قال تعالى عن شعيب عليه السلام ” قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ” هود...

و قال :((لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما)) /النساء

جاء في الحديث: “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن تحلق الدين.”

الكل يدعي الاصلاح في امور الدين والدنيا فمن يصدق الناس …هل الجميع مصلحون ويسعون لذلك …؟؟؟ ان من دعاة الاصلاح  كانوا افرادا اوجماعات اومؤسسات  من يتمكن  من تحقيق الاصلاح المبتغى  او بعضا منه ومنهم من يفشل في الاغلب ومنهم من لايوفق في تحقيق اية نتيجة …  من هذا المنطلق  كيف يمكن لاي كان  التمييز بينهم ؟ ..وكيف يتاتى تصديق المعلن من الجميع بادعاء والتزام الاصلاح  في كل الامور ..؟؟

بطبيعة الحال  لابد من وجود معايير ومقاييس علمية وادبية وكذا تدوين لتاريخ  الاقوال والافعال الداعية والدالة والبانية للاصلاحات  بشكل متواثر .. وبتقليبنا لصفحات من تاريخ امتنا وشعبنا  نقف امام اسماء لرجال ونساء كانوا مدارس فكرية وتربوية وعلمية لعبت ادوارا كبيرة في عمليات الانتقال والتغيير والتطور في جميع المجالات …بل وعانى العديد منهم الاضطهاد والتامر والاساءات ..بل منهم من استشهد مثل المهدي بنبركة رحمه الله الذي كان من الرعيل  الاول للشباب الذين قادوا وابدعوا من اجل بناء الحركة الوطنية والسعي لاستقلال المغرب ثم ناضل لاصلاح الامور بالبلد وبنائها على اسس ديموقراطية ومؤسساتية وكان من كبار رواد وملهمي حركة التحرر العالمية واخلص في النصح والاصلاح بصدق الا ان مناهضي الاصلاح اتهموه واعتقلوه وشددوا عليه الخناق ثم  جاء من خطط ودبر ليختطفه ويقتله  … وهناك الزعيم التاريخي رفيق المهدي في الطريق والمحطات النضالية والكفاحية قبل الاستقلال وبعده ابدع واجتهد ولم يتردد قط في نصح المسؤولين والاعتراض على عدة قرارات وكان كذلك رجل دولة بمعايير عالمية الا ان كل ذلك لم يشفع له فتعرض لما تعرض له في مساره النضالي بما في ذلك الاعتقال هو وثلة من رفاقه في النضال … ولابد ان نذكر كذلك بالزعيم والمفكر والمؤطر الشهيد عمر بنجلون الذي لم يتوقف منذ وعى عن الدفاع عن حقوق الشعب وتعرض نتيجة لذلك للاعتقال والمحاكمات وصدرت في حقه احكام ما انزل الله بها من سلطان وبقي صامدا لايمنعه القمع ولا التخويف من الاستمرار في نضاله من اجل اصلاح اوضاع الشعب والدولة الى ان  اغتالته اياد اثيمة مسخرة ومحمية؟؟ بمبررات مصطنعة ومتعمدة … ومازال من امثال هؤلاء من كفر الكاتب الاول لحزب القوات الشعبية ومن كفر النساء الاتحاديات لاعتبارات لاتخفى على من صنعوا التاريخ النضالي لهذا البلد ومن التحقوا بهذا الحزب من بدياته وعلى مر العقود  …فهل  من خطط لاغتيال بنبركة وبنجلون هم حقا دعاة اصلاح ؟؟وهل من خطط لطبخ الملفات ضد الالاف من الاتحاديين والاتحاديات  والنقابيين والنقابيات منذ ان استقل المغرب  ونفذ الاعتقالات والنفي تشريد الالاف بالطرد من الوظائف و…ارادوا بعملهم ذاك اصلاحا للاوضاع ببلادنا ؟؟وهل من ينتزع منك رزقك ومكتسباتك ويثقل كاهلك برفع الاسعار ويقتطع من اجور  المضربين الجاهرين بالحق المطالبين باصلاح اوضاعهم ورفع الحيف عنهم كعمل شرعي يرعاه الله ورسوله بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي اراد بعض دعاة “الاصلاح” جعله منكرا …؟؟

…  اننا لابد لنا  من تحديد اولويات الاصلاح في امور السياسة والاجتماع والاقتصاد والفكر والثقافة و …اولويات  تهم الاغلبية والاقليات والافراد والمؤسسات والدولة ..بتطهير النفوس وتنقيتها من الغل والحقد والحسد والكيد والتامر …لان من تمتلي نفