ليس دفاعاً عن مدينة الرشيدية عاصمة للجهة

تحية إلى الأستاذ محمد إنفي

ادريس جبري

على هامش المقال الذي نشره أستاذنا العزيز سي محمد إنفي، تحت عنوان: “دفاعاً عن مدينة مكناس عاصمة للجهة”، بجريدة الاتحاد الاشتراكي يوم الأربعاء 03 شتنبر 2014، العدد 10797، وبالتحديد في صفحتها الخامسة، وددتُأن أحييه لسابق ما يكتب، وأحاوره في بعض ما ورد في هذا المقال، بصوت مرتفع، بغرض إيجاد منطقة وسطى بين المدافعين عن مدينة مكناس عاصمة للجهة، وفي مقدمتهم، كما هو معلوم، رئيس الجهة الحالي الأستاذ سعيداشباعتو، وكذلك الباحث الجامعي الأستاذ محمد إنفي، وغيرهما كثير، وبين الرافضين لهذا المطلب أو على الأقل المتحفظين عليه، الدافعين إلى التأمل العقلاني التاريخاني في مسألة الجهوية المرتقبة، ومن باب الاحتمالات الممكنة،وأنا واحد منهم.
حرص الأستاذ محمد إنفي في مقدمة مقاله المشار إليه أعلاه، على إبعاد تُهمة “أي نزعة إقليمية أو رؤية شوفينية”، وهو يدافع عن مدينة مكناس عاصمة للجهة المرتقبة، بل وعرض على القارئ، إمعاناً في الحرص الموضوعي، مساره الشخصي والعائلي حتى يقطع دابر ادعاءأي نزوع عائلي أو عرقي، في هذا الدفاع المستميت. وعلى هديه أسير، وأعلن بأن أصولي من مدينة الرشيدية، معتز بتاريخها العريق، ومحتج على حالها الراهن، وغيور على مستقبلأريده لها أكثر إشراقاً على كافة المستويات،وإن كنت أقيم بمدينة بني ملال، عاصمة مستحقةلجهة تادلا أزيلال، وأعشقها، ولي فيها حاضر مولد الأبناء ومنشئهم، ومستقبل الأحفاد ومآلهم، وليس لها مع ذلك تاريخ كتاريخ مكناس أو الرشدية؛ وفي الوقت نفسه، أَحِن إلى مدينة مكناس، وعبق الشباب فيها، لكن، مع كل ذلك لا بد من مراعاة المتغيرات الهائلة التي تحدث في رحم المجتمع المغربي، في التفكير في مسألة الجهوية المنتظرة، والقطع مع الحنين لماض ولّى…
إندفاع الأستاذ إنفي عن مدينة مكناس عاصمة للجهة وقاطرة لها، وقد كانت كذلك لمدة طويلة(1997)، تحكمه ثلاث كلمات/ مفاتيح هي: الموضوعية والشرعية والمشروعية. فهو يركز على الشرعية والمشروعية التي تحيل في المحصلةعلىالتاريخ، من منظور أنطوربولوجي شكلاً، وسلفي مضموناً( السلفي هنا بمعنى التبرير بالتاريخ والاحتماء بالماضي “المشرق” لتبرير راهن مرجو، أو مستقبل مطلوب)، ولا يذكر الموضوعية ومقوماتها إلا لماماً، وبشكل عابر ومحتشم على امتداد مقاله.
وبالاستئناس بالتاريخ، وهو المتحول على الدوام، فقدكانت منطقة تافيلالت الكبرى ممتدة جغرافياً ومجالياً إلى مشارف وادي درعة حتى تخوم مدينة ميدلت حالياً، لكن رغم أن المنطقة منطقة استقرار، فإن أهلها عادة ما يتنقلون منها إلى مناطق أخرى، حسب موازين التاريخ وصراعاته وتقلباته، وبحسب الحاجيات وتنوعها.قد يكون هذا التنقل نحو مدينة فاس، ولها أيضا صلات تاريخية عميقة الجذور بمنطقة تافيلالت الكبرى وأهلها، وقد يكون نحو مدينة الرباط، وإن بشكل متقطع خجول؛ لكن تبقى حاضرة مدينة مكناس العمق التاريخي لأهل تافيلالت، أو على الأقل لجزء معتبر منهم،لمن أراد أن ينفتح على “الحضارة” و”التمدن”.هذا معطى يشهد عليه التاريخ القريب والبعيد. وعليه، فالروابط العائلية والثقافية والحضارية بين المنطقتين ثابتة وراسخة. فنحنأبناء قصر السوق، أو الصحراويون، أو صْحرَوة( بتسكين حرف الصاد)، كما كنا نُدْعى قبل استرجاع صحرائنا الجنوبية، كنا نعتبر على الدوام مكناس ومحيطها(مدينة أزرو مثلاً) امتدادا لنا، ومجالنا الحيوي والطبيعي، بل وأفقنا المستقبلي لمن أراد تحسين معيشه، ومعيش أسرته.
