نقلت الصحافة خبرَ رد عنيف من الشيخ مصطفى بنحـمـزة على الأستاذة حكيمة الناجي ــ وهما عضوان بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي ـــ حيث اعتبر الشيخ حديثَها عن احتمال اختباء التطرف الوهابي وراء البنوك الإسلامية موجَّها إليه، فانسحب قائلا: “”نحن علماء نناقش في احترام، ولا يجب أن يَعتبِر أيُّ أحد أنه لوحده في البلاد”. [هيسبريس http ://www.hespress.com/orbites/239335.html). بل من الصحف من اعتبر تعقيبَ الشيخ إهانةً غير مبررة للحقوقية (مثل كود)، ومنها مَن اعتبره غضبةً غير منضبطة (بلادي)].
رغم أني أرى “البعْـرةَ” مسافرةً نحو “البعيرِ”، أراها بالعين المجردة، فإن انتسابَ الشيخِ إلى الوهابية لا يهمني في هذه المناسبة، كما أني لست ضد ما قد تضيفه الأبناك التشاركية من قيمة وتنافسية بعيداً عن شيوخ الدولار والدرهم الذين يبيعون أسماءَهم كعلامة تجارية لتلك الأبناك. لا ينبغي أن تصل في المغرب إلى هذا الدرك.

الذي أثار انتباهي كثيرا في كلام فضيلة الشيخ ثلاثُ كلماتٍ خفيفاتٍ على اللسان ثقيلاتٍ في الميزان: “العلم” “والنقاش” و”الاحترام”. هذه هي عروق المعدن الثمين الذي أفنيت حياتي في التنقيب عنه، والتنديد بكل من يخرب الطريقَ الموصلَ إليه: “العلم” و”الاحترام” هما شرط النقاش الناجح وضمانته. الاحترام هو حلقة الوصل بين العلم والنقاش، وإذا لم يَقيَّـد العلمُ بالاحترام تحول إلى أداةٍ للفرقة والنزاعات والهدم والاحتراب. ومفهومُ الاحترام واسع يلخص عادة في التخليق: تخليق العلم. والذي يهمنا منه في هذه المناسبة تصريفُه في المجال التداولي الحجاجي الخطابي، أي احترام الشخوص، واحترام العقــول. وما دام الشيخ حريصاً على صفة “العالم المحترِم” لغيره في نقاشه ومحاوراته وفاءً لصفةِ العالمِ فقد رفع عني الحرجَ في نشر جزء من مقال كتبتُه منذ شهور، كما يعرف الأصدقاء القريبون مني، واكتفيتُ وقتَها بنشر جانبه العلمي الصرف المتعلق بالاجتهاد في مجال الإرث بعنوان: إغلاق النص التشريعي خدعة سياسية وكذب على التاريخ.
المقال الحالي بقايا من ذلك البحث؛ يتناول عيوب الحوار حجاجيا (أخلاقا ومنطقا). والغرض من نشره الآن مساعدة زميلنا القديم، وأخينا الحديث، الشيخ بنحمزة في التعرُّف على نماذجَ من العيوب التي تشوب “احترامَه” لمخاطبيه، وتجره إلى التشويش على صفة العالم المحترم لعقله وعقول الآخرين. وله الحق، كل الحق، في أن يُنبِّهني بدوره إن كنت واهماً أو مُتجاوزا. وبذلك أكون مِـرْآةً له، ويكون مرآة لي. وسيكون كلامي مع كلامه نصا بنص عدا بعض الصيغ البيداغوجية التي يقتضيها الإلحاح على المعنى ومعاقبة الاعوجاج بدفعه إلى مداه حتى يرى نفسه في المرآة، إذ يقولون: “النخلة لا ترى اعوجاجها”، إذ حين تراه تنكسر. لن أُدْخِل على ذلك المقال غيرَ بعض التعديلات الشكلية التي تربطهُ بالحدث الآني، وتخففه من حدة بعض العبارات التي أجدها الآن متشنجة. ولي في الطريق إلى النشر عمل أكاديمي بعنوان: تحليل الخطاب الشرعي من مدخل بلاغي. يحاور الأصول والمقاصد في أفق تداولي، ويفتح آفاقا لتطوير البحث في الموضوع. الآن نحن داخل الإشكال الحجاجي: احترام الشخوص والعقول، وهنا يختلط العلم بالأخلاق.

وحتى لا يُقال بأننا نتصيدُ هفواتٍ من هنا وهناك، ولبيان مدى كثافة العيوب الخطابية التي سنوردها في خطاب الشيخ، سنأخذ تسعين في المائة من شواهد مقالنا هذا من الدرس 79 الذي ألقاه الشيخ سنة 2008 ردًّا على الحقوقيات والحقوقيين، المطالبات والمطالبين، بمراجعة بعض القضايا التي رأوا جميعا أن المدونة لم تُوفِّها حقَّها، أو أن التطبيق أبان عن خلل فيها. وقد تحول هذا الدرس، كما سترى، إلى خطبة حماسية تحريضية هيمنت عليها المؤثرات التقييمية والانفعالية (الإيطوس والباطوس)، متجلية بقوة في المؤرات الإشارية والإلقائية، مع غياب التواصل الحواري مع المستمعين. وهذا الدرس/الخطبة مهم جدا لأنه صار مرجعا أساسيا (إنجيلا) عند كل أطياف الأصوليين المعادين لكل حديث عن حقوق المرأة والإنسان عامة. والدليل على ذلك هو أنهم أعادوا نشره والاستشهاد به مكتوبا ومسموعا في الرد على المطالبين بمراجعة قضايا المساواة سنة 2014، ومنها الإرث، أي أنه نص غير “منسوخ”. مع التنبيه إلى أن اعتمادنا على المسموع المرئي (فيديو) الموجود على الشابكة في تسع فقرات بعنوان: الرد على دعاة المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى.

مقام إلقاء هذه الدرس/الخطبة (أو مُسْتمَعُها، كما نقول في بلاغة الحجاج) مُلتبسٌ. فقد أُلقي مِن عَلَى منبرِ مسجدٍ تحت رقم 79 من سلسلة دروس، ولكنه ليس موجها لعموم المغاربة الذين يقصدون مساجد الله لأداء الصلاة والتفقه في أمور الدين محتفظين بتصوراتهم المختلفة في أمور الدنيا، ومنها قضية مُدونة الأسرة التي اختلفوا فيها اختلافا كبيرا، ثم قبلوا التحكيم الملكي فطوي الملف موقتا. أخشى أن يكونَ مسجداً ضِراراً. هذا الدرس/الخطبة ينتمي، في الغالب، إلى التكوين والتأطير الداخلي [لجمعية أو حزب]، أي أنه لم يكن مُعَدًّا للنشر؛ يُرجِّح ذلكَ أن الشيخَ لم يُسجِّله في موقعه على الشابكة ضمن دروسه ومحاضراته. وقد تجلى البُعدُ الفئوي التحريضي في تنقيصُه “للآخر” وعدم الحرص على التأسيس العلمي للكلام مَنطقًا وتوثيقا. وإليك نماذج من دلائل عدم احترام الشخوص وأخرى من عدم احترام العقول:

