عن صحيفة العرب حواس محمود [نُشر في 27/08/2014، العدد: 9661،

 

يتابع الباحث نبيل علي في كتابه “العقل العربي ومجتمع المعرفة” من سلسلة عالم المعرفة رفد المكتبة العربية بكل جديد فكري معرفي، لخدمة الثقافة العربية، وذلك بالغوص في تطورات العملية المعرفية في العالم وإمكانية أن تنعكس على العالم العربي في شتى مجالات وميادين الحياة المعرفية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
في كتابه “العقل العربي ومجتمع المعرفة” يتناول الباحث نبيل علي المعرفة، باعتبارها صناعة مثلها مثل الصناعات الأخرى، إذ تقوم صناعة المعرفة على ثلاثية مكونة من الآلة، والآليات التي تستخدمها هذه الآلة في تصنيع منتجاتها يتمثل شق الآلة في ثلاثية العقول: العقل الإنساني والعقل الآلي والعقل الجمعي، فلم يعد إنتاج المعرفة حكرا على العقل الإنساني بل يتقاسم معه العقل الآلي هذه المهمة بفضل الذكاء الاصطناعي وهندسة المعرفة.

العقول الثلاثة

أما العقل الجمعي فيحتشد فيه جماع العقول الإنسانية والآلية، مكونة ما يعرف بـ”الذكاء الجمعي”، الذي يمثل قدرة المجتمع على المنافسة في مجتمع المعرفة، أما شق الآليات، فيشمل أطوار التفكير المختلفة، وأهمها التفكير النقدي والتفكير الخلاق أو الإبداعي، أما في ما يتعلق بشق المنتجات فيشمل صنوف المعرفة المختلفة. ويقصد بمجتمع المعرفة، ذلك المجتمع القادر على إنتاج المعرفة واستهلاكها، ويتطلب ذلك انتشال العقل العربي من كبوته الحالية.

في الفصل الأول “العرب والسباق الحضاري”، يتناول المؤلف عناصر الدفع لتطور المجتمع الإنساني المعاصر من منظور مجتمع المعرفة، ويجدها في ما يلي: الدفع التكنولوجي، ويرى أن موقف العرب الراهن من التكنولوجيا مثله مثل مواقف أخرى عديدة محكوم بعاملين: عامل داخلي من صنع أيدنيا وعامل خارجي من صنع غيرنا، يتمثل العامل الأول في تلك التبعية التكنولوجية المترسخة، التي تصل في كثير من الأحيان إلى انعدام الإسهام، وتسليم المشاريع على الجاهز، ويرى أن العرب ارتضوا أن يحيلوا جل مشاكلهم إلى الخبرة الأجنبية، من إقامة المصانع إلى نظافة الشوارع، وأن يوكلوا لغيرهم قرارهم التكنولوجي إلى أن أصبحوا يستوردون رؤاهم المستقبلية وإستراتيجيا التنمية التكنولوجية وخططها الإجرائية.

والدفع العولمي، فإنه يرى أن العولمة والمواقف منها، تراوحت بين التأييد والرفض، فهنالك من يرى ضرورة التسليم بها بصفتها مرحلة تاريخية في مسار تطور المجتمع الإنساني، بل يتوسم بعض منهم في العولمة خيرا للعرب من أجل مشاركة الديمقراطية، وضمان حقوق الإنسان، والإسراع في حركة التنمية المجتمعية وتوطين التكنولوجيا المتقدمة في التربة العربية. على النقيض من ذلك هناك من يرفض العولمة وجميع الأسس التي قامت عليها، ويرى العولمة شرا وتغريبا يهدد هويتنا القومية، ويوهن قدرتنا على التنمية الذاتية. ويصل الصدام الأيديولوجي إلى حد العداء السافر، عندما تختزل القضية في صراع بين عولمة القرن وعالمية الإسلام، ولا ننسى وجود موقف توفيقي يدعو إلى رفض العولمة أساسا مع انتقاء بعض من مزاياها.

يشير المؤلف إلى عدم تحقيق الاقتصادات العربية درجة من النضج تؤهلها لمناطحة القوى السياسية، وهو دافع أدّى بالاقتصاد العربي إلى أن يتشكل وفقا للهوى السياسي، وربما يفسر ذلك فشل إقامة الوحدة الاقتصادية العربية على الرغم من عظمة المنافع التي يعد بها التعاون الاقتصادي الإقليمي، فليس هنالك من سبب سوى غياب الإرادة لدى القيادات السياسية في الأقطار العربية، التي تمانع بشدّة أيّة قيود يمكن أن يفرضها التعاون الإقليمي على ما تتمتع به من حرية مطلقة في اتخاذ القرار الاقتصادي.

