داعش, هي المارد الذي أُخرج من قمقمه في سورية أولا, ثم في العراق ثانياً, بعد تآمر العديد من فصائل المعارضة السورية ضد بلدها وشعبها مع دول الخليج وبخاصة قطر والسعودية, ومع كل من سمي أصدقاء سورية, وفي مقدمتهم أمريكا وبريطانيا وفرنسا و تركيا, تحت ذريعة إسقاط النظام في سورية, وتحقيق الحرية والعدالة والمساواة والمشاركة السياسية لأبناء الشعب السوري في إدارة أمور بلادهم (أسوة بدول الخليج) كما يدعون.
ففي الوقت الذي كانت فيه هذه المعارضة السورية كما قلنا, تتآمر على بلدها مع تلك الدول, كانت تلك الدول تتآمر عليها أيضاً, وتحاول عبرها أن تُدخل إلى سورية كل (زناة الليل) ليس حباً بشعارات المعارضة وطموحاتها, بقدر ما كانت ترمي إلى إسقاط النظام السوري, واستخدام هذه المعارضة ذاتها كحصان طروادة من اجل القضاء على محور المقاومة من جهة, والتحالف الدولي المساند لها وبخاصة هنا روسيا وإيران من جهة ثانية.
إذا, الكل كان يتآمر على الكل, والكل كان يعرف أن كل طرف من إطراف التآمر على سورية بأن مصالحاً له عند الطرف الآخر يريد تحقيقها, إلا أن الطرف الضعيف يضطر دائماً أن يخضع للطرف القوي, طالما هو من يقدم له المال والسلاح والدعم اللوجستي والدبلوماسي لتحقيق أهدافه.
نعم… لقد استطاع الطرف القوي المتآمر على سورية, أن يسخر المعارضة السورية (الطرف الضعيف ) لتحقيق مصالحه, وقد قام هذا الطرف الضعيف بتنفيذ كل الأجندات التي وضعت له ضد وطنه وشعبه منذ البداية حتى الآن, وذلك وفق التالي:
أولاً : منذ بداية ما سمي بالثورة, ُطلب من زعمائها أن يقوموا بتهجير أهلهم وذويهم ومن انطلت عليه اللعبة من أهلنا السنة إلى خارج الحدود السورية, تحت ذريعة أن الدولة السورية هي من قام بتهجيرهم لأنهم سنة, وذلك لتغذية البعد الطائفي الذي اشتغل عليه الطرف القوي أكثر من عقود ثلاثة. وقد نجحوا في تأجيج اللعبة الطائفية, وحاولوا استخدامها من أجل تحقيق منافذ ومناطق آمنة وغيرها في الجغرافية السورية بطريقة قانونية, بعد أن تمت عملية التهجير, إلا أنهم فشلوا في هذه اللعبة, ودفع أهلنا السنة الذين هاجروا, الثمن غالياً من كراماتهم وصحتهم, بل تحولوا إلى وسائل وأدوات ارتزاق بيد من هاجروا, أو هُجروا إليهم من دول الجوار.
ثانياً : عندما لم تفلح قوى الخارج والمعارضة السورية في تحقيق الهدف الأساس من التهجير, وهو وجود مناطق أو ممرات آمنة, قاموا بدفع المعارضة لتأجيج البعد الطائفي بشكل أكثر حدة من السابق, بغية توجيه دفة الصراع في سورية من صراع على السلطة إلى صراع بين السنة والعلويّة بشكل أساس, فراحت السعودية وقطر يؤججان هذا الصراع الطائفي عبر وسائل إعلامهم, بحيث استطاعوا تحريك العواطف والمشاعر الدينية ليس لدى الكثير من السوريين السنة فحسب, بل ولدى المسلمين في دول العالم, ثم الترويج لفكرة دعمهم جميعاً من قبل إيران الشيعية المجوسية, تحت فكرة أن لإيران مصالح حيوية في المنطقة وهي إقامة الدولة الصفويّة. وبالتالي دعوة العناصر الإسلامية المتطرفة وتسهيل دخولهم إلى سورية من أجل نصرة أخوتهم السنة ضد الشيعة عموماً والعلويّة على وجه الخصوص, فمع هذا التوجه والترويج له إعلاميا, بدأ الشباب المسلم يتوافد من كل دول عالم وبدعم من الحلف المتآمر على سورية في الخارج والمعارضة السورية وذلك لقتال النظام الكافر كما أوهموهم.
ثالثاً: أمام هذا التحشيد الدولي للشباب المسلم عالمياً, من قبل الحلف المعادي للنظام السوري وبمساعدة المعارضة السورية ذاتها التي احتضنت العناصر القادمة وتأمين الملاذات الآمنة لهم في سورية, لقتال الشيعة الكفار وفقاً لمفهوم الفرقة (الناجية), بدأ حزب الله يشعر بالخطورة, وانه هو الهدف الثاني في الصراع الطائفي الذي سيمتد من سورية إلى كل مناطق الجوار وأول هذا الجوار لبنان, لذلك لا بد من الدفاع عن النفس, وتحقيق المثل الشعبي الذي يقول (تغدا بهم قبل أن يتعشوا بك). وبهذا دخل حزب الله معركة الدفاع عن النفس ضد القوى الإسلامية المتطرفة جنباً إلى جنب مع الجيش العربي السوري.