1 ــ عدم احترام الشخوص: صورة الآخر في خطاب الشيخ

تمهيد عام:
تهمنا صورةُ الآخر عند “فضيلة الشيخ” لاعتبارات جدية كثيرة، نكتفي بذكر ثلاثٍ منها تطوقُه بمسؤوليات ثقيلة: أولُها أنه يتحدث في مسجد، في بيت الله الذي يقصده من يتفق معه ومن يختلف في قضية المساواة التي صارت دستورية، وثانيها أنه عضو في هيئة تحكيمية عليا [بل صار في أكثر من هيئة]، و ثالثها أنه متصدِّرٌ للإفتاء والتوجيه في أعلى مستوياتهما وأدناها…الخ.
فهذه التَّكلفاتُ والمَهامُّ تكليفاتٌ (أمانة) تُقَيِّــدُ قلمَ العالم ولسانَه: تبعدُه عن مقام الشاعر القديم الذي يهجو من شاء متى شاء، أو يستسلم للاستفزاز “فيجهل فوق جهل الجاهلين”، فَـ”إسراج فرس الجهل” ليس من صفات الحكماء، ولا من أخلاق الرؤساء. وتبعده أيضا عن مقام السفسطائي الذي يستغبي مستمعيه. وما دام الشيخ حكما وقدوة، وما دام خارج هذين المقامين فمن حقنا أن نزن كلامه بميزان الأخلاق وميزان العلم والعدل متسائلين: هل هو ذلك الحّكَم الذي يتسع صدره لكل المواطنين على اختلاف تصوراتهم للقضايا الحقوقيةـ أمْ يصدُق فيه قولُ الفرزدق:
ما أنت بالحَكَمِ الْتُرضى حكومتُه…الخ! أي الذي يُرضى حكمه؟
سنقدم الوقائع بأمانة، ونعلق عليها بما يُبرز خُطورتَها، ونترك للقارئ الإجابة عن السؤال السابق: هل يصلح من يتصف بما سنذكره حَكَماً في القضايا الحقوقية (العلمية والأخلاقية) التي تمس كل المواطنين؟ وعلى القارئ أن يستحضر قاعدة ذهبية في مجال القضاء، وهي: لا يقضي القاضي وهو غضبان. ومظاهر الغضب على المتقاضين كثيرة ومعروفة، منها: تنقيصه، أو نهره، أو رفض الحديث إليه، أو مناداته بغير اسمه…الح. ومِـلْـحُ طعام الخطاب الحجاجي معاقبةُ الادعاء غير المُؤسَّس بشيء من السخرية الأدبية، من قبيل ما استعمله القرآن الكريم. وإليك “دلائل احترام” الآخر:

1ـ1 ـ النعوت القدحية المُنقِّصة
أولُ مظهر لِـ”الاحترام” في الحوار والمناظرة أن تَـذْكُـر الآخر بما يَستحسِنُ من الأسماء والألقاب وتتجنب ما يكرهه منها، وهذه من الأدبيات

الأولية التي لا يمكن أن تغيب عن عالم بفن المناظرة، فرغم أن النص المحالَ عليه هنا نصٌّ حواري (مناقشة أفكار دعاة المساواة)؛ المخاطبون فيه معروفون، فقد غيَّبَ الشيخ أسماءَهم وعَوَّضها بنعوتٍ قدحيةٍ مُنقِّصَةٍ، وهذه نماذج ممن ناقشهم الفقيه العالم بِـ”احترام”: عاطلة بنصف دماغ، و بعض التافهين، امرأة نكرة، واحد القـــزم، مسيلمة الكذاب، وأخيرا أَحَدُهُم:
1ـ1ــ1ـ واحد العاطلة بنصف دماغ: الأستاذة الحقوقية التي طالبت بالمساواة، وهي غيرُ محددة عنده: قد تكون رئيسة جمعية، أو عضوة فيها، أو ناطقة باسمها، وقد تكون وزيرة الأسرة نزهة الصقلي التي نعتها أحد أتباعه بأقبح النعوت (ع. نهاري) فعزلته وزارة الأوقاف عن الخطابة، خصها الشيخ بهذا الوصف:
“واحد السيدة ?ـاعدا، واحد العاطلة تفكر بَنِّصف ديال الدماغ، والنصف الآخر مشلول، وتجي تشرَّع لينا فْمقابل الشريعة الإسلامية”. (الفقرة 4). “وحْدَا عندْها نصف دماغها عاطل”.
من أين جاء الشيخ بهذا الوصف المُحقِّر للمرأة الحقوقية بدون تمييز أو تعيين؟ كان الأجدرَ بمن بصفته أن يضع الدواء في موضعه: الكلام مع الكلام. فقد سهَّل بخروجه غيرِ الأخلاقي مهمةَ من يريدُ الردَّ عليه من موقع “فنجهلَ فوقَ جهل الجاهلينا” : فمن سيمنع من ترى نفسَها مَعنيةً بكلامه أن تقول: “واحدْ الشيخ أعورْ، رُكبتْ عينُه في قفاه! يريد أن يقود قافلتنا نحو المستقبل!!!”. الأجدر بك، يا شيخنا، أن تجتهد في رد الفكرة، فإن أصبتَ صفقنا لك، وإن جانبت الصواب عذرناك.
وهذا التحقير ليس عَرضا أو فلتة! لا بد أن نتذكر هنا رفضَه أن يمُد يده لمصافحة العضوات اللواتي شاركن، إلى جانبه، في صياغة مدونة الأسرة، وعندما أحرجتْه الصحفيةُ موكريم “بخصوص رفض الفقهاء (من زملاء السي بنحمزة) مصافحة النساء المساهمات في اللجنة”، قال :
“هل تسألين عن المدونة أم عن أمور شخصية، هذا موضوع يطول شرحه، وليس موضوع حديثنا أساسا، ولا أريد الخوض فيه … أن ندخل مع الناس في قضاياهم الشخصية، التي لا تتعلق أبدا لا بالمدونة ولا بالفكر، أعتقد أن الأمر يتجاوز هذه القضية…”!!
القول بأن رفض مضافحة النساء مسألة “غير فكرية” قول عجيب غريب! أما كون المصافحة مسألة شخصية فصحيح في حالة واحدة: حين لا يكون الشخص في موقع المسؤولية أو التحكيم، حين يبتعد عن تدبير الشأن العام يكون ذلك شأنا شخصيا. في هذه الحالة إذا جاءت أي امرأة وطلبت مصافحته فمن حقه أن يصدَّها، ويتهمها بالتحرش إن شاء!
سيفهم القارئ ما أقصده حين يربط بين الموقف الذي وقفه الشيخ بنحمزة ومن معه وبين موقف الكولونيل الذي رفض مصافحة والي منطقة الغرب لكونها امرأة، فأحيل على المعاش، ولم يهتم أحد بمرافعة المتطرفين الذين شايعوه.
والأمر الذي لم أفهمه من سلوك الجهات المعنية بالأمن الروحي للمواطنين، كما يحلو لوزير الأوقاف أن يُسميه، هو كيف يعاقَبُ التابعُ ولا يساءل المتبوعُ؟ فإذا كان رئيس المجلس العلمي لجهة وجدة، وعضو المجلس العلمي الأعلى الذي يُعينه الملك باعتباره أميرَ المؤمنين يرى أن مصافحة المرأة قادحة في مروءة المسلم، فكيف يؤاخذ مَن دونه، ومن يقتدي به؟ هذا سؤال يتطلب جوابا من الشيخ، ومن كل الجهات التي يهمها الأمر، خاصة وزارة الأوقاف.
1ـ1ـ2 ــ بعض التافهين: وقال الشيخ في المحتجين لضرورة الاجتهاد بتغيُّر الظروف وخروج المرأة للعمل، وإنفاقها على الأسرة: “بعض التافهين قالوا…”.
الاحتجاج بخروج المرأة للعمل من أجل مراجعة حصتها في الإرث رأيٌ مطروح للنقاش تعاملت معه البيئات الإسلامية بمستويات مختلفة، ولا مبرر لهذا العنف. فسنده في الواقع لا يُدفع، وباب الاجتهاد في الميراث كان مفتوحا كما بينا في مقال سابق…إلخ. أشهر مَن طرح هذا السؤال الفقيهُ المتفلسفُ عدنان إبراهيم، وهو إمام مسجد في فيينا بالنمسا. فقيه واسع المعرفة بالأديان والفلسفات والتاريخ الإسلامي، جيد الاطلاع على الفقه. لا يعيبه غير إعادة طرح قضايا تاريخية طواها الزمن، وصار حكمها للمؤرخين وليس للفقهاء (موقفه من معاوية ويزيد)، وكذا حماسه الزائد الذي يوصله أحيانا إلى حافة المجازفة الكلامية التي يتعلق بها خصومه. وهو شديد النقد للفكر الوهابي والسلفي المتشدد عامة. ولذلك جعلوه هدفهم. وشتان ما بين الرجلين.
1ـ1ـ 3ــ ـــ امرأة نكرة: أما الأستاذة التي أمَّتِ الناسَ في الصلاة فقال فيها: “امرأة نكرة من النكرات…”. وزاد في تحقيرها قائلا: “لو كانت حتى رجلا لا تصحُّ الصلاة ُوراءَها…”!!
لماذا لا تصح الصلاة وراءها، يا سماحة المفتي، حتى ولو كانت رجلا؟ قال: “لأخلاقها”. افترضتُ أنه يقصد الأستاذة أمينة ودود فبحثت عن ترجمتها، فعلمت أنها دخلت الإسلام منذ ثلاثين سنة، ولم أجد في سيرتها حكما في مسألة أخلاقية، أو غير أخلاقية. فعلى أي أساس قذف فضيلته هذه المسلمة؟ وهل نقول إنه حام حول قذف المحصنات؟، أظن أنه وقع فيه.
1ـ1ـ 4 ـ القـــزم! يذكر الشيخُ العالم، الذي يناقش الآخرين في احترام، أن هناك قزما عاب حكمه في مسـألتين فقهيتين. قزم من أقزام كتبوا في الصحف، ينتقدون خروجَه عن المدونة في قضية الولاية وقضية الطلاق المعلق. من هو هذا القزم؟ مادام لم يُعيِّن فإن الأمر يصدق على كل من يختلف معه؛ من الذكور هذه المرة. وفي حدود علمنا أنه اُنْتُقِدَ تصريحا من طرف الأستاذ محمد الساسي، وتلميحا من طرف الأستاذ الخمليشي. انتقدا فتواه بإنفاذ “الطلاق المعلق”، ضدا على ما توافق عليه المغاربة في مدونة الأسرة. وهذا رأي الأستاذ الساسي: “في العدد 1916 من «التجديد» (18 يونيو 2008)، ورد السؤال بالصيغة التالية: «زوجتي لا تصلي، وتشاجرت معها عدة مرات حتى حلفت عليها يمين طلاق أن تصلي، فماذا أفعل معها حتى أقنعها بضرورة أن تصلي؟».
“وجاء في سياق جواب الأستاذ مصطفى بنحمزة: «لعل الأخ السائل تعجل حينما ربط بين الصلاة والطلاق. وبما أن الأمر صار واقعاً، فإن طلاقه ذلك يصبح معلقاً على الصلاة، فإن أمهلها مدة معقولة ولم تصل، كان طلاقه طلقة واحدة رجعية إن لم يكن قد سبق له أن طلقها مرتين سابقتين، وحينذاك فهو بالخيار بأن يستأنف معها حياة زوجية على أمل أن تصلي مستقبلاً أو يبقى على موقفه السابق”. بينما تنص المادة 91 من مدونة الأسرة على أن «الحلف باليمين أو الحرام لا يقع به الطلاق»، وتنص المادة 93 على أن «الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه لا يقع».
وهكذا، تقول المدونة بعدم نفاذ الطلاق المعلق، ويقول فقيه التجديد بنفاذه، وهو بذلك يقدم للسائل حلولاً مناقضة للقانون، ويوقعه في ورطة، فعندما سيطلب السائل توثيق طلاقه، ويُوَاجه بأن هذا الطلاق ليس قائماً أصلاً، فستكون الفتوى قد زرعت بذور الشك في طبيعة علاقته بزوجته هل هي حلال أم حرام؟”.
ولمَّح الأستاذ الخمليشي إلى هذه الفتوى ضمن مقال تعرض فيه للفتوى بتزويج الصغيرة خارج القانون، مركزا على ضرورة الالتزام بالقانون أولا، ثم العمل على تغييره بالوسائل الإقناعية عند الاقتضاء حتى لا يحس المواطن بأن المدونة تصادم الشرع. وقد سبق أن أشرت إلى هذا التلميح في كتاب منطق رجال المخزن وأوهام الأصوليين وأحلت على مصدره.

