الحكومة لا يهمها التعليم العالي العمومي بل تأزيم الوضع وقتل الجامعة العمومية، وتعمل لإيجاد بدائل له

أجرى الحوار : مصطفى الادريسي

قال عبد الكريم مدون ، إننا سنخرج قرارات اللجنة الإدارية إلى حيز التطبيق والمتمثلة في تنفيذ إضراب وطني لمدة 72 ساعة، و مقاطعة الدخول الجامعي في حالة تعنت الوزارة في تطبيق ما تم الاتفاق حوله بخصوص الملف المطلبي للأساتذة الباحثين “. وأضاف الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي في موضوع التقاعد وتسائل: “كيف يظلم الأساتذة الباحثون مرتين، فقد سبق وأن تم إصدار مرسوم وتم تطبيقه يرفع سن التقاعد إلى 65 سنة واليوم يفكر في أن يصل سن تقاعدهم إلى 70 سنة . وهل يعقل أن يجبر الأستاذ الباحث على حل مشكل الصناديق الوطنية للتقاعد التي تم نهبها؟
وتحدث الكاتب العام للنقابة الوطنية التعليم العالي عن الدخول الجامعي لهذا الموسم والمشاكل التي تعيقه…

{ كيف تتوقع النقابة الوطنية للتعليم العالي الدخول الجامعي المقبل 2014-2015

> > في كل سنة جامعية تطرح إشكالية الدخول الجامعي وتطرح معها مشاكل لها علاقة بأعداد الطلبة المسجلين في جميع مؤسسات التعليم العالي وبأعداد الطلبة الجدد الحاصلين على الباكالوريا. هذا يؤدي بنا إلى طرح معادلة تتمثل أساسا في قدرة الدولة على توفير الوسائل والآليات والبنيات التحتية القادرة على تلبية الطلب الاجتماعي المتزايد على التعليم العالي، علما بأن عدد الطلبة لن يتجاوز 500000 طالب إلا بقليل. ولكم أن تتصوروا حال المؤسسات الجامعية حينما يصل أو يفوق عدد طلبتنا مليون طالب، كما هو الحال في الجارة الجزائر، في ظل استقرار ظروف الاستقبال، حيث أن التوقعات تؤكد أننا سنصل إلى هذا العدد خلال سنة 2020 .فماذا هيأنا لذلك سواء على مستوى التأطير أو البنيات التحتية أو الآليات المصاحبة لنوفر لطلبتنا التحصيل في ظروف جيدة. إنها معادلة لم تتوفر للدولة الإرادة الصادقة لحلها إلى حدود اليوم، والدليل على ذلك أن مجموعة من المؤسسات الجامعية لم تتمكن بعدُ من إنهاء السنة الجامعية الماضية، فالعديد من المؤسسات ستضطر قبل أن تشرع في دخول جامعي جديد، أن تنهي الامتحانات الاستدراكية للدورة الربيعية للسنة الماضية فكيف يعقل أن نتحدث عن دخول جامعي عادي والوضعية كذلك؟ !.
في هذا الدخول الجامعي نستحضر القلق الذي ينتاب جميع الأساتذة الباحثين أولا للظروف التي يشتغلون فيها ، سواء على مستوى تكوين أعداد من الطلبة تفوق كل التوقعات. فالأستاذ الباحث يؤطر أكثر من المتعارف عليه دوليا وحتى إقليميا حيث تفوق نسبة التأطير في بعض المؤسسات 200 طالب لكل أستاذ وحينما سيصل عدد الطلبة إلى مليون طالب فقد تكون الكارثة. فمن أجل المحافظة فقط على الوضعية الحالية خلال الست سنوات المقبلة، يجب أن يصل عدد الأساتذة الباحثين إلى 22 ألف أستاذ وما أظن أننا سنصل إلى هذا العدد خاصة أن ميزانية سنة 2014 لم تخصص سوى 300 منصب ولا أظن أن ميزانية 2015 ستخصص العدد الكافي للمناصب لمواجهة تزايد عدد الطلبة.
هذه الوضعية تجعلنا نستحضر المعطى الأساسي بالنسبة للأستاذ الباحث ويتعلق الأمر بالبحث العلمي الذي لا يزال المغرب متأخرا بخصوصه مقارنة مع جيرانه في الجزائر وتونس وهذا راجع بالأساس إلى أسباب ذاتية وموضوعية تتمثل الأولى في حكامة البحث العلمي، ونقصد بها السياسة العامة للدولة بخصوص البحث العلمي حيث تتعدد الجهات التي تحدد السياسات والأولويات بخصوصه بدون أن تنسق في ما بينها، هذا بالإضافة إلى هزالة ما ترصده الدولة المغربية للبحث العلمي والذي لا تتعدى نسبته 0.7في المائة من الناتج الداخلي الخام، أما الأسباب الموضوعية فلها علاقة بالظروف التي يمارس فيها الأستاذ الباحث عمله داخل مختبرات البحث التي لا يتوفر فيها، سواء على مستوى البنيات أو التدبير أو التمويل، أدنى الشروط للقيام ببحث علمي كما هو متعارف عليه دوليا… هذا بالإضافة إلى أن الشروط التي يشتغل فيها الأستاذ الباحث في تكوين الأعداد الكبيرة من الطلبة تكون دائما على حساب البحث، وهو ما يؤثر سلبا على جودة التكوين حيث حينما ينعدم البحث تنعدم الجودة.
إنها معطيات تثير القلق وتؤكد أن الدخول الجامعي المقبل لن يكون عاديا ، وما يؤكد هذا الاستنتاج بروزُ مجموعة من التوجهات في سياسة الحكومة والوزارة الوصية ستزيد من تعميق القلق.

