سدة الاستقرار؟

افتتاحية جريدة الاتحاد الاشتراكي

الجمعة 5 شتنبر 2014

 

استطاعت بلادنا أن تختط لها سيرة سياسية، كانت محصلة للصراع الذي دار حول مفهوم الدولة الوطنية الديموقراطية، ومضامينها التحررية والتعددية الحقيقية.
وكان لهذه السيرة السياسية، والسيادية في الآن ذاته، عنوان بارز وكبير، مفاده الاستقرار والتقدم على طريق الاصلاح.
وكان لابد للاتحاد الاشتراكي، والذي يقدم نفسه باستمرار على أساس كونه حركة إصلاحية، ذات مضامين شعبية، وهي في الوقت ذاته تعتبر وظيفيا وتاريخيا استمرارا لحركة التحرير الشعبية، كان لابد له من أن ينبه الى هذه الحقيقة التاريخية، بعد أن بدأت الاصوات الحكومية ، في سياق ابتزازي واضح، تقدم الاستقرار الوطني كما لو أنه ثمرة وصولها إلى سدة الحكم.
ومن بين دعائم هذه الحقيقة هي:
1- إصرار الاتحاد الاشتراكي، والقوى الوطنية الديموقراطية الصادقة على أن يبقى سقفها السياسي مرتبطا بالشرعية الوطنية النضالية، والحفاظ على سلامة الوطن
– 2 إصراره على الربط الدائم بين متلازمة الديموقراطية ومتلازمة البناء الوطني الصلب وتحصين مكتسبات التراب ومكتسبات السيادة، وهو ما جعل القاعدة الذهبية في تعامل القوى الصادقة هي قيام الاستقرار على قاعدة الوطن والديموقراطية.
-3 الاهتمام الذي أولاه الاتحاد ، كقوة وطنية ذات شرعية نضالية وتاريخية لا يعلوها الشك، في تقديم الأجوبة المناسبة كلما كانت ظروف البلاد تستدعي ذلك. بل لقد قدم الاتحاد أجوبة للبلاد ومن أجل الخروج من المآزق، التي كان النظام السياسي نفسه يقود إليها، كما هو الحال في فترات الاستثناء أو انفجار التناقضات في أعلى هرم السلطة في أواسط السبعينيات.
4- العمل بتفان وتجرد من أجل أن يدخل منطق الإصلاح، الذي ظل معطلا عقودا طويلة، إلى الفضاء الوطني، في تزامن مع تجربة التناوب، التي جنبت البلاد الاستحالة السياسية في فك التناقضات والمطالب حلا سلميا، وقد أصبح المغرب فعلا قادرا، على عكس دول المنطقة التي عصفت بها الثورات، على تقديم الجواب الذي فرضته المرحلة، وكان ذلك على قاعدة التوافق الوطني والثوابت الوطنية.
ولهذا عندما يؤكد الاتحاد، في بلاغ مكتبه السياسي على أن « صمود بلادنا في وجه موجات زعزعة الاستقرار والتقسيم والتجزئة، كان ولا يزال ثمرة التفاهم والتوافق بين المؤسسات الشرعية والأحزاب الوطنية الديمقراطية، مما مكن المغرب من التقدم في البناء الديمقراطي وحماية الاستقرار والدفاع عن الوحدة الترابية»، وهو ما يعني تحرير البلاد من دائرة التوظيف السياسوي، أو الابتزاز السلطوي، الذي يجعل كل هذه المكونات رهينة في يد قوة سياسة هنا، أو قوة سياسة أخرى مقابلها.
يعي الاتحاد أن الوطن للجميع ومفتوح لكل قواه الحقيقية والصادقة والعميقة، ولهذا لا يمكن أن نغير معادلة التوافق الوطني القادر على تجديد التعاقد في كل مرة يحتاج المغرب ذلك، وعلى تحصين الوحدة الوطنية ، للتراب والإنسان، بمعادلة أخرى تلغيه، وتلغي المشترك السياسي بين المؤسسات بدعوى أن هناك من «أنقذ» المغرب من الفتنة!
إن التوافق الوطني هو تجربة في التوافق التاريخي، ستظل لها راهنيتها ما دامت البلاد تكافح على واجهة الوحدة الترابية، والدور الاستراتيجي والبناء الديموقراطي. وهو القاعدة الذهبية، كما أشرنا في السابق، للاستقرار، لأنه يمرن الذكاء الجماعي للمغاربة على الحفاظ على ما هو أساسي. وتقديم الأجوبة التي تتطلبها كل مرحلة مرحلة.
هناك، في فكرة التهديد بالاستقرار! على عبثيتها، محاولة للسطو على مجهود وطني كبير في بناء الثقة، وتفعيل بنود التعددية الحقيقية، وإدراج منطق الإصلاح في الأجندة الوطنية بشكل مستمر، وتفعيل بند السلاسة السياسية والدورة العادية للعمل الديموقراطي، وفيها أيضا محاولة واضحة للإلغاء وفتح الباب للتشكلات غير التشكلات المحكومة بوظيفتها التاريخية في الدفاع عن البلاد والنضال من أجل السيادة الشعبية.
لهذا كان لزاما على الاتحاد أن يدق ناقوس الخطر، وينبه الى خطورة المنحى الذي تتخذه السلوكات والتفكير الذي يدافع عنه الرجل الأول في الحكومة وحزبه.
لقد قدم الاتحاد الغالي والنفيس، وقدم مجهودات أبنائه وأطره وقادته وشهدائه من أجل أن تكون قاعدة التعامل هي النضج والثبات والحكمة الوطنية، وهو ما قد يتعرض للتبديد، مع تزايد النبرة الإقصائية والتحكمية ، وترويع البلاد بالبدائل المرتجلة سريعا في غرف التجريب السياسي العابر للقارات.

5/9/2014