عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

10 شتنبر 2014

عندما يريد الحاكم الفيلسوف أن يحقق السعادة لشعبه .. يبدأ بالغائه. فالشعب السعيد، في المدارات الحزينة للشرق أوسطيين والشمال افريقيين هو الشعب الذي .. لا يوجد.
وراء الشعب، وهو يبتسم أو يفكر مثل تمثال رودان تجري المفاوضات والصفقات، وتجري أيضا التمارين على اختبارات الذكاء السياسي بين الفرقاء.
وفي فترات السلم، يكون الجو مناسبا لنزهة جماعية للطبقة الحاكمة وتأويل الحضارة، في صناديق الاقتراع أو في الخطط الحماسية، وأحيانا حتي في الزيجات ذات المصالح.
والشعوب مثل فكرة دينية قابلة للتزويل، والشعوب حمالة أوجه: للحاكم شعبه، وللغاضب شعبه، وللمثقف شعبه وللانقلابي شعبه وللمغني شعبه.. وللمقاوم شعبه.
في السلم يصلح الشعب لجمع الثروة ، ويصلح لتقيدم الرشوة، ويصلح لكي تكون هناك سلطة..
ويكون الشعب مقمدة جيدة للديموقراطية أيضا:فحوله تتم الصفقات وتجد الطبيعة توازنها، وتجلس القبيلة جيث يجب أن تجلس، ويجلس المدعوون الى ..سماط الانتقال الديموقراطي مثل بجعات في سموفونية تشايكوفسكي.
وفي الحروب تولد شعوب أخرى، وأنا لا ألمح لما قاله لينين ذات ثورة «الحرب الاهلية تربي الشعوب»، بل فقط إريد أن استشهد بالقتلى علي عدم جدوى الاحياء.
بعد إحدى عشرة سنة على حرب العراق 2003، وقبلها حرب أفغانستان، تجر قيادة تنظيم القاعدة، أو المتفرعين عنه، الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط.
المناسبة هي الحرب التي تقودها «داعش»، في بلاد الهلال الخصيب، من أجل إقامة الدولة الإسلامية.
وأكاد أجازف بالقول إن أمريكا تستجيب لأنها، في حروبها، لا تلغي التبشيرية في التدخل المحكوم قبلاً وبعداً بالمصلحة.
يروي جاك شيراك أن جورج بوش حدثه عن «ماجدون»، وعن بابل، وعن ياجوج وماجوج، لإقناعه بمواجهة العراق في حربه السابقة.
ليست الديانة، في التبشير، دليلاً على إيمان عميق لإنقاذ البشرية من آلامها. هناك في ما بعد الوفاة، بل هي معجزة لتخليص الإنسان من آلامه هنا، وأحيانا لتخليصه من نفسه!
ما يحدث في العراق، وقبله في سورية، هو في الواقع صورة مكبرة لما يمكن أن تفكر فيه القيادات السياسية، ليتامى دولة الخلافة، رجال المخطط الرباني الكبير، الذين يضعون الله (سبحانه عز وجل عما يصفون) فاعلاً سياسياً رئيساً، في الإسلام السياسي المعتدل، والوحيد في الإسلام السلفي القاعدي.
هذا المنحى، نشاهده بتلاوين عديدة، لا تقف فيها فرشاة الرسم عند طائفةٍ، أو مذهب بعينه.
فالدولة الدينية، التي تعتبر الشعب حطب جهنم أو.. رعايا في الجنة، بعد نهاية السياسة، والعالم والاستراتيجيات وعودة آدم إلى ترابه الجماعي، هي الدولة التي تريد أن تلتقي في مقولة إن الفعل السياسي فعل إلهي، والسياسة اليوم تعني عودة الرب إلى.. كرسي الرئاسة.
وبعيداً عن الموقف الديني الذي يرفض التجسيد الإلهي والتشخيصي للذات الإلهية، وما عرفته حضارتنا من جراء نقاشٍ كهذا، كانت الدولة فيه أداة السحل والقتل والتنكيل، أكثر منها كيان السياسات العمومية، فإن القضية أصبحت تلتقي مع نزعاتٍ أخرى، تريد بدورها التخلص من الشعب صانعاً للدولة وللسياسة والاقتصاد وللقدر الإنساني، أيضاً.
وفي هذا، يقول العسكري المتقاعد إنه لا يملك خطة لاستدراج المفاجأة إلى المشهد الوطني، فالمفاجأة تعودت علينا من فرط ما جاورت البداهة. والمفاجأة هي أن يبقى متقاعداً، ولا يعود إلى كرسيه على رأس الدولة.
والشعب يا سيدي العسكري؟
مثل جيش في أوديسا محمود درويش المفقودة، نبحث عنه لنهزمه، أو نقنعه بأنه ليس ضرورياً للدولة والأمة..!
يقول المتدين الحاكم:
ليس لدي كتاب لأتعلم منه دروب الدولة، ولا خارطة للطريق.. فالكتاب الوحيد هو الكتاب الوحيد، والله (سبحانه عما يصفون) هو الفاعل الأساسي في السياسة. (قالها رئيس حكومة المغرب، عبد الإله بنكيران، وقالها محمد مرسي في مصر مع فارق التجربتين)، ولا حاجة بنا للشعب، لكي نقيم دولة الخلافة.
الخليفة يكون فرداً، والرعاع توشية على ظلاله.. السماوية.
ويقول التكنوقراطي: السعادة بالنسبة للشعوب أفيون للتخلص من حريتها. على الشعب أن يفضل حياته على الحرية، لهذا تكون التقنية خطتي لتوفير الهناء، ولا بأس إن كثر الفساد رفقة الاستهلاك، فغير ذلك تكون الطرق مفروشة للديكتاتوريات التفقيرية.
ومن الغريب أن الشعوب العربية يلتقي حول سجنها المؤمنون والحداثيون الذين يخافون منها ويعشقون الجنرالات، والديكتاتوريين والمباركين من لدن صندوق النقد الدولي، إلا الشعوب فهي غائبة عن نفسها.