجهودات وفق مقاربتي الزجر والوقاية، لاسيما وان النص التشريعي الدولي لمحاربة الفساد موجود ويسمح بإصدار مدونة للسلوك من أجل الاداء الصحيح والسليم للشأن العام وفق الدستور والقوانين الوطنية.
إن الاستقامة السياسية تترجم باستحضار الجدية والمعقولية المفقودة، فلا مجال للحديث عن التنمية الا بالتركيز على العنصر البشري والرأسمال غير المادي، والاحزاب ما تزال بعيدة عن المطلوب والمقاعد المعدودة في هياكلها معطى اساسي لمعرفة قيمة حضورها وعملها بكل مناطق البلاد، بحيث نجدها مطوقة بتنافسية لا تليق بالأبجديات السياسية ولا حتى بتعريف الشأن العام، بل الصراع سبب للتخلي عن شرف العمل الحزبي لدى الكثير، والدعاية والحملة والتواصل الانتخابي دليل على نفاد مصداقيتها وانحطاط العمل الحزبي بسبب اللاأخلاقيات التي تفشى ذكر مظاهرها بين المواطنين في كثير من المناطق، وغياب بنية حزبية مناسبة وبرامج دقيقة وواقعية كلها مكامن خلل في النسق الحزبي، مما جعل صوت المواطن بخيس القيمة بسبب تخلي الأحزاب عن رسالتها النبيلة في تخليق الحياة العامة وغياب مراقبة شاملة للسلوك الانتخابي، وضمان وصول كفاءات لمنابر التدبير التنموي، واحترام مقتضيات قانون الأحزاب بنكهة أخلاقية وتخطي البراغماتية السلبية والمبررة للحفاظ على الوضع دون تنمية بالانتقال الى براغماتية ايجابية تتخطى الحواجز اخلاقيا لتحقيق التنمية .

* مختص في الحياة السياسية

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

26 غشت 2014