عن صحيفة العرب عبدالواحد مشعل [نُشر في 26/08/2014،

حالة الركود الفكريّ التي تعيشها المجتمعات العربية، والتي أسهمت عوامل عدّة اقتصادية وجيوسياسية واجتماعية في تثبيتها وديمومتها، ليست عصيّة على المعالجة متى تمّ تحديد مواطن الداء والوقوف على أسباب الخلل في خطوة أولى “توصيفيّة” تتبعها خطوات أخرى عمليّة تسعى إلى تجاوز هنات الماضي قصد التأسيس السليم لمستقبل أفضل.
من ينظر إلى حال العرب اليوم تنتابه حالة من الخوف والقلق، وتبرز أمامه جملة من التساؤلات والمسائل التي تحتاج إلى إجابات عميقة، من أبرزها هل يتمكن العرب من أن يبعثوا روح التجديد والإبداع التي برزت في أعالي حضارتهم خلال التاريخ، أي هل بوسعهم أن يكونوا أمة حيوية منتجة؟

تُجمع الآراء على اختلاف توجهاتها، أن ذلك يعدّ ممكنا إذا ما توفّرت الشروط الفلسفية والعلمية اللازمة. وتحققت شروط الانبعاث بطريقة تستجيب لحضارة العصر والمساهمة في صنعها، وإضفاء الجانب المشرق من أخلاق العرب عليها.

كما تجمع الآراء على أن بناء نهضة حضارية مبتكرة لا يمكن أن يتم إلا بتوافر شروط البحث العلمي التطبيقي الذي يأتي استجابة لشروط النهضة الحضارية نفسها، أي الفكرة والإنسان الذي يحملها.

محنة البحث التطبيقي

لا تزال إشكالية البحث التطبيقي وربطه بمشكلات المجتمع تشغل الباحثين في مجال الدراسات الاجتماعية، لاسيما في عدم توفر الظروف العلمية لتطبيقه بشكل حقيقي في المجتمع العربي.

ولا تزال هذه البحوث تنحو منحى منفصلا نسبيا عن الواقع الاجتماعي، أغلبها مقتصر على الحصول على الشهادة الأكاديمية أو الترقية العلمية، وهي تدور في دائرة ضيقة لا تلتحم بقاع المجتمع (باحثا وبحثا)، وإجراؤها في أحيان كثيرة يتم شكليا. ويرجع ذلك إلى ضعف التأهيل العلمي المطلوب وضعف ثقافة الباحث ووعيه بقضية مجتمعه. كما أن الدولة في المجتمع العربي لم تعط البحث العلمي اهتماما كافيا، ولم يموّل بالشكل الذي يستحقه. كذلك لا يثق القطاع الخاص في جدوى البحوث العلمية لحل أية مشكلة يعاني منها.

ولا يقتصر الأمر عند ذلك إنما يتعداه إلى المنهج المستخدم، إذ لا تزال الوسائل والأدوات المتبعة تقليدية، غير قادرة على الإقناع بأهمية البحث العلمي. فالإنسان العربي لا يثق بها، ويعتبرها صورة علوية، يقوم بها باحثون قد لا يرتبطون بواقع المجتمع.

إطناب نظري

نظرا لقلّة الحيلة يتّجه كثير من الباحثين العرب نحو التجريد الأفلاطوني، ويعمدون إلى إعادة ما يقولوه غيرهم، ومن وجهة النظر العلمية الموضوعية المعالجة يُعتبر ذلك إهانة للقارئ. لذا نجد أنّ البحوث والدراسات تحتوي على كثير من الإطناب النظري، وهي في مجملها غير قادرة بشكل مفصلي على الإجابة عن مشكلات المجتمع العربي. ومن هنا يكون الحديث عن نهضة عربية ملحة، أمرا يشغل المهتمين بقضايا النهضة العربية أو أولئك الذين يطرحون المشروع النهضوي العربي، دون أن تتوفر شروط النهضة نفسها، ولاسيما القضية أو الرؤية التي تقوم عليها. وطالما أنّ المؤسسات الأكاديمية تشهد تراجعا ملحوظا أو هي على أقل تقدير غير قادرة على الخروج من التقاليد النظرية، التي نقل أغلبها عن الأدبيات الغربية أو هي أسيرة التنميط الغربي، فإنّ غياب الفكرة التي يمكن الانطلاق منها، بالشروط العلمية العربية وحتى الفلسفية، مازال قائما، فلا يزال التنميط الثقافي الغربي العولمي مسيطرا على الباحث العربي، ولا يمكن الخروج منه إلاّ بفهم التحولات الحضارية الجارية في المحيط العالمي والعربي.