ومن القضايا التي بقيت غُصة في حلق الشيخ بنحمزة مما يتعلق به “الأقزام” المشاغبون قضية ولاية الرجل على المرأة، ولذلك قال في درسه/خطبته: وعلى من لا يريد “ولاية الرجل” على المرأة أن يترك المذهب المالكي ترانكيل tranquille، حسب لفظه.
فالقزم، كما ترى، قد يكون بحجم الأستاذ الساسي، وقد يكون بحجم الأستاذ الخمليشي. لا شك أن هؤلاء أقزام بالمقارنة مع عملاق لا نراه، لأنه يختبئ في جمجمة الشيخ، لا يخرج منها، من أولويات منطقه أن القطيع لا يحتمل أكثر من فحل، وهو الفحل والآخر الصدى. غير أن هذه الفحولة تلاشت حين بدأ يواجه الموضوع بمُراوغة دون ما ينتظر من الفحول: مدعيا أنه قد يكون بصدد الجواب عن سؤال موجه من رجل هندي أو عراقي على الشابكة…الخ، والحال أن السؤال والجواب نشرا في التجديد الورقية. بودي أن أعرف ماذا كان يدور بأذهان جمهوره: هل كانوا فعلا يصدقون ما يقوله، أم كانوا في نكد مكتوم؟ هذا يسمى إعنات المخاطب، أي إتعابه. فهل أعنتوا، أم جرفهم التيار؟
1ـ1ـ 5ــ مسيلمة الكذاب: وفي سياق انتقاد فضيلة الشيخ للغرب شبه كل من يأخذ عن علم الغربيين بِمُسيلِمة الكذاب قائلا: “مسيلمة الكذاب دايما موجود…”. ولازم وجود مسيلمة الكذاب في هذا العصر وجودُ نبي صادق لا يكذب على الله وهو الشيخ. وليس في كلامي هذا أية مجازفة، فالشيخ يعتقد أن خطابه، باعتباره فقيها، من قبيل الخطاب الشرعي؛ يلي الكتاب والسنة، لأنه يوقع عن الله، كاشفا لأحكام الشرع، وهذا نقاش في مستوى آخر، تناولناه فيه ويظهر قريبا. (قال هذا في الدرس 14 من دروس الأصول).
زبدة الاحترام وخلاصته