رابعاً : مع دخول حزب الله القتال في سورية ضد من غُرر بهم من مسلمي العالم السنة, والمجيء بهم إلى سورية , بدأ الصراع يأخذ أبعاده الطائفية بشكل واضح هنا على مستوى المنطقة وليس سورية فحسب, حيث راح الإعلام الخليجي وبخاصة السعودي والقطري يشتغل على الحرب الطائفية بشكل مكشوف, إضافة إلى ممارسة الضغوط على حزب الله للخروج من سورية, وإظهاره أمام الرأي العام العربي السني والعالمي, أنه معتدي ويريد النيل من السنة في سورية, إلا أن حزب الله تحدى كل هذا الدعاية ألموجهه ضده, كون النار ستأكله هو أيضاً, وقد صرح سماحة السيد حسن نصر الله, أكثر من مرة بذلك, رداً على من راح ينتقده من تيار الرابع عشر في لبنان المتآمر أصلاً على سورية بشكل علني.
خامساً : مع صمود حزب الله وصمود الجيش العربي السوري في المواجهه, وعجز أعداء الداخل والخارج إسقاط النظام السوري,راح أعداء الخارج (السعودية وقطر وأمريكا وتركيا وفرنسا وبريطانيا) يقدمون الدعم اللامحدود من جديد للقوى الإسلامية المتشددة السورية منها والقادمة من الخارج إلى سورية, دون النظر إلى هويتها السياسية. فإذا كانت قطر تدعم الإخوان مع تركيا, ففي هذه المرحلة أخذت السعودية وأمريكا وتركيا وفرنسا وبريطانيا يقدمون الدعم لعناصر القاعدة, وبخاصة النصرة وداعش سراً, وهما الفصيلان الأصولوليان المتطرفان من تنظيم القاعدة في المنطقة, واللذان أعلانا عن نفسيهما دون خوف من أحد بعد أن حصلا على كل الدعم المالي والتسليحي.
سادساً : مع تنامي قوة تنظيمي القاعد (داعش والنصرة), أعلن الظواهري بأن الظروف التي تمر بها بعض الدول العربية مثل مصر وليبيا وسورية والعراق اليوم بعد ما سمي بالربيع العربي, تساعد كثيراً على تحرك القاعدة والعمل لإقامة الدولة الإسلامية التي بشر بها أسامة بن لادن وعبد الله عزام وغيرهما من قادة تنظيم القاعدة . هذا وان الخلافات التي دارت بين فصائل القاعدة, لم تكن برأيي أكثر تقاسم أدوار لا غير لذر الرماد في العيون, والتغطية عن الأهداف الاستراتيجة للقاعدة.
سابعاً: مع استفحال أمر القاعدة في سورية والعراق, وسيطرة الإخوان على مصر, بدأت تخاف السعودية على نفسها من تمدد الأخوان, وعندما وجدت أن استمر الدعم القوى للقوى الإسلامية من قطر وأمريكا وبخاصة للإخوان, حدث نوع من الخلاف السعودي الأمريكي القطري على هذه المسألة, الأمر الذي دفع السعودية, أن تشتري نتائج الثورة المصرية ضد الإخوان بـ/11/ مليار دولار, من جهة, ثم إعلان تنسيقها مع الكيان الصهيوني بشكل علني من جهة ثانية, إلا أن قطر وتركيا وأمريكا ظلوا كذلك وبشكل سري يقدمون الدعم للقوى الإسلامية بشكل عام ومنها النصرة وداعش, في الوقت الذي ظلت فيه السعودية أيضاً وإسرائيل تقدمان الدعم نفسه لهذه القوى في سورية والعراق أيضاً وبشكل سري تحت ذريعة دعم المعارضة السورة المعتدلة, من أجل إسقاط النظامين السوري والعراقي, وبالتالي كسر ظهر إيران في المنطقة, وإخراج محور المقاومة نهائياً من المنطقة.
ثامناً: مع اختلاط الأوراق المتعلق في طبيعة تعدد الفصائل والقوى التي تقاتل داخل سورية, ومع حالات الصراع بين القوى الداخلية والخارجية داخل سورية والعراق وفقاً لولاءات هذه القوى المقاتلة ولمن يقدم لها الدعم, تم توجيه داعش لإعلان الدولة الإسلامية والسيطرة على أربع محافظات من العراق بدعم من القوى السنية في الداخل من جهة, وبدعم من تركيا وقطر وحتى السعودية فيما بعد ضداً بالمالكي من جهة ثانية, وراح الإعلام السعودي والقطري والقوى السياسية العراقية المعادية لحكومة المالكي تروج لفكرة أن ما يجري في العراق هو ثورة.