شروط النهضة العربية

يضع الفيلسوف العربي الجزائري مالك بن نبي شرطين رئيسيّين لنهضة أيّة أمة، أولهما الفكرة وثانيهما الإنسان القادر على حملها، والانطلاق بها وفق مسؤوليته التاريخية في فضاء حضاري منتج، والأمة العربية اليوم بحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى هاتين القاعدتين كي يتسنّى لها اللّحاق بالأمم المتطورة، وإنقاذ أبنائها من حالة الضعف والهوان التي تسيطر عليهم. والفكرة هنا هي بمثابة القاعدة التي تستند إلى استقراء موضوعي للتاريخ الحضاري واستحضار منابعه الصافية والتخلص من الأدران التي ابتُلِيَ بها تاريخنا الحديث لتنطلق تلك الفكرة من جوهر حضارة العرب أصلا، وهكذا كانت نَهضَةُ أمّة العرب في عصورها الذهبية مستندة على فكرة الإسلام ونهضة أوروبا على فكرة الليبرالية، وهكذا ينبغي الاعتماد على فلسفة علمية عربية غير مقلدة لأحد، بل مبتكرة ومتفاعلة مع الحضارة الإنسانية. ولا يمكن لذلك أن يتمّ إلاّ بتشييد مؤسسات عربية تأسيسية لإنقاذ الأمة من حالة الانكسار، وتنقية تاريخها وتراثها من كل دخيل عليها حتى تستعيد عافيتها، وبالتالي يستعيد الإنسان العربي عافيته، لأنّ ذلك يعدّ السبيل الوحيد لتجاوز الإشكالية القائمة. وفي هذا السياق، لعل فكرة مالك بن نبي، لا تأتي من فراغ إنّما هي وليدة استقراء دقيق لنهضة الإنسان خلال التاريخ، وقدرته على صنع الحضارة حينما يكون نقيا مبتكرا مؤمنا بقضية جوهرية. حينئذ يكون قادرا على تحقيق التحول المفصلي والبنيوي لمجتمعه، أي يكون واعيا بمسؤوليته التاريخية، ولعل إشكالية النهضة العربية الحديثة تكمن في هذين الجانبين تحديدا.

وفي هذا الإطار، وجب التنبيه إلى أنّ العالم يتغير من حولنا بسرعة، وهناك نماذج حضارية بدأت تفرض نفسها على الساحة الحضارية العالمية مثل الصين والهند وماليزيا وغيرها، ما يجعل منطق التاريخ يحتم علينا البحث على موقع حضاري على خارطة العالم المنتج والمبتكر، يمكنه أن يُعبر عن جوهر مشروع العرب “النهضوي”، من خلال تبني أسلوب البحث العلمي التطبيقي الّذي يكتشف مواطن الخلل في البنيان الاجتماعي، ويضع الإنسان العربي أمام صورة جديدة يكون فيها متحديا لكلّ مشكلاته السياسية والثقافية والتكنولوجية، وقادرا على تأسيس الدولة الشجاعة (الإرادة السياسية الصلبة) القادرة على الاضطلاع بذلك دون تردد.