غير أن عمق التحولات التي يعرفها مغرب اليوم، ونحن نُعد لجهوية متقدمة، في إطار مشروع التقسيم الترابي الجديد،ونفكر في رسم حدودها وعواصمها، ونتوق أن تكون في كل الأحوال رافعة للديمقراطية وفاسحة الطريق لقيم التحديث في أرجاء المملكة، لا بد وأن تستوقفنا، وتحثنا على التحفظ من ثقل التاريخ والاحتكام إلى شرعيته.ففي ظل هذه التحولات الهائلة التي عرفها المغرب والعالم من حوله، وهو ما لم يقم له الأستاذ إنفي وزنا يُذكر، يصعب الاطمئنان إلى التاريخ بمشروعيته وشرعيته في الحسم في مسألة الجهوية الراهنة ووضع حدودها بالمنظور الذي اقترحه الأستاذ إنفي؟
نذكر، بالمناسبة، بأسباب فشل مسعى رواد النهضة في تحقيق “حلم” “الوحدة العربية” في مطلع القرن الماضي. فقد كان أغلبهم، كما يعرف الأستاذ إنفي، يستند إلى مثل هذه الشرعيات التي يؤسس عليها دفاعه عن مكناسة عاصمة للجهة، مع مراعاة الفروق الضرورية في هذا الباب. فوحدة اللغة والتاريخ والدين والمصير، وما شابه ذلك، قد تدغدغ العواطف، وتريح الوجدان، لكن ما إن يجد الجد حتى ترتفع الغشاوة ويظل الواقع شاهداً على خيبتنا، وما تتركه من مرارة نتذوق بعضاً منها في مقال الأستاذ إنفي، وهو شاهد على ضياع ثمار العاصمة الجهوية على مدينة مكناس، وها هو يضع يده على قلبه خوفاً أن تضيع في السيناريوهات المقبلة التي يحوكها الحاقدون في الظلام الدامس.
لقد دبج الأستاذ إنفي مقاله، بكثير من المرارة في الحلق، وهو يدافع فيه، بشراسة، عن شرعية مدينة مكناس عاصمة للجهة، وعينه على من سماهم ب”الحاقدين” الذي يترصدون الحاضرة الإسماعيلية، والمدينة السلطانية ليجعلوها مدينة تابعة. بالفعل لا يذكر هؤلاء الحاقدون ولا يسميهم، ولا يشير إلى المدينة التي يريد هؤلاء الحاقدون أن يلحقوها بها. طبعا، هي مدينة فاس، وما أدراك ما فاس، وقد سكت عن ذكرها الأستاذ إنفي، ولم يلمح إليها وإلى صلاتها التاريخية والسياسية والثقافيةالتي كانت تجمعها ومدينة مكناس، وهي بكل تأكيد أعمق من صلاتها بمدينة قصر السوق. فهو إذن، يسمح لتكون تافيلالت تابعة إلى مكناس وملحقة بها، بل ويبرره ويرافع من أجله، ولكن لا يقبل البتة أن تكون مكناس تابعة لفاس عاصمة لجهة مرتقبة، ولعلها الحاضنة للحاقدين على مكناس، ومن يعضدهم خارجها.