في تعليق على النماذج السابقة، وما شابهها، قال الشيخ العالم المحترم لمناقشيه: “هادو ناس! ما عندهم علم، ولا شرع، ولا أخلاق، ما عندهم حتى شي حاجة” (الفقرة7) .
نِعْمَ الكلام! هكذا تكون المناقشةُ العلمية باحترام!
ماذا تقول أيها الشيخ العالم؟ تقول: “ما عندهم علم”! هكذا على الإَّطلاق؟! ما أساس هذا الحكم؟ هل امتحنتهم؟ قُــلْ: ما عندهم علم بنظام الميراث في الإسلام، وأقِـــمِ الحجةَ على ذلك. وقرِّعُهم ما شِئْتَ إن ادعوا المعرفة على غير أـساس، أو بَنَوْا حكما غيرَ وجيه على تلك المعرفة المنعدمة أو الناقصة.
هذا عن العلم، أما الاتهام بانعدام الشرع والأخلاق فإنه قذفٌ صريح لا يليق بمن هو دون مكانتك بأميال وأجيال. أنت تعلم أن هذه اللغة هي التي جرَّتْ أبو نعيم إلى قفص الاتهام والإدانة. هل كل مَن اختلف مع شيــخ (بِـ”فضيلة” أو بدونها) أصبح “بلا علم” و”لا شرع” و”لا خلق”؟ أو أصبح كافرا وعاهرا مباشرة؟. معذرة سيدي، هذه ليست لغة العُلماء! هذه لغة لا تبني وطنا، ولا تقيم نظاما. هذه لغة الخوارج الذين أرهقوا الدولة الإسلامية ثم خربوها! هذه اللغة تجاوزت ما يقوله الوهابيون الذين أنكرت الانتماء إليهم.
وقد حذر الشيخ مستمعيه (مريديه أو طلبته؟) من هذه العصابة “الشريرة”، فقال بالدارجة: “قراوْا العلوم الشرعية، ?ـلسوا لها قبل ما يديوْا ليكم الدين، هادوك الناس اللي ?ـالسين بلا صوالح، إدَوْرُكم فْلخوا، يَحْسبكم بَصَّحْ!”. (الفقرة 6).
وترجمة هذه النصيحة العلمية المواطنة: “ادرسوا العلوم الشرعية، اعكفوا عليها قبل أن يُنتَـزع الدينُ منكم من طرف أولئك الناس العاطلين (الجالسين بدون شغل)، سيديرونكم في الخواء، لا تحسبوا أنهم على شيء”.
أين نحنُ، يا فضيلة الشيخ؟ في أي مَجَرَّة نحن؟ ها أنتَ تظن أنك تعيش في المغرب وحْدَك، وتملك الإسلام وحدك! والإسلام موجود في هذه البلاد قبل أن تُقلَّكَ أرضُه ويُظلك سماؤه.
1ـ 2 ـ دلالة العزوف عن ذكر اسم المحاور؟
فضلا عن كل ما سبق نَشرَ الشيخ مقالا رد فيه على الأستاذ أحمد عصيد، أبدى فيه وأعاد، ودخل وخرج، دون أن يُسعفه قلمه بخط اسم محاوره، لم يذكره ولو مرة واحدة، اكتفى بقوله: “نقلت الكثير من المواقع الإعلامية ما صرح به أحدهـم في بعض الندوات من أن الكتاب المدرسي يحتوي على نصوص تحرض على الإرهاب وتغري به”. (هسبريس).
استهجنتُ، عند قراء المقال، هذا المنحى الاستعلائي، وتواردت على ذهني مجموعة من الصور والأجوبة فلم أرَ غيرَ السخرية الأدبية جوابا، فشرعتُ، بعد العودة إلى مكتبي، في تحرير مقال بهذا العنوان الساخر: “قال أحدهم في الرد على أحدهم. توقيع: أحدهم”. ومما جاء فيه:
“سيكون من الخروج عن مبادئ بلاغة الإقناع، وشروط مناسبتها لأحوال المخاطبين، أن يُوجَّه العتابُ إلى الشيخ الأستاذ المختص في الأدب العربي والعلوم الشرعية من موقع مخاطبة “خالي الذهن” الذي لم يطلع على أدبِ المناظرة عند العلماء المسلمين، كما سيكون من الاستسلام للاستفزاز والسير في طريق الخطأ استعمالُ التحليل النفسي لبيان أسباب “نفي” اسم المحاور، فالتحليل النفسي حَفْرٌ في الذاكرة الفردية والجماعية، وفي هذه الذاكرة سنصل إلى “الاستعلاءُ” و”العزلة الشعورية…” وغيرها من المفاهيم “القطبية”، وتلك متاهة تجرنا بعيدا عن اللحظة، ولذلك اخترنا هذا المسلك الوسط، أي المسلك البيداغوجي القائم على وسائل الإيضاح الساخر: أي دفع المنطق المعوج إلى أقصى ما يمكن أن ينتجه، وهو القطيعة. فلو أننا سلكنا طريق الشيخ في التنكر، وقلنا: “قال أحدهم لأحدهم، توقيع أحدهم”، لَما بقيت لنا حاجة لا بِــأبو هريرة، ولا لابن خلدون، ولا حتى بسيد قطب”. عالَم بدون معالم! انتهى الاسترجاع.
إن عدم القدرة على نطق اسم الآخر (المحاوَر فرضا) دليلٌ على أن المتكلم لا يجد مسافةً بينه وبينه قابلة للاقتسام (حالة الحوار)، أو على الأقل صالحة لتحقيق حسن الجوار وعدم الاعتداء (حالة الحياد أو حتى القطيعة). وبذلك تصير اللغة أداة لنفي الآخر وتشييئه تمهيدا لتغييبه بأشكالٍ أخرى، منها الاغتيال المادي.
إن غسل الأدمغة وصناعة الروبوهات القاتلة تمر من هذا الطريق. ففي هذه الخطوة يصبح الآخر “رقما” كما في المعتقلات السرية التي عرفها المغرب في سنوات الرصاص. فمن البديهي أن مسح رقم لا يُسيلُ دما، وليس هو قتلَ إنسان له أم وأب وأطفال وأصدقاء ومشاريع وآمال..الخ. وأولى من مسح رقم بالإنجاز إزالةُ نجاسة: إن عمل الشيخ مدروس وممنهج، فهو يتراوح بين تدنيس الآخرين (من خلال تأثيمهم) وبين تحويلهم إلى مجاهيل، أو أرقام تمسح.
من الصدف العجيبة أني وقفت صباح يوم (03 / 09 / 2014)، بعد الانتهاء من مراجعة هذا المقال، في الرصيف 33 حيث توجد محطة الإركاب إلى سجن ألكاتراس ALCATRAZ الشهير بمدينة سان فرانسيسكو، فواجهتني لوحة عليها صورة أحد المجرمين الذين مروا من هناك، وبجانبها كلمة له تلخص دلالة ما نحن فيه، هذا نصها:
?You were a number, you weren’t a name; I wasn?t Jim Quillen. Hell, I Was Number 586, and nobody wanted that.?
وترجمته: “لقد كنتَ مُجرَّد رقم، لم تكن اسما؛ لم أكن جيم كِيلن. إنه الجحيم، كنتُ رقم 586 ـ ، ولا أحد يريد ذلك”. يمكن ترجمة كلمة Hell بِ”سُحقا”! أي سحقا لها من وضعية.
لقد أمكن لهذا السجين المحكوم بِـ 45 سنة أن يخرج من الرقم الذي حُشرَ فيه لحظةَ تماس كهربائي صاعق بتلك التي كانت المبتدأ في ربطه بالعالم: وقع ذلك حين وصله خبر موت أمه، ودفنها في قبور المهملين، فانقلبت حياته 180 درجة، قرر أن يسترجع اسمه. فكان له ذلك، خرج من السجن بعد 10 سنوات، وتزوج وولد بنتا، وكتب تجربة منفاه في سيرة ذاتية بعنوان: سجن الكاتراس من الداخل. أتمنى أن تكون لدى السيوخ الخطباء القدرة على الخروج من سجنهم ومنفاهم بدون صعق.
2 ــ عدم احترام العقول: اختلالات حجاجية

