رداً على سؤال لأحد الأصدقاء, على صفحتي في الفيس بوك تساءل فيه عن الأسباب التي تجعل كل هذه الممارسات اللاأخلاقية التي نعيشها اليوم أو عاشها من قبلنا ترتكب بإسم الدين أقول :
إن الدين يا صديقي بمفهومه (التقليدي) هو مجموعة الرؤى والأفكار والمعتقدات التي يعتنقها الفرد أو الجماعة, ويمارسونها فكراً وممارسة في حياتهم لإيمانهم بأنها هي من يحقق لهم سر وجودهم ووجود هذا الكون بكل دلالاته. والدين من ناحية سياق إنتاجه الزمني, هو نتاج مراحل تاريخية سابقه لعصرنا بآلاف السنين, أي هو في جذوره الأولى يعود إلى العصور البدائية لحياة الإنسان الذي كان يعبد فيها قوى الطبيعة, وآخر دين هو الدين الإسلامي الذي تجرد فيه الإله (الله) عن كل ماله علاقة بالوجود المادي المحيط بهذه الطبيعة (ليس كمثله شيء), ونبتعد عن فترة ظهوره اليوم /1400/ عاماً.
إن كل الديانات التي أوجدها الإنسان, او ما عرف بالديانات السماوية, وهي (اليهودية والمسيحية والإسلامية), هي ديانات مترابطة ومتداخلة مع بعضها, ولكن وفقاً لقانون (التطور الحلزوني). أي أن كل دين منها يظل يحمل من الدين الذين الذي سبقه الكثير من قيمه ومفاهيمه التي لم يزل عصره يستوعبها, أو يجد مبرراً لوجودها فيه, وإلا ماذا يعني أن يظل (الحجر الأسود) يمتلك تلك المكانة المقدسة في الدين الإسلامي؟. أو بقاء تلك المفاهيم والقيم المشتركة ما بين الديانات السماوية الثلاثة؟, حيث نجد حتى هذا التاريخ في عالمنا الإسلامي تلك النظرة الدونية للمرأة وفقاً لرؤية التوراة لها, و كذلك تاريخ الأنبياء وقصص حياتهم, التي نتداولها, هي القصص التي قصتها التوراة أيضاً, وغير ذلك من الرؤى الإنسانية التي جاءت في الأناجيل نجد مثيلها في القرآن.
إن مشكلتنا مع الدين تكمن في عقلية من يقول: ( إن الدين صالح لكل زمان ومكان), وفي عقلية هؤلاء الذين لم يزالوا يؤمنون بأن ما أقره السلف (أهل السنة والجماعة) منذ القرن الثالث للهجرة, هو ما يمثله الدين (عقيدة وعبادات ومعاملات), وأن كل شيء جديد يفرضه تطور الحياة ولا ينسجم مع ما أقره هؤلاء يعتبر بدعة, متناسين مسألتين أساسيتين في حياة الدين الإسلامي تجاوبتا مع التطور هما: الناسخ والمنسوخ في القرآن والحديث معاً.
إن الله عز وجل علمنا منذ البداية بأن الزمن في حالات تطوره وتبدل أحداثه هو أقوى من النص الديني ذاته, لذلك كثيراً ما أوقف العمل بآيات, أو بدل فيها بما يوافق تطور الزمن. وكذلك فعل الرسول الكريم في هذه المسألة بالنسبة لما عرف من أحاديث (الناسخ والمنسوخ), وكان فيما بعد موقف الخليفة عمر بن الخطاب الأكثر جرأة عندما تجاوز العمل بآية السرقة أيام المجاعة, أو آية توزيع الخراج.
مشكلتنا إذا مع الدين وما يمارس بأسمه من قضايا لا يرضاها العقل والمنطق, هي مع هؤلاء المتخلفين من رجال الدين الذين أوقفوا الاجتهاد والأخذ بالرأي, حيث اقتصر فهمهم للدين على فهم أئمة القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام, وهؤلاء وقعوا في مزالق كثيرة أهمها:
أولاً: تقديسهم لكل ما جاء عند أهل السنة والجماعة, واعتباره صحاً لا يأتيه الباطل أبداً. وهذا ينافي موقف الناسخ والمنسوخ منهجياً ومعرفياً.
ثانياً: التمسك بروايات السير والمغازي, واعتبارها قيم ثابته وبخاصة من الناحية الأخلاقية, علماً أن من كتب هذه السير والمغازي ليس من عاصرها, حيث يقول ابن حنبل: (إن من كتب السير والمغازي وعرف أسباب نزول الآيات القرآنية قد مات). وهذا يدفعنا للوقوف كثيراً أمام مسألة مضامين هذه السير والمغازي التي كتبت بعد /130/ هـ, وبمواقف غالباً ما يطغى عليها البعد السياسي كما طغى على كتابة ووضع الأحاديث عن الرسول تماماً.