إن الأستاذ إنفي، وهذا من حقه، يحشد الحجج والأدلة من التاريخ أساساً، فيحاجج هؤلاء الحاقدين على مكناس والمتربصين بها؛ وما العلاقات التاريخية والعائلية والثقافية والروحية بين مكناس والرشدية، سوى أحجار في أعناق هؤلاء الحاقدين والمتربصين. ومن هذا المنظور، فليعلم هؤلاء الحاقدونأن في الرشيدية ضريح مولاي علي الشريف، مؤسس الدولة العلوية،كما فيمكناس عاصمة المولى اسماعيل العلوي. فالشرعية التاريخية بين الرشيدية ومكناس واقعة ثابتة، على هذا المستوى، مع امتياز لا يضاهى لصالح مدينة مكناس طبعاً، يتجلىفي الإقراربحكمةتأسيس الرومان لمدينة وليلي على مشارف مكناس، واستقرار مولاي ادريس الأول بها، وهي الحاضنةلضريحه. وهذا كافلحسم المرافعة لصالح مكناس عاصمة للجهة رغم كيد الكائدين، وحقد الحاقدين. فهو لا يريد، بحال، أن تُستتبع مدينة مكناس، حتى إذا كانت مدينة فاس هي المعنية بالمتبوعية، مع أن تاريخها يؤهلها لذلك، بالنظر لمبررات الأستاذ إنفي؛ أما مدينة الرشيدية، أو تافيلالت الكبرى، فليس مطروحة لتُتبَع وتكون عاصمة للجهة، رغم هذا الحشد من الحجج والأدلة التي أوردها، بل لتَتْبَع فحسب، رغم عراقتها التاريخية، ولتحمي مكناسة من حاقديها.
قد يكون هذا “التمركز الجهوي”، إذا صح التعبير، وعلى قاعدة العراقة التاريخية، ونزوع أفراد أو مصالح جماعات ضاغطة، من أسباب التدافع الحاصل اليوم في سياق الحديث عن الجهوية المتقدمة بالمغرب- وبالتأكيد نُنزه الأستاذ إنفي، عنهما معاً- هي من يزكي هذا التدافع، ويؤجج الصراع، دون مراعاة لأفق المغرب الحداثي، وحجم التحولات الحاصلة، والتحديات المطروحة في ظل عولمة جارفة.
لم يكن الأستاذ إنفي يُغلِّب خيار التمركز الجهوي، والانتصار له، وقد احتاط لذلك كثيراً، لكن انزلق إليه في محصلة تحليله، وغلبه هذا الخيار واستبد به. وقارئ المقال يحس برعب وهو يقرأ، بالنظر إلى طبيعة نوع الكلمات والعبارات والمصطلحات العنيفة التي غزت المقالحتى فاضت عنه.فأينما ولّى القارئ عينيه إلا وصادف عبارات من صنف المؤامرة والانتقام والإقصاء والحقد والظلم، بل وعبارات تكاد تقطر دماً، كالجريمة والاعتداء والاغتيال والتمزيق والتشويه، وهلم جراً؛ وكأن الأمر يتعلق باقتتال بين جماعات، أو بحرب أهلية وشيكة.
على هذا الأساس، فهل يستقيم اعتبار فصل تافيلالت عن مكناس، أو مكناس عن تافيلالت، في أي اتجاه كان، وعلى حد تعبير الأستاذ إنفي، “جريمة حضارية وثقافية وتاريخية وإنسانية بالمعنى الكامل للجريمة”؟وهلبالفعل، يرقى فعل الفصل هذا، إذا حدث، إلى”اغتيال عن سبق إصرار وترصد”؟ومن يتحمل وزر هذا الإجرام، إذا حصل؟ لماذا يصر الأستاذ إنفي أن تظل تافيلالت دون غيرها تابعة لمكناس عاصمة للجهة؟ وماذا ستخسر مدينة مكناس، على سبيل الافتراض، إذا كانت تابعة للرشيدية أو تابعة، بمنطقه التاريخي، إلى فاس أو غير فاس؟ لماذا يحتمي بمدينة الرشدية من أجل مدينة مكناس؟
أعتقد أن مثل هذه اللغة “العنيفة” التي أقام عليها الأستاذ محمد إنفي تحليله، واستنتج ما استنتجه، هي سبب ميلاد النزوعات المتطرفة بمختلف أنواعها، خاصة عندما يتهم ويرافع، وفي الختم يطلب ويتوسل حتى تظل مدينة مكناس عاصمة للجهة. فمعظم المبررات التي أوردها الأستاذ إنفي لصالح مكناس، لم تعد إجرائية في ظل التحولات العميقة التي شهدها المغرب، وتنتظره في المستقبل المنظور.