إذا كان عدم احترام الشخوص يستهدف الإساءة إلى المخالف، فإن عدم احترام العقول ينطوي على الاستهانة بالمتلقي المباشر لخطاب الشيخ، وهو جمهوره، جمهور المتلقين بعده. والغالب في الخطاب الذي يلقى من على منابر المساجد أن يكون في اتجاه واحد باعتبارِ تناوله للقيم العليا التي لا يختلف حولها المؤمنون، غيرَ أن الدينسيين (من يخلطون الدين بالسياسة) يستغلون قدسية المكان لتمرير القضايا السياسية الخلافية، مستعملين المراوغات الخطابية التي يلجأ إليها الياسويون، ويزيد الأمر سوءا حين يوهمون المستمعين أن ما يقدمونه ينتمي إلى العلم: “دروس”.
سنركز في هذه الخطوة على قليل من كثير مما نعتقده خللا حجاجيا، أو تهافتا، في منطق الشيخ. ومهما كانت الحجج مواتية أو مغرية، فلن نرضخ لإغرائها، لن نصف دماغه بما وصف به دماغ الحقوقية، ولن يتضاءل عندنا حجمُه لصير بحجم قزم بين العلماء، ولن نقول إنه ليس عالما ولا مضيعا للشرع، ولا عديم الأخلاق، ولا أنه يريد أن يسرق الدين أو يُهرِّبه، بل كل ما نقول أنه استسلم لجو الانتصار في حضور الأنصار، فأطلق من الكلام ما لم يكن يتوقع أنه سيغادر جدران الدار. والديار تشجع أيا كان، كما قال الشاعر!
2 ـ1ـ ذكاء المقهورة
وذكاء الحرة؟

يَعيبُ كلامَ الشيخ، عموما، أنه يفكر في زمن من خلال زمان آخر. قال فضيلته وهو في غاية الانتشاء: إن تجربة تطبيق مدونة الأسرة أثبتت أن

المرأة لا تتجاوب مع مطالب الحقوقيين، والدليل على ذلك أن نسبة الأزواج الذين وَقَّعوا وثيقةَ المِلكيةِ المشتركة لم تتعدَّ 0،5 في المائة. نحن لا يهمنا الرقم، وليست لدينا المعطيات التي تؤكده أو تنفيه. الذي يهمنا هو فرحُ الشيخ بهذه النتيجة وتوظيفها في اتجاه يأباه الشرع، كما سيتضح.
فالسبب في ذلك، في نظره، وحسب ما سيأتي من لفظه، هو أن “المرأة المغربية ذكية”، لا يمكنها أن تنغص أسعدَ لحظة في حياتها، لحظة كتابة العقد؛ إذ قد يرفض الرجل إتمام العملية ويقول لها: “السلام عليكم، سيري دوري على من يزوج معاك… “. وهذا نص كلامه؛ نُصِر على نقله للأمانة وللغته “العالمة” “المُحترِمة” للمكان (المسجد) وللمستمعين!
“علاش المرا قبلت يدخل بها الزوج بلاش؟ علاش ما زيرات باباه [كذا] حتى يدير معاها الملكية المشتركة؟ مالها مشات؟ غير سمعت الطبيلة [كذا] ودخلت العرس؟ لا، إن المرأة عندنا ذكية، زواجها هو أسعد شيء في حياتها، ما تنغصو بهذا. ماشي حمقا تقول للزوج اللي بغا يتزوج معاها: واجي لهنا كْلسْ لَّلرْضْ [اجلس إلى الأرض] نكتب معاك! غادي يقول ليها: السلام عليكم، وسيري تدوري على من يزوج معاك، وحنا بدينا بالكوميساريا، بالتوقيعات…”.

لن أعلقَ على اللغة، فهي ناطقة بمستواها “العالم”! فالذي قد لا ينتبه إليه جمهور القراء هو المحتوى الفكري والحقوقي لهذا الكلام. أقول للشيخ المحترم:
إذا كان ما ذكرته ذكاءً، فلا شك أنه نوع من ذكاء العبيد، ذكاء المقهورين: ذلك “الذكاء” الذي يجعل الشخص يتنازل، في أجواء القهر والخنوع، عن كرامته من أجل البقاء. أما حين تهب رياح الحرية فإن الناس يُضَحُّون من أجلها بكل شيء، بالولد والمال والجاه وبالنفس. وللكواكبي حديث جميل في هذا الموضوع: لماذا ينتحر الأحرار ولا ينتحر العبيد؟ يجب أن يتذوق الإنسان الحرية لكي يتشبث بها، ويستشهد من أجلها إذا اقتضت الظروف. وهذه هي الثقافة التي كان على الشيخ وأمثاله أن يهيئوها، والأجواء التي عليهم أن يخلقوها:
واجب العالم ــ إن كان أكثر من ببغاء يردد ما قاله القدماء ــ هو توعية الرجال، قبل النساء، بأن هذا العَقد الاختياري إنْ كان فضْلةً فهو فضِيلة تُشرِّف ولا تشكِّك. توعية الرجل بأن قلبَ المرأة سيظل مكدرا بذلك “الذكاء الشقي” الذي تحدث عنه الدكتور الأستاذ فضيلة المفتي.
الثقة والمحبة والرحمة والوفاء كلها فضائل مطلوبة من المؤمن، ولكنها تصان بالإجراءات القانونية التي تطمئن القلوب، لأن الناس يعلمون أن “المال السايب يعلم السرقة”. ولو كان الإيمان ــ وهو مربط الفضائل ــ كافيا في ترتيب العلاقات المادية بين الناس لما قال الله تعالى بإلحاح قوي: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ … ولَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ … وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا، وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ، ذَ لِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ، وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ، وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا”. (البقرة 282).
الأستاذ لا يجهل هذه الأمور، ولكن التحيز يُنسي ويُقْسي، ينسي البديهيات ويقسي القلوب، لأنه يضيق أفق الرؤية، فلا يرى المرء غير ما يُريه هواه، ولأن الأهواء تتقلب فإن المواقف تتبعها. الدليل على ذلك أن الشيخ نسيَ هذا الذكاء القهري ــ في نفس الدرس ــ وتحدث عن خطر المال على العلاقات العائلية حيث يؤدي إلى الحرب بين الأب وابنه، كما هو معروف في التاريخ بين الملوك وأبنائهم. فإذا كان المال “سوسةً” يمكن أن تسوس الأسرة، وتفسد العلاقة بين الأب والإبن فالأجدر بنا أن ننشر روح القانون مندمجة مع روح المحبة: يكاتب الرجل المرأة، وتكاتب المرأة الرجل على حفظ الحقوق تعبيرا عن المحبة، لا خوفا من الغدر. هذه سيدي طريقة أخرى في التفكير خذها بعين الاعتبار، ولو جاءتك من قزم أو نكرة.
يحضر في نهاية هذه الفقرة سؤال: كيف تكون المرأة المغربية الأمية المفتقرة الخائفة من انصراف الزوج عنها ذكيةً، وتكون شقيقتُها العالمة الحقوقية المثقفة المستغنية ماديا غبية؟ يمكن أن يقع هذا في حالة واحدة: إذا كان الميزان مقلوباً. والعلم ليس ترديد كلام القدماء حبا وتبنا، بل هو المنهج والانسجام، فإذا كنت تؤمن بذكاء المرأة المغربية ــ وهذا حق ــ فإن ذكاءها أزهر وأثمر بالعلم والثقافة، فاحترم العالمة المثقفة واستمع إليها، فهي أعلم بشؤونها وشؤون شقيقتها المقهورة التي لا تملك أن تعاقد الرجل الذي يخيرها بين القهرين: استبداده والعنوسة.
الفضاء المرجعي لهذا الفكر