تاسعاً : إن سيطرة داعش على المنطقة الشرقية من سورية , وعلى مساحة واسعة في العراق تقدر بثلث مساحة العراق, ومع انفتاح الحدود ما بين المنطقة الشرقية لسورية مع المناطق العراقية المسيطر عليها داعشياً, ثم سيطرة داعش على الكثير من منابع النفط وخزانات الحبوب,وما سرقته من البنوك, وما سيطرت عليه من عتاد عسكري فائق الأهمية من القطع العسكرية العراقية التي سيطرت عليها. وكذلك مع تسهيل تركيا وإسرائيل وأوربا لها في تصدير النفط إلى خارج سورية والعراق, واستمرارية الدعم اللا محمود من قبل قطر وتركيا, وأخيراً مع مبايعة الكثير من عناصر النصرة والفصائل الإسلامية وغيرها ممن يدعون بالمعارضة السورية والعراقية لتنظيم داعش, كل ذلك جعل داعش تشكل قوة لم يكن يحسب حسابها, حيث أخذت تهدد مصالح أمريكا والغرب ذاتهم في المنطقة الحيوية للمشرق العربي وبخاصة في كردستان العراق, وإمكانية وصولها إلى الخليج, حيث توجد مصالح النفط, ثم تهديدها للغرب عبر عناصر للقاعدة التي بدأت ترفع رأسها في بعض ساحات هذه الدولة الأوربية,
عاشراً : أمام هذه المعطيات الداعشية التي جئنا عليها, وبخاصة فشل كل تلك المخططات الرهيبة التي أشرنا إليها من أجل إسقاط محور المقاومة العربية, والتواجد الروسي الإيراني في سورية, وصعود القوى التكفيرية الأصولية وإعلان دولتها القابلة إلى التوسع وبسرعة فائقة إذا تم التغاضي عنها وبخاصة في لبنان والأردن, ثم بقاء الرئيس الأسد وبدعم شعبي في رئاسة الجمهورية, وكذلك صمود الجيش العربي السوري, وكشف المؤامرة من الشعب السوري الذي غرر بالكثير منه تحت لعبة الطائفية البغيضة, وعودت الوعي الوطني إليه من جديد, ثم وصول محور المالكي ذاته إلى السلطة بعد إقصاء المالكي, كل ذلك جعل أمريكا ومحورها يعملون على تهدئة اللعبة قبل أن تأكلهم داعش وحلفاءهم في المنطقة, فكانت البداية مع وضع داعش تحت قائمة الإرهاب, ثم التفكير في إيجاد محور دولي لمحاربتها , وما يلفت الانتباه في هذا التحالف, بانه لا يريد أن يشارك الدولة السورية فيه, وكذلك كان موقف جامعة الدول العربية في اجتماعها الأخير الذي جاء في قراراته المتعلقة بمحاربة داعش متناغماً تماماً مع رغبه الناتو, وأن كل الذي يخططون له اليوم بعد أن فشلوا في تحقيق أهدافهم التي رسموها ضد سورية والعراق ولبنان منذ أربع سنوات. هو التالي:
1- سيقوم هذا التحالف الدولي بحصار داعش في العراق, وإجباره على الهروب إلى سورية, بغية إسقاط الدولة السورية كما يعتقدون, وهي التي عجزوا على إسقاطها خلال أربع سنوات
2- هم يريدون كما أعلنت أمريكا والغرب, أن يقدموا السلاح لما يسمونه المعارضة السورية المعتدلة كي تقوم هذه المعارضة المتآمرة بمقاتلة داعش بدلاً عنهم في سورية, وبالتالي يقومون مرة أخرى باستغلال المعارضة السورية كأدوات لمحاربة داعش مع الجيش لسوري داخل سورية ولكن بشكل منفصل, للحفاظ على مصالحهم .
3- هم لا يريدون الآن إسقاط داعش بالسرعة التي يجب أن يتحركوا فيها, وإنما خلال ثلاثة سنوات, وذلك كي تظل داعش ورقة بيد أمريكا والغرب يستخدمونها ضد من يقفون ضد مصالحهم في المنطقة, وبخاصة محور المقاومة أولاً, ثم أصدقائها من دول النعاج, كي يدفعوا فاتورة الحرب, وبقائهم تحت سيطرتها وابتزازهم حتى آخر درجات الابتزاز المالي ثانياً.
3 – أخيراً أقول : مسكينة هذه المعارضة السورية , ابتدأت أداة, وستنتهي أداة بيد دول النعاج وأمريكا والغرب. لذلك من رضي عن نفسه أن يكون أداة بيد غيرهر, سيظل أداة حتى ولو ركب حصان الثورة المقدسة.

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر

11 شتنبر 2014