الدكتورة نجاة المريني: كانت المدارس الوطنية نبراسا لتكوين النخبة المغربية غداة الاستقلال *على الجهات المعنية إيلاء الاهتمام بالتراث جمعا وتحقيقا ودراسة حفظا للذاكرة الوطنية وللهوية المغربية
الدكتورة نجاة المريني أستاذة التعليم العالي ، شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية آداب الرباط معروفة بمسارها الدراسي والاكاديمي وبمساهماتها الفكرية خصوصا في مجال التراث الأدبي من خلال مؤلفاتها ومن خلال المقالات المختلفة التي تنشرها أو من خلال مساهماتها في اللقاءات والندوات .
اهتماماتها متنوعة ، منها ما يتعلق بالتراجم ، خاصة التعريف ببعض الأعلام المغاربة ، منها أعلام في الذاكرة والوجدان في ثلاثة أجزاء ، علامات نسائية في نبوغ المرأة المغربية ، محمد عواد رجل دولة أصيل ، وغيرها .
ومن مؤلفاتها التي عنيت بتحقيق التراث الشعري المغربي : شعر عبد العزيز الفشتالي ،الشعر المغربي في عصر المنصور السعدي ،شعر أبي العباس احمد بن القاضي ، ديوان طلائع اليمن والنجاح ، من نوادر مخطوطات المكتبة المغربية ، وتحقيق رحلة ابن حمويه السرخسي وغيرها من المؤلفات التي طبعت مسارها الأكاديمي في العناية بالتراث الأدبي المغربي جمعا وتحقيقا ودراسة.
للحديث عن هذا المسار التقينا الدكتورة نجاة المريني وأجرينا معها هذا الحوار:


س: هل يمكن أن تحدثي القراء قليلا عن نشأتك ومسارك الدراسي والأكاديمي؟
ج: أنا ابنة مدينة سلا ، أنتمي إلى أسرة محافظة ومتفتحة في آن واحد، تلقيت تعليمي الابتدائي بالمدرسة المحمدية والثانوي بمدرسة النهضة ،وهما مدرستان حرتان ساهمتا في تكوين نخبة من أبناء المدينة وغيرهم ممن كانوا يقصدون مدينة سلا للدراسة والتكوين .حيث كانت المدارس الحرة منجما لتكوين أجيال من التلاميذ المعتزين بهويتهم الوطنية وبلغتهم العربية وبالقيم الإسلامية الرفيعة ،
أما تعليمي الجامعي فكان بكلية آداب الرباط ، جامعة محمد الخامس ، فحصلت على الإجازة في اللغة العربية وآدابها وعلى دبلوم الدراسات العليا ثم على دكتوراه الدولة من نفس الكلية ومن نفس الجامعة .
عملت أستاذة للغة العربية بثانوية الأميرة للانزهة وبثانوية الأميرة للا أمينة بالرباط وبالمركز التربوي الجهوي ، ثم بالتفتيش الثانوي إلى أن التحقت بكلية الآداب سنة 1984 أمارس بها تدريس الأدب المغربي بسنوات الإجازة .


س : لماذا الاهتمام بالتراث الأدبي المغربي ؟
ج: يعود اهتمامي بالتراث الأدبي المغربي إلى الرغبة في التعرف إلى الشخصية الأدبية المغربية وإلى ما تزخر به الخزانة المغربية من مؤلفات تكشف عن نبوغ المغاربة منذ عهد المرابطين في مختلف فنون الكتابة شعرا ونثرا ،إضافة إلى أن برامجنا التعليمية كانت تحفل فقط بنماذج من الأدب العربي في المشرق، مما كان يفوت علينا معرفة ما للمغاربة من عطاء وإبداع في الميدان .
ولعل البداية كانت محاولات جادة في التعامل مع شِـقٍّ من هذا التراث عن طريق المخطوطات ، وعن طريق تلمُّس مظانّها بخوف وحذر، وانصب اهتمامي أول الأمر على جمع شعر الشاعر المؤرخ عبد العزيز الفشتالي من المظّان المختلفة لنيل دبلوم الدراسات العليا ، شجعني على خوض هذه التجربة الصعبة الجديدة في آن واحد أستاذي الدكتور عباس الجراري وأستاذي العلامة عبد الله كنون .
هكذا بدأت رحلتي مع الأدب المغربي بحثا في تراثه من خلال المخطوطات المختلفة سواء كانت كتب تاريخ أو أدب أو فقه أو تراجم أو غيرها
البحث في المخطوطات لم يكن سهلا ميسرا ، إذ لم أكن متعودة عليه ولم تكن لي به سابق معرفة، لذلك كان التعامل مع المخطوط صعبا وشائكا ومزعجا في نفس الوقت ، لقد ركبت هذا المركب الصعب بحب وتـحـدٍّ وجــدٍّ، وأصبح الاهتمام بالنبش في المخطوطات والتعرف إليها مطمحي لنفض الغبار عن بعض ما استطعت جمعه وتحقيقه من دواوين شعرية مغربية خاصة ما يتعلق بعصر المنصور السعدي .
وقد دفعني الشغف بالمخطوط العربي أن أشرفت على تأسيس وحدة للتكوين والبحث في إطار الإصلاح الجامعي ( 1998) ، سميتها ” وحدة تحقيق المخطوط العربي ” للحصول على دبلوم الدراسات العليا المعمقة ، تستغرق الدراسة بها سنتين جامعيتين ، ـتـتمحور الدروس فيها حول المخطوط وقيمته وكيفية التعامل معه مع ما يقتضيه الدرس من إلمام بعلوم الآلة والتاريخ وغيرها ، وبعد انتظام الطالب بهذه الوحدة خلال هاتين السنتين الجامعيتين بنجاح يحصل على ” دبلوم الدراسات العليا المعمقة ” وذلك بعد مناقشة موضوع يهـم تحقيق جزء من مخطوط مغربي أو أندلسي ،ومن ثم فقد أشرفت على بحوث كثيرة في تحقيق نصوص مغربية لنيل درجة الدكتوراه ، وقد لقيت هذه الوحدة ترحيبا من طرف الأساتذة والطلبة الذين تمكنوا من تكوينهم في موضوع لم يكن الترحيب به واردا من قبل .