يمكن التعرف على الفضاء المرجعي الذي يكرعُ منه الشيخ ولا يستطيع الخروج منه بتأمل بعض الأمثلة التي ضربها للقواعد الأصولية التي يدرسها. كنا ننتظر أن يأخذ أمثلتها من الواقع المعيش، باعتبار أنه ليس مؤرخا بل يدعي أنه منظر لمعرفة يريد أن يبني عليها دولة الإسلام الحديثة. والحال أنه لا يستطيع أن يخرج عن أمثلة القدماء وأجوائهم، وهذا ما يوقعه في بعض المواقف التي قد تكون لغزا بالنسبة للإنسان الحديث، مثل ضربه مثلا لقاعدة من تلك القواعد بحال الرجل الذي يطأ امرأة خطأ ظنا منه أنها زوجته: ما حكمه؟
فليس من السهل على الإنسان الحديث تَصوُّرُ وَطْءِ الرجلِ امرأةً دونَ علمه مَنْ هي؟ ودون سؤالها هي من هو؟ إذا أمكن للفقهاء تصور هذا في العصور الوسطى (حيث يعم مفهوم القطيع) فالمطلوب منا نحن اليوم نشْـرُ ثقافة تجعل هذا السلوك مستحيلا. ثقافة تعطي المرأة سلطة مطلقة على جسدها. الشيخ متمسك بالولي لأنه المدخل الوحيد لِـ “وَطْءِ” المرأة دون أن تعلم من وطِئَها!
إن وطأ المرأة دون معرفة من هي، أو دون تمييزها ما يقع لها، لا يتصور بالنسبة إلينا إلا في ثلاجة الأموات، أو في تزويج الأطفال غير البالغين القادرين على التمييز. وهذا يلتقي مع فتوى “ناكح الجثث” الذي ادعى بدوره أنه يوقع عن الله، ومع فتوى وثقافة مغتصب الطفولة: مزوج بنت التسع سنوات. وهذا الفكر قريب من فتوى تخفيض الرضيعة عند الشيعة. فالمرأة عند هؤلاء جميعا توطأ، بمعنى تداس دون أن تعلم من داسها.
2ـ2ــ العقول المستعارة وعبقرية «الكَـرْفَـرا»!

وفي قمة نشوة الهجوم على الحقوقيين قال فضيلته: “مجتمعاتنا كانت فيها عبقرية لا يعرفها هؤلاء، لأن هذا الناس ما كبروا في مجتمعاتنا! هؤلاء يفكرون بعقليات مستعارة! العقل ديالــو كُلُّ مستعار [عقله كله مستعار]، جايبُو غير بياس ديطاشي [استورده على شكل قطع غيار]”.
الهجوم على الحقوقيين هنا ينتمي إلى القسم الأول من هذا المقال، أي إلى احترام المحاور، ولذلك سأكتفي بالتعليق على تفسيره للعبقرية؟
تكمُنُ العبقريةُ، حسب قول الشيخ، في لجوء الأسر الأندلسية المسلمة إلى تشوير (من الشِّوار) بناتها اللواتي قد يكن أقلَّ جمالا بِـ”الأثاث والمتاع والفراش” لصرف الشباب عن الصقلبيات الجميلات غير المسلمات. وهذا شبيه ــ حسَب قوله ــ بمنح الأوربيين ــ جاليا ــ التأشيرات لمن يكفيهم من الشبان المسلمين هَـمَّ واحدة من بناتهم اللوات وصفهن وصفا قبيحا.
لن أناقش هذا التعليل لظاهرة الشِّوار في تاريخيته، ولا في عمومه وخصوصه، فالذي أثارني شأنٌ بلاغي ذوقي خالص، وهو تشبيه عمل هذه الأسر بسلوك الأوروبيين اليوم في إعطاء التأشيرات لمن لا يستحقها إذا قَبِلَ أن يخلصهم من “كَرْفَرَا”، حسب لفظه: “إلى باغي تجي تدي علينا شي كرفرا ?ـاعدا عندنا [بائرة] نعطيوك واحد الفيزا” ولو كنتَ لا تستحقها. قال: كرفرا “عندها ستين عام” .
هذا مثال جديد لما أسميه “شكلانية الفقهاء” الصغار، وقد طغت هذه الشكلانية في عصور الانحطاط، حيث ينشغل الفقيه بالشكل عن المحتوى فيصادم الذوق والعلم والعقل، ومن فرسانها في المغرب حاليا صاحب فتوى الجزر ومضاجعة الجثث، الشيخ الزمزمي، وفي مصر “مرضع الكبيرة”. فالذوق السليم يأنف من تشبيه المسلمات مهما كان أمر جمالهن بـ”الكرفرا”، بل يأنف من تشبيه أي امرأة من لحم ودم وعواطف وآمال بهذا اللفظ الذي يحيل على حقل من دلالات الاستهجان، مهما كانت جنسية هذه المرأة. فحتى وإن لم يفهم المستمع معنى الكرفرا، في دارجة الفقيه، فإنه سيفهم، كما فهمتُ أنا وبعض الأصدقاء، أن المقصود هو ما يتداوله العامة من تشبيه المرأة القبيحة بِـ”الكُفْرا”، أي ضربة الجزاء. فهي تنزل على المقترن بها كما تنزل ضربة الجزاء على فرق كرة القدم، أي نزول الكارثة. ويسمونها أيضا “بروصي”، أي ذعيرة، ويسمونها “أوراقا”، أي لا مبرر لها في الحياة الزوجية. فعلى هذا الحقل من “السوقية” المثيرة للاشمئزاز تحيل كلمة “الكرفــرا” وهي تقدَّم تشبيها لبنات المسلمين. أما إهدار الجانب المعرفي فيتجلي في ادعائه ربط الأوربيين بين التأشيرة وبين مستوى قبح الزوجة. فهم يعطون مزية للعقد بقطع النظر عن مظهر الإنسان، بل إن التعليق على شكل الإنسان ولونه يُعرِّض الفاعلَ للمتابعة. ولو حكَّم الشيخ عقله لما وقع في الخطأين: الذوقي والمعرفي. ومن هنا تبدو العقول المستوردة ــ إن صح زعمه ــ أنفعَ لصاحبها والبشرية جمعاء من العقول المحلية، بقدر ما تكون الطائرة أنفع من الجمل، والسيارة أنفع من الحمار …الخ. والحقيقة هي أن الذين انتقدوه بقوة في القضيتين اللتين أثارهما بعنف (الولاية والطلاق المعلق) صناعةٌ محلية خالصة Made in Morocco، مثل العبد الضعيف، والمعرفة ضالة المؤمن والمؤمنة على حد سواء. https : // www.youtube.com /watch?v=mdDfQLjzS2E
2ـ3ــ أسطورة المرأة التي «تغطس في الماء»