تخطيط علمي

لا مناص من البدء بمرحلة التأسيس العلمي، لمنهج ومؤسسات تُعنى بتصحيح المسار الحالي للمجتمع العربي وتنقيته من الأفكار والرؤى التقليدية، وأن يجري ذلك على مستويات عدة أبرزها المستوى الديني وإعادة قراءة الواقع العربي الإسلامي قراءة نقدية تشخص الخلل في بعض الأفكار الدينية التي ذهبت ببعض أبناء الأمة نحو التطرف وتبنيهم لأسلوب العنف في التعامل مع القضايا المختلفة.

في هذا الإطار لابد من التخطيط الناجح الذي يهيئ الأرضية الصلبة لنهضة العرب، وفق أصول الفكرة وروحيتها التي قامت على أساسها حضارة العرب، وبأسلوب حضاري متفاعل مع التطورات التاريخية الحديثة.

وهذا لا يأتي من فراغ، إنّما يتنزّل من فهم حاجات الإنسان العربي منذ طفولته إلى كبره، وهو يعاني أشدّ المعاناة فقرا وخوفا وتهميشا واضطهادا في محيطة المحلي سواء العائلي أو المجتمعي المحلي الذي يتعامل معه بصفة يوميّة، أو على المستوى السياسي والفكري وتعامله الحياتي في إطار الدولة، وفهم حالة الاختناق الذي يعاني منها. لذلك فإنّ فهم بيئة الإنسان العربي فهما موضوعيا، يعطي دفعة للمخلصين من أبناء الأمة سواء على مستوى صنع القرار أم من المفكرين والمثقفين، لصياغة رؤية ورسم خطة متكاملة للخروج بالإنسان العربي من واقعه الصعب الذي طالما أنتجت مرارته سلوكا عنيفا يشجّع على التطرف والإرهاب، وكذلك السخط على الحياة نفسها.

مواجهة التحديات

أمام العرب تحديات كبرى في المرحلة الحالية عليهم أن يكونوا مستعدين للتصدي لها، أولها التحدي العلمي التكنولوجي والتخلص من الأسلوب الفلسفي التجريدي في معالجة القضايا التي يعاني منها الإنسان العربي، والدخول فورا في دراسات تطبيقية قادرة على سبر الواقع وكشف علله. فنحن الآن بحاجة إلى نتائج ولسنا بحاجة إلى تفاصيل سردية، وينبغي علينا أن نركّز على تنمية البحث العلمي الطبيعي والتكنولوجي للدخول إلى عالم الصناعة كمبتكرين ولا كناقلين، وهو ما يتطلب تأسيس هيئة علمية عربية تجمع علماء الأمة وباحثيها لإنتاج أفكار علمية تأخذ مجالها نحو التطبيق الفعلي. وثانيها التحدي الثقافي والفكري، فالأمة اليوم تعيش حالة من التردي الثقافي والإنتاج الفكري، وهي تواجه مشكلة التنميط الثقافي العولمي والتنميط الثقافي المحلي التقليدي، لذا ينبغي على مفكري الأمة وقادتها مراجعة هذه المسائل والخروج بفكرة جديدة تضع أمام الأجيال الجديدة رؤى مستحدثة تكون متفاعلة مع قضايا الإنسان العربي وضميره الحي. أمّا التحدّي الثالث فهو منوط بالفقر والجهل والتهميش، حيث أنّ الإنسان العربي ما يزال في أغلب بقاع أرضه يعيش حالة من الكفاف أو هو تحت خط الفقر، ومازالت الأماني والطموحات التي يحلم بها الشباب العربي تتكسر يوميا أمام نظرهم تحت سلطة التقاليد والقهر السياسي، الأمر الذي نتجت عنه حالة من الإحباط والشعور بالحيف والظلم.

ولذلك ينبغي على صناع القرار وأصحاب النفوذ في هذه الأمة استبدال حالة الركود والاستسلام بحالة أخرى أكثر نجاعة من الحركة والشروع بالتنمية البشرية وفق الإمكانيات البشرية والتخطيطية والاقتصادية. أمّا رابع التحديات، فيتعلق بحالة التقسيم والصراعات المحلية الطائفية والعرقية و”المناطقيّة” التي تجري اليوم ولاسيما بعد مرحلة الربيع العربي.