في العقود السابقة جربنا الجهوية بعواصمها المعلومة، بما فيها جهة مكناس تافيلالت، وكانت عاصمتها مكناس. ورأينا المحصلة ماثلة أمام أعيننا، فلماذا لا نغير من وضعنا، ونلملم العواصم والحدود، فنجعل، على سبيل الفرضية، مدينة الرشدية رأس الجهة وما حولها جسداً ممتداً لها، ليس لشرعيتها ومشروعيتها الضاربة في أعماق التاريخ. فقد تبدلت المعطيات الاقتصادية والتجارية والفلاحية والثقافية والسياسية، وغيرها، ويجب أن تنغير معها رؤيتنا واختياراتنا وموازننا. وبلغة تاريخانية، ماذا استفاد “جسد” تافيلالت من “رأس” مكناس، بل وماذا استفادت مكناس نفسها وهي على رأس الجهة، وبشهادة أهلها؟
لنتأمل المؤهلات البشريةلمدينة الرشيديةفي الآونة الأخيرة، وكفاءتهم على مختلف المستويات، فهي ثابتة أكيدة، كما تعلمون الأستاذ إنفي. وهجرتها لم تعد تقتصر على مكناس وجوارها، كما كان الحال سابقاً؛ بل انتشرتفي كل ربوع المملكة بجهاتها المعلومة، وتصاهرت فيها وتاجرت واستقرت واندمجت. ولننظر إلى تنوع بيئتها الجغرافية والبيئية واللغوية والثقافية، وفعل قاطنيها فيها، ولننصت إلى تطلعات أهلها وإمكاناتهم المتنوعة وإرادتهم الصلبة..ألا تصلح في نظركم مدينة الرشيدية لتقود هذه المرة، وتكون عاصمة متبوعة، لأي جهة مرتقبة بعيدا عن حاضرة مكناس وعمقها التاريخي، علها تستفيد من هذه المؤهلات وتفيد، ويُرفع عنها هذا التهميش المطبق العام الذي لا يخطئه أعمى؟
فنحن، لا ندافع عن مدينة الرشيدية لتكون عاصمة للجهة، من منظور شرعية تاريخية متضخمة، ولا من بوابة التدافع، مهما كان نزوعه، ولا نكاية من مكناس أو فاس؛ إنما ندافع عنها لتكون قطباً محتملاً تؤهل محيطاً نريده ممتداً من ورززاتإلى بوعرفة، ومن حدود الجزائر حتى خنيفرة، ولكن من منظور حداثي وديمقراطي، يقوم على تجانس المجال،وعلى التكافؤ الاقتصادي والتكامل الاجتماعي، ويتيح لها فرصة الترقي الجهوي، بعيداً عن التاريخ السلطاني وتمركزه، وبمنأى عن لغة المؤامرة،أو الاستجداء السياسي، والنزوعات ذات البطانة الوجدانية…ما المانع من كل ذلك، ولو من باب الافتراض؟
لقد تغير المغرب في العقود القليلة الأخيرة، ولم يعد العمق التاريخي، ولا الهوية السلطانية، ولا المعطيات الجغرافية، يبرر أي نزوع تمركزي، كيفما كان. فعولمة الاقتصاد، وثورة الاتصال والمواصلات، وانهيار قيم القبيلة والأعيان، وخفوت الاحتكام إليهما، إلخ، عوامل كافية لتغيير معايير تحديد الجهات، وتعيين عواصمها، كما كان الأمر في تاريخ المغرب القديم، بمملكاته وممالكه وإمارته. ولتكن مكناسة عاصمة لجهة تضم تافيلالت الكبرى وفاس، ولتكن فاس هي العاصمة لهذا الامتداد الجغرافي الواسع، ولما لا تكون مدينة الرشيدية، هذه المرة، عاصمة لهذه الرقعة الجغرافية بتاريخها العريق، ومن دون إحساس بالغبن أو المرارة أو ما شابه ذلك من نوازع التمركز الغالبة على مقال الأستاذ إنفي؟ كلها هذه المدن الثلاث مؤهلة، على مختلف الأصعدة، أن تكون قاطرة لجهة موسعة، إذا توفرت الإرادة السياسية، وحسنت النيات، شريطة التخلص من نوازع فوقية، وحسابات وجدانية، واعتبارات تاريخية، ومنطق التابع والمتبوع، وحسابات المصالح الخاصة لأفراد أو جماعات ضاغطة.. دون ذلك، فلتكن عاصمة الجهة المرتقبة هي ما يؤسس لمغرب حداثي وديمقراطي، لكل المواطنين المغاربة، أنى كانوا./.

 ادريس جبري … لنشرة المحرر

12 شتنبر 2014