{ هل لكم أن تحدثونا عن هذه التوجهات وهذه السياسات ؟
> > أعتقد أن الحكومة والوزارة الوصية لا يهمهما التعليم العالي العمومي وهي تعمل لإيجاد بدائل له. لقد عمدت الحكومة والوزارة الوصية خلال شهر غشت ضدا على كل الأعراف وبعيدا عن إطار العمل التشاركي مع النقابة الوطنية للتعليم العالي الذي لطالما تغنت به الوزارة وضربته عمليا عرض الحائط، إلى إخراج وتداول خمسة مشاريع لن تعمل إلا على تأزيم الوضع وعلى قتل الجامعة العمومية التي يفترض أن تكون من أولويات الدولة بعد القضية الوطنية. ويتعلق الأمر بالقانون الإطار الذي يتداول من خلال موقعي الوزارة، والوكالة الوطنية لتقييم التعليم العالي والبحث العلمي، والمرسوم الخاص بترقية الأساتذة من أستاذ مؤهل إلى أستاذ التعليم العالي وكلية الطب الخاصة، هذا بالإضافة إلى قانون التقاعد الذي وضع لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لإبداء الرأي. إن كل هذه القوانين وبالشكل الذي تم إخراجها به لن تزيد إلا في تأزيم الوضع فكيف يعقل أن نتحدث عن وكالة مستقلة للتقييم ويترأسها رئيس الحكومة؟ وكيف يعقل أن نرهن التعليم العالي بقانون تمت صياغته بسرعة قياسية ولهدف أساس لا يهتم سوى بإرضاء جهات نافذة معينة، وإضفاء شرعية قانونية على واقع فرضته دوائر ضاغطة تقتات من أزمة المجتمع المغربي، ذلك الواقع المتسم بالتكاثر المحموم لمؤسسات للتعليم العالي بالأداء، والدليل في ذلك أن مجموعة من المؤسسات خلقت لها قوانين تبرر وجودها مثل مؤسستي الشيخ زايد والشيخ خليفة اللتين خلقتا كلية للطب لكل واحدة منها، ستكون فيها التكوينات مؤدى عنها وستشرع في استقبال الطلبة بداية من هذا الموسم وبمعدلات دون المعدلات التي قبل بها الطلبة في كليات الطب العمومية، في حين نجد أبناء الفقراء الذين تصل معدلاتهم إلى أكثر من 17 لا يجدون مكانا لهم في مثل هذه الكليات؟ وكيف يوافق السيد الوزير على مرسوم يحدد الأقدمية للمرور من أستاذ مؤهل إلى أستاذ التعليم العالي في ست سنوات عوض أربع سنوات المتفق حولها مع النقابة؟ وكيف يظلم الأساتذة الباحثون مرتين؟ فقد سبق وأن تم إصدار مرسوم وتم تطبيقه يرفع سن التقاعد إلى 65 سنة واليوم يفكر في أن يصل سن تقاعدهم إلى 70 سنة، فهل يعقل هذا؟ وهل يعقل أن يجبر الأستاذ الباحث على حل مشكل الصناديق الوطنية للتقاعد التي تم نهبها؟ وهل يعقل أن يؤدي هو أو أي مواطن ضريبة الدولة التي لم تلتزم بدفع ما عليها لهذه الصناديق؟

{ كيف ستواجهون هذه السياسات وما هي الإجراءات التي اتخذتها النقابة الوطنية للتعليم العالي للدفاع عن مطالبها المشروعة؟

> > النقابة الوطنية للتعليم العالي نقابة مواطنة ونقابة جادة يهمها قبل كل شيء مصلحة الوطن، وقد أبانت عن ذلك في العديد من المناسبات وفضلت مباشرة الحوار والعمل مع الوزارة المعنية في إطار العمل التشاركي الذي رفضته الوزارة بل وأوقفته بقرار من الوزير في 11 يوليوز 2014 .وبعد أن لاحظ المكتب الوطني أن هناك تماطلا في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه عقد اجتماعا يومي 11 يوليوز و21 يوليوز لاتخاذ القرارات اللازمة لمواجهة هذه السياسة التي لن تزيد إلا من تأزيم الوضع في الجامعة العمومية التي نريد أن ننقذها ومعها المنظومة التربوية التي تعيش أزمة يعرفها الجميع.
إن هذا الوضع سيدفعنا إلى إخراج قرارات اللجنة الإدارية إلى حيز التطبيق ، والمتمثلة في تنفيذ إضراب لمدة 72 ساعة ، وسيجتمع المكتب الوطني يومي 10 و11 شتنبر 2014 لاتخاذ اجراءات أخرى قد تصل إلى مقاطعة الدخول الجامعي في حالة تعنت الوزارة في تطبيق ما تم الاتفاق حوله بخصوص الملف المطلبي للأساتذة الباحثين، هذا بالإضافة إلى أن المكتب الوطني والنقابة الوطنية للتعليم العالي ستعمل مع جميع النقابات من أجل الدفاع عن التعليم العمومي وعن نظام التقاعد بالشكل الذي يحمي جميع المواطنين وسيكون هذا التنسيق فرصة لخلق الجبهة الوطنية الديمقراطية للدفاع عن الجامعة العمومية.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

6 شتنبر 2014