ثالثاً: مسألة إشكالية تفسير النص القرآني (الآيات) وفقاً لأسباب نزولها, أي السياق التاريخي الذي جاءت فيه من جهة, ثم للموقف التفسيري من الآيات المتشابهات (وهن أم الكتاب) بشكل خاص من جهة ثانية, حيث اختلطت الأوراق هنا, وراح الكثير من الأئمة منذ القرن الثالث للهجرة حتى هذا التاريخ, يفسرون هذه الآيات ويقدمون لها أدلة قدمها بعض الصحابة أو التابعين وتابعي التابعين, كانت قد وجدت هوى لدي البعض منهم آنذاك, خدمة لمواقف لا ترضي الله ولا الرسول ولا تتفق أصلاً مع بنية الدين الذي لم يأت لخدمة فئة معينة أو عائلة معينة. وهذا ما سيس الدين في الحقيقة, فكثيراً ما سجن هذا الفقيه أو ذاك وعذب من قبل هذا الخليفة أو ذاك لتفسيره حديثاً أو آية لا تتفق ومصالح السلطة الحاكمة. ثم كان وراء هذا الموقف الديني ذاته حدوث تلك الصراعات التي راحت تتبلور فيما بعد وتتحول إلى صراعات مذهبية مورس فيها التكفير والزندقة للآخر, بل استخدام السجن والقتل للمخالف في الرأي .
رابعاً: إن كثرة الآيات المتشابهات, وتدخل السياسة في الدين, وتعدد المدارس الفقهية, وانتشار علم الكلام, ودخول عناصر وقوى اجتماعي كان لها دياناتها وفلسفاتها من الحياة إلى الدين الإسلامي, وتأثير هذه الديانات ورؤاها الفلسفية في تفسير النص الديني, أما بشكل مقصود تطلبته طبيعة الصراع بين الشعوب التي دخلت الإسلام والعرب, وهذا ما سمي بالحركات الشعوبية, أو كان التأثير بشكل عفوي فرضته طبيعة التأثير والتأثر بين الشعوب وحضاراتها. كما كان لانتشار الفقر والجهل والتخلف, وغياب الرؤى الفكرية الوضعية التي تفسر أسباب نشاط الإنسان, واقتصار ذلك على الرؤية الدينية فقط, كل ذلك أدى إلى ظهور تيارات ومدارس فكرية دينية ساهمت كثيراً في إغراق الدين الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق, في قضايا فلسفية أيضاً إلى جانب السياسية, تتعلق بأسماء الله وتجسيده, أو نفي التجسيد عنه, ثم إدخاله في قضايا ذات بعد صوفي لا يمت إلى دور الدين بصلة, الأمر الذي جعل من الدين يتدخل بكل شيء في حياة الإنسان, وبالتالي استغلال هذه المسألة من السلطات الحاكمة وحتى المستعمرة الأجنبية فيما بعد, لتوجه هذه الشعوب الإسلامية وفقاً لمصالحهم على حساب جهلها وتجهيلها معاً, عبر تغذية نزعات التمسك بالمذهب أو الطائفة وإغلاق الذات على الآخر وتكفيره أو الحط من قيمته ومكانته الاجتماعية والإنسانية والدينية, وصولاً إلا استباحة دمه, كما يجري اليوم مع الفرقة الناجية.
وختاماً أحب هنا أن أقدم رأياً لأحد قناصلة فرنسا في سورية يشير فيه إلى أهمية الدين ومكانته في حياة شعوب الشرق عموماً وإمكانية استغلاله للسيطرة على حياة هذه الشعوب الإسلامية بإسمه, وهو السيد “دي ليسبس” قنصل فرنسا العام في سورية في /19/آب/1856/, بعثه في تقرير ضمنه مقتطفات من رسالة بعث بها إليه القنصل العام في طرابلس, السيد” بلانش”, يقول فيها: (إن من أبرز الحقائق التي يلحظها من يريد دراسة الشرق, هي تلك المكانة التي يحتلها الدين في نفوس الناس والسلطة التي له في حياة الناس. فالدين يظهر في كل أمر, وفي كل مكان في المجتمع الشرقي, حيث يظهر أثره في الأخلاق العامة, وفي اللغة , وفي الأدب, وفي جميع المؤسسات الاجتماعية, والرجل الشرقي لا ينتمي إلى الوطن, الشرقي ليس له وطن, بل إلى الدين ذاته الذي يعتنقه هو. وكل فرد خارج عن حظيرة الدين, هو بالنسبة إليه رجل أجنبي.).
إن هذه الرؤية تجاه الدين ومعرفة دوره في حياة الإنسان الشرقي بشكل عام, والعربي بشكل خاص, أستغلها أبشع استغلال (آل سعود) في حركتهم الوهابية السلفية, وكذلك المستعمر أثناء احتلاله لبلادنا, والكل لم يزل يستغل الدين حتى الآن ويحوله إلى “حصان طروادة” بالشكل الذي يريده خدمة لمصالحهم.

كاتب وباحث من سورية.. لنشرة المحرر

14 شتنبر 2014