توجه الشيخ إلى الجمهور المستسلم الذي كان يتلقى خطابه بدون تعليق فقال ما صورته: “سَوّْلْ مّْكْ”! فقد تحصل عند قسمة الميراث على حصة أقل، ولكنها تحتفظ عليها، في حين يُضيع إخوتها حصصهم.
كيف تحتفظ بها؟ قال الشيخ والعهدة عليه: “تحط راسها، تغطسْ فَ ـلْما، وتقول ليهم: السلام عليكم”. وكلما احتاجتْ نفقة تكفل بها واحد من الذكور الكفلاء.
الذي أثارني من هذا الكلام السريالي هو الطريقة الكاريكاتورية التي تُــدبِّـر بها المرأة حصتها! تحط رأسها في الما وتقول: السلام عليكم! المقصود بهذه الاستعارة غير الموفقة ــ فيما يبدو ــ هو أنها تنسى الحصةَ المحصلة من الميراث، التي قد تكون دَويْـــرةً (أي دارا صغيرة)، لأنها لا تكون في حاجة إليها. تدخرها لأيام العُسرة، أو لأبنائها!
كمْ كنتُ أودُّ أن يسألَ الجمهورَ الذي يجلس أمامه، وكم كنتُ أودُّ أيضا أن أسأله معه: كم واحدٍ منهم تَـمْلكُ أمُّه “دويرة” ذاتَ قيمة، كيفما كانت، “غطست في الما” وتركتها “لدوائر الزمان”؟ ولماذا أكثرهم غرباء في مدنٍ لا يملكون فيها شيئا؟ فَـاللهُ وحده أعلمُ بحال ذلك الجمهور، كما يقول المغاربة، حين يعجزون عن وصف محنهم. وأنا القادمُ من التعليم الديني الأصيل أعلم أيضا بحال من يكون هناك: أولادُ الفقراء، واليتامى، وأبناء البوادي بشكل خاص. الفتنة التي تعرفها المدن المغربية الآن هي فتنة البحث عن سقف ولو من كارطون أو قصدير… أما الغطس في الماء عن دويرة فمحال! “اللي غطس هزو الما”!
ما الغرض من هذه الأسطورة التي خلقها فضيلته؟
قد يقول الشيخ ــ ضدا على معنى “الغطس” ــ أنه لا يقصدُ يُسر المرأة واستغناءَها، بل يقصد أنها مكفولة، وبذلك يرجعنا إلى البداية: فالسؤال بدأ من القول بأن المرأة لم تعد مكفولة، بل مساهمة في نفقات الأسرة، إن لم تكن المعيل الوحيد لها. أين الإخوة الذين يتكفلون حاليا بكل متطلبات أخواتهم؟
من صفات الفقيه الحق أنه لا ينطق بحكم حتى يُقلِّب المسألةَ على كل الأوجه والاحتمالات، فإن بقي في نفسه شكٌّ استخار اللهَ واستشار غيره، وحين ينطق برأي أو حكم يقول: هذا ما بدا لي والله أعلم، فالغالب في هذا المجال هو الظن. وإلا فما هو الإحصاء الوطني الذي اعتمدَ عليه الشيخُ في هذه المسألة؟ هل يكفي أن نقول للمستمعين “اسالوا أمهاتكم” ثم نصدر حكما يقطع حقوقا. هاهم سألوا أمهاتهم فأخبرنَهم، وأقسمنَ، بالأيمان المغلظة، أنهن لا يملكن أية دويرة في المدينة، ولا أية خرْبة مهجورة في البادية، ماذا تقول لهم؟
مجازفات الشيخ بن حمزة، كثرة، ولكنها تصبحُ خطيرةً حين تخرجُ من المستوى التشريعي إلى المستوى العقدي. فمن ذلك سخريته من النصاري الذين يقولون بأن اليهود قتلوا المسيح ابن الله. قال: إن معنى ذلك أن إلههم ضعيف؛ لم يستطع الدفاع عن ابنه!!! هذا الكلام خطير يمس علم الله وقدرته وإرادته وتصرفه في الكون! فالذين ادعوا قتل المسيح قتلوا أيضا أنبياء الله حقيقة و”بغير حق”، بشهادة القرآن الكريم نفسه: “وقتْلهم الأنبآء بغير حق…”. ولله في قتلهم حكمة لا نعلمها، ولا نخوض فيها.
أتمنى، بكل صدق، أن يكون لكلام الشيخ مخرجُ نجاة، أتمنى أن أكون مخطئا، أو أن تكون قراءتي واحدة من قراءات ممكنة لكلامه. ولن يقنعني أن يقول: “واحد النكرة قال… ولا يستحق ردا”، فوصف النكرة يسعدني، ولكنه لا يغني عن الجواب: قل نكرة، واشرح لي حفظك الله. فهذه المجازفة التي التبست على العمري مدعي البلاغة تزيد خطورة حين نعلم أنها لم تلق في محفل أكاديمي مُحَصَّن، ولا في جلسة تندر بين الفقهاء الذين سمعتهم يقولون: “وما يهلكنا إلا الظهر ” : “تَداوْتْ! أَلَفْيقه”! بل أُلقيتْ على سكان قرية “بني ادرارن” ضمن خطبة انتقد فيها العلمانية والثقافة والحرية! وتستحق وحدها مقالا. الله يقدرنا على فعل الخير.
2ـ 4ـ «ما عندناش الأزواج المتنكرون…»
يقول الشيخ: “ما عندناش الأزواج الذين يتنكرون لبيوتهم، ما عندناش، ما عندناش زنا المحارم…”! (الفقرة 4).
قال هذا في مَعرض التنديد بسلوكات الغربيين التي ينعدم فيها العدل والمساواة! وبذلك يكون قد قام بما يقوم به الجمل: “اللي حرث دكـُّـو”! فتقديره لسلوك الغربيين في حاجة إلى مناقشة، وفد يلتبس على جمهوره الخاص، أما قوله بأن المغرب ليس فيه أزواج متنكرون لأسرهم، ولا أقارب منحرفون شواذ فلا أعتقد أنهم سيهضمونه، وسيقولون في أنفسهم: كيف لشيخ لا يعرف ما يجري في المغرب أن يفهم ما يجري في الغرب؟! والحجة هنا هي أن ما يصدق على قوله في القريب المعروف معاينة ومشاهدة (الأقوى)، وهو البطلان، يصدق على البعيد غير المعروف له (الأضعف) بحكم ثقافته التقليدية التي لا تحتوي مرجعا غربيا يعتد به، أو لا يعتد. بالدارجة المبسطة: ما عارف حتى آش تيجري فالمغرب ويتحدث عن الغرب!!
وأنا أقول للشيخ من باب النصح الواجب بين الناس جميعا: لا يَجْرمَنَّك شنآنُ الحقوقيين ودعاةِ المساواة في الحقوق والواجبات ألَّا ترى عمق المأساة التي تجتاح المجتمع المغربي في المنعرج الحضاري الذي نمر منه، حيث ينهار نسق الأسرة الممتدة المتضامنة، وحيث يعيش ملايين العمال في هوامش المدن مآسي تصيب الكثيرين بالاكتئاب، وتجعل المرأة والطفل الصغير ضحية أزمات الأزواج المقهورين ماديا ومعنويا. يُفرغ الرجلُ المقهورُ، أو المنحرف، قهره أو انحرافه في المرأة، ويتعرض الأطفال للضياع. يقع كل ذلك في غياب المؤسسات المجتمعية التي تقوم في الغرب باستكمال دور الأسرة، أو الحلول محلها حين تعجز عن القيام بدورها. لو رأيتَ العناية التي توليها الدول الغربية للأطفال لما نطقتَ بما نطقت به، وأنا أحدثك من موقع العلم والمعاينة. آه لو رأيت العناية التي ينالها الأطفال في الغرب، في أمريكا خاصة!
هل صحيح أنك لا تعرف المصيبة التي تضرب الأسر الفقيرة في المدن فتشرد الأطفال وتقهر المرأة أقسى درجات القهر؟ كيف لا تعرف ذلك والمحاكم غارقة في ملفات إهمال الأسرة، ورغم كل عمليات التستر، فملفات زنا المحارم تزكم الأنوف غير البلاستيكية (هناك عين ميكا وأذن ميكا). أما اغتصاب الأطفال فقد ظهرت فيه أرقام فشلت كل جهود وزيرة الأسرة المسترشدة بهديكم في تقليصها، فبدأت تقدم بدورها أرقاماً صادمة.
هل نصدقك أم نصدق الوزيرة الإخوانية، أم نصدق المحاكم؟ لن نسألك عن الجمعيات الخيرية والصحافة الوطنية، فهي عند الشيوخ علمانية فضائحية.
كم أتمنى أن أسمع رأي الجمهور الذي كان يستمع إليك: هل استسلموا فعلا لنشوة السخرية من الغرب فأنساهم ذلك أنفسَهم، أم كانوا يقولون لك: “الله يهديك ألفقيه! راك غير تتخربق، الواقع في المغرب أسود مما تتصور، وإذا وجدت لنا عقدا للعمل هناك فلا تبخل، فالقضية حامضة هنا!”.
الظاهر من حركات الشيخ أن بعضهم ظل جامدا مبهورا؛ لم يُبْـدِ حَماسا لكلام الشيخ، لذلك عاد في الأخير ليقول عابرا: “ما نـ?ولُو شي ?ـاعْ ما كاين والو، ولكن…”!
المأساة، ياسيادة الفقيه، أكبرُ من أن يستوعبها “لكن” و”ما نـ?ـولوش”. ليس بهذه اللغة المتلجلجة تعالج القضايا الاجتماعية.
2ـ 5 ـ انزلاق أم تزليق؟
في مسعى لرفض كونية قيمة المساواة أورد الشيخ مظاهر ما اعتبره منافيا لهذه القيمة في سلوك الأنظمة الغربية، ثم قال: “ولا أجد المساواة كذلك في الحياة الفنية لدى الأوروبيين، وفي لوائح كبار الفنانين الذين طبعوا التاريخ الأوروبي من أمثال بيتهوهن، وموزارت، واليوناردو دافنشي. وفي حياة كبار المهندسين من مستوى كاودي. وفي حياة القادة والعسكريين من أمثال رومل، وروم، وكورينك، وليوطي، ولوكلير، وبيتان، وفوانو، وستالين، وفرانكو، ودوكول. ولا أجد المساواة ماثلة ضمن لائحة من حملوا درجة مارشارل”.
في هذا المنحى من الكلام انزلاقان خطابيان من باب الغلط أو المغالطة:
الانزلاق الأول: ربْطُ حقوق الإنسان بسلوك حاكم غربي أو حكومة أو منظمة، والحال أن هذه الحقوق إنجاز تاريخي للشعوب بمفكريها وفلاسفتها والخيرين من أبنائها عموما، وهي تراقب من يحيد عن هذه الحقوق وتعاقبه…الخ. ومن خطايا العرب جعل حقوق الإنسان تابعة للتحرر من هيمنة الغرب، والحال أنها وسيلة ذلك: حقوق الإنسان متبوعة وليست تابعة.
والانزلاق الثاني: ناتج عن عدم التفريق بين المجالات والمستويات: فالمساواة التي صارت قيمة عالمية هي المساواة في الكرامة المتأصلة في الإنسان بما هو إنسان، وفي هذه الحالة فإن جميع من ذكرهم متساوون مبدئيا في الحقوق والواجبات. وإلا فإننا نطلب من سيادته أن يبين لنا وجه المساواة التي يطالب بها. هل يطالب مثلا بتطابق أعمال الموسيقيين؟ إذا وقع هذا التطابق لا يكون هناك غير موسيقي واحد وعمل واحد وفاعل واحد، لأن العمل سيكون هو هو. وقُلْ مثلَه عن المهندسين، والعسكريين…إلخ.
إذا صدقت قراءتي فما هو الغرض من هذا الكلام؟ الغرض الظاهر من مثل هذا الخطاب غير الوجيه (غير المناسب لموضوعه) هو الإبهار. فعمل الموسيقيين، مثلا، عملٌ فني؛ التخييلُ فيه قائم على الانزياح، أي على نقيض ما يطلبه الشيخ. والقمة في عمل المهندس والماريشال انزياحٌ عن المألوف؛ وإلا ما أثار الانتباه. لن أقول للشيخ، كما يقول لنا: “لعبْ فم دارك”، فالبلاغة مثل العقل، هي أعدل قسمة بين الناس كإمكانية.
من ينشد مثل هذه المساواة سيُرهَق أو يُرهِق، سينتهي إلى ما انتهى إليه الشيخ حيت قال: “دائما نرهق بهذه المساواة”. (الدرس 79). فهل انزلق الشيخ أم يحاول تزليق جمهوره؟
وخلاصة الكلام: الإسلام أوسع مما تتصور
ينتهي الشيخ دائما إلى تخيير خصومه بين تبني تصوره للدين وبين الخروج من الإسلام: “إما هاد لسلام بغيتوه ولا ما بغيتوه، إلى ما عجبكم خطيوا راسكم منو وجيوا مريحين”. (الفقرة 4).
وترجمته: “إما أنكم تريدون (تبغون) هذا الإسلام أو لا تريدونه! إذا لم يعحبكم أعفوا أنفسكم منه، واخلدوا إلى الراحة”. ومن هذا القبيل قوله للأستاذة الناجي: “”إذا كنتم لا تؤمنون بما نقول اللهْ يعاونكم…”.
وهذا تضخم يؤدي إلى الباب المسدود، لأنه مؤسس على تصور غير علمي، وغير تاريخي للعلاقة بين القفيه والنص الشرعي. فلا تعتقدن أن كلامَه هذا مجرد مزايدة خطابية انفعالية، وأن اختياره لكلمة “تؤمنون” (بدَلَ “تتفقون معنا” )، ونسبتَها إليه، وليس إلى الله، مجرد خطأ. الحقيقة هي أنه ينطلق من وهم خطير، وهو اعتقاده/أو ادعاؤه أن الخطاب الفقهي من “قبيل الخطاب الشرعي” الإلهي، وأن الفقيه “المجتهد” مثلَه “مُوَقِّعٌ عن الله”، كاشف للأحكام وليس منشئا لها. [ذكر هذا بالحرف في الدرس 14 من دروس الأصول. الكراسي العلمية].
وقد يقشعر بدن العارف بمسار العلاقة بين المحدثين والفقهاء وبين متن “الحديث”، ويقف شعر رأسه، حين يسمعه يقول لسكان قرية بني يدرارن أن من يكذب الفقيه حين يقول: قال الرسول: إنما يكذب الرسول! فلم يعبث أحد بالحديث بمثل ما عبث به الفقهاء والمحدثون عبر التاريخ. ولولا ذلك العبث ما صرنا إلى الفتنة التي نحن فيها اليوم: إذ ما يكاد دينسي يستشهد بحديث حتى يستشهد غيره بخلافه أو نقيضه، أو يضعفه…الخ.
والحقيقة هي أن موقع الفقيه (إن كان مجتهدا وليس مجترا) يوجد بين الكشف والإنشاء: يستنبط الأحكام في تفاعل بين النص والواقع، وما يصل إليه ليس من قبيل الوحي، فالقول بالكشف يلغي الواقع وينكر الاختلاف، والإنشاء قد يغيب النص. والإسلام أوسع مما تتصور، ومما تصور ابن تيمية وسيد قطب.

وختاما: الحِلم (بمعنى العلم والرزانة والتسامح) شرطٌ في الحَكَم الذي تضعه الأقدار في مثل المكان الذي يحتله الشيخ بن حمزة، بل هو الحد الأدنى، وليس له الخيارُ الثاني الذي هَـدَّدَ به مخالفيه في توضيحه لما جري بينه ربين الأستاذة حكيمة الناجي (منشور في موقع التوحيد والإصلاح)، حيث قال إن فرس الجهل مُسرج لديه، وسيصول به على مخالفيه ــ متى رأى ذلك ــ من موقعه المذكور في بداية البيان: وهو ثمثيل “العلماء”. ليس مقبولا منك أن تصول بالجهل لا باسم “العلماء”، ولا باسم الجهات التي أحلتك تلك المواقع. إن كان لا بد من صولة الجهل فاخرج إلى ميدانه وتحمل غباره ومقارعة فرسانه.
ستعلم حين ينكشف الغبار أفرس تحتك أم حمار.

… عن جريدة الاتحاد الاشنراكي

13 شتنبر 2014