ثالثا، دفع القوى السياسية، يشير المؤلف إلى ضعف الموقف السياسي العربي في المحافل الدولية إذا ما قورن بسلوك دول مثل الهند والبرازيل وغيرها من دول أميركا اللاتينية، التي تتسم مواقفها بالجسارة والصمود أمام الضغوط التي تمارسها عليها القوى العظمى.

فما أسرع ما يتمثل المفاوض العربي بدلا من أن يمثل شعوبه تمثيلا يليق بمكانتها وإمكاناتها، ويعبر عن طموحاتها، ومن أسباب ذلك الضعف أن المفاوض العربي لا يعدّ نفسه إعدادا كافيا لخوض المعارك الساخنة التي تشهدها ساحة الديبلوماسية الدولية.

بناء المعرفة

ويتناول المؤلف في الفصل الثاني، المعرفة والجوانب المتعلقة بها، مشيرا إلى كثرة الحديث عن مجتمع المعرفة، حتى طغى صخبه على حديث كان لا بدّ من أن يسبقه، ويمهد له: حديث عن المعرفة ذاتها، إذ جعلت تكنولوجيا المعلومات سؤال المعرفة أكثر، فمجتمع المعرفة وليد هذه التكنولوجيا، يفرض ضرورة مواجهة المعرفة وجها لوجه، ويتناول تزايد أهمية المعرفة، إذ يرى أن المجتمع الإنساني ليس وليد نظمه السياسية أو الاقتصادية بقدر ما هو صنيعة نظام التواصل الذي يسري في أوصاله، فهذا النظام هو الذي يصنع من المجتمع واقعا، ويتطلب التواصل الفعال في المقام الأول درجة عالية من الشفافية.

يتطرق الكتاب إلى إساءة استخدام المعرفة، فيقول بأن تاريخ البشرية هو تاريخ المعرفة، وهو تاريخ حافل بما يثبت أن المعرفة، كما يمكن أن تبني وتعمر وتنظم، يمكن لها بالقدر نفسه أن تدمر وتخرب وتبعث على الفوضى، ومعظم ما كابدته البشرية من محن يرجع إلى إساءة استخدام المعرفة من قبل من بيده القوة، جاعلا منها سلاحا لفرض إرادته وترسيخ سطوته. وينتقد المؤلف إقصاء فئات واسعة من المشاركة في إنتاج المعرفة واقتصارها على النخب، والمعرفة -بحسب المؤلف- هي ذات قوة دفع ذاتي التوليد معرفة جديدة، سواء بدافع الحاجة إليها لحل إشكاليات عجزت المعرفة القائمة عن حلها أو حتى بغير هذا الدفع.

وفي الفصل الثالث الموسوم بـ”فلسفة المعرفة رؤية معلوماتية” يتناول فيه علاقة الفلسفة بالعلم وتكنولوجيا المعلومات، من خلال مناقشة أنه إذا كانت الفلسفة هي المنظار الأيديولوجي الذي نرى من خلاله الواقع من حولنا، فقد أصبحت تكنولوجيا المعلومات هي الوسيط بين إنسان العصر وواقعه، يراه من خلال التلفزيون وشاشات الكمبيوتر وبانوراما الأنترنت وشاشات الهاتف المحمول ونظم الاستشعار عن بعد.

أما في الفصل الرابع: فيعالج المؤلف موضوع علوم المعرفة وتقنياتها وفنونها وفقا للإطار الشامل لمعارف المعرفة. ومن هذه العلوم علم اجتماع المعرفة ويرى المؤلف هذا العلم رؤية معلوماتية، فيقول بأن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قد صنعت مجتمعا جديدا مغايرا تماما لسوابقه ألا وهو مجتمع المعرفة.

ويخصص المؤلف الفصل الخامس لتناول فرص إسهام العرب في إنتاج المعرفة وفق رؤية معلوماتية. ويتضمن هذا الفصل نظرة تاريخية لرواد إنتاج المعرفة عالميا وعربيا، وكذلك الفضاء المعرفي الشامل، من منظور عربي. وذلك بالموقف من المجال التكنولوجي، والموقف من علوم الطبيعيات، والموقف من علوم الإنسانيات ومن العلوم الصورية والفنون. وكذلك تصنيف الدول العربية تكنولوجيا.