س: ما هي الصعوبات التي اعترضت مسارك في ميدان المخطوطات ؟
ج. أكثر الصعوبات إزعاجا للباحث ، هو انعدام الدعم المادي والمعنوي ، وانصراف الطلبة بصفة عامة على ولوج هذا الميدان لصعوبته ولمساره الطويل ، إلا القليل ممن استهواهم البحث في المخطوط ، إذ أغلب الطلبة ينصرفون إلى الأدب الحديث المغربي والمشرقي بصفة خاصة ، وإلى الرواية والقصة وإلى غيرها من الموضوعات التي تـتوفّر مصادرها وتـتعـدد ، . أما تحقيق النصوص من خلال قراءة المخطوط فهو عمل مختلف ، يتطلب أدوات وآليات كثيرة وسعة أفق معرفي ولغوي ، كما يتطلب صبرا كثيرا ومتابعة مستمرة.
ومن الصعوبات ما نلمسه من تخوّف دور النشر من الإقــدام على طبع الأعمال المحققة في التراث ، فالسؤال دائما ، هل سيكون الإقبال على هذه المنشورات مضمونا ،في الوقت الذي نرى التشجيع لما يصدر من روايات ومجموعات قصصية ودواوين شعرية ، وإن كانت مستوياتها بين الجيد والرديء.
نقطة أخرى تـتعلق بتوزيع ما ينشر من كتب التراث ، فالباحث بعد جهد مضن وعمل دؤوب يحقق به طموحه العلمي ، يغامر بنشر مؤلفه التراثي على حسابه الخاص ، لتعترضه مشكلة كبرى هي التوزيع ، فلا بد من حل لهذه المشكلة ،إذ على وزارة الثقافة أن تساهم في توزيع ما يطبع من كتب التراث في المغرب وخارجه ، وأن تقــتــني أيضا كما لا بأس به من هذه الكتب لتوزعـها على المكتبات الجهوية التابعة لها في ربوع الوطن ، ومن ثم يطمئن الباحث إلى أن جهده يحظى بعناية خاصة ، فيجتهد لمتابعة العمل دون كلل أو ملل .
كما تجب الإشارة إلى دور وزارة الثقافة في وجوب الاهتمام بنشر التراث المغربي الذي يعمل على تحقيقه ودراسته طلبة الجامعة المغربية ، ذلك أن الإحجام عـن طبع الأعمال االتراثية المحققة ، وتشجيعها لنشرها يخلق حالة من العزوف عن متابعة العمل في الميدان ، في الوقت التي تشجع الوزارة على طبع الإصدارات الروائية والشعرية ، كيفما كان نوعها دون خضوعها لميزان مراقبة صارمة . كما تجب الإشارة إلى دور مصالح الوزارة المختصة في تخصيص جوائز تقديرية للطلبة الباحثين في التراث والمنقبين عن جواهره في بطون المخطوطات المغربية .
إن التراث ــــــ كيفما كان نوعه ـــــ يشكل ذاكرة الأمة ، فهو مكون من مكونات الثقافة المغربية، ونشر أي مخطوط تراثي محقق يؤكد الصلات الروحية والأدبية للباحث بهويته وتراثه ،والاعتزاز بالشخصيـة العلمية المغربية عبر العصور ، وكذا الاعتزاز بما خلفه السابقون من أعمال متميزة على جميع المستويات وفي جميع الفروع العلمية ، أدبا وتاريخا وفلسفة وفلكا وفـقها وتراجم وغيرها.

عن جريدة “العلم”

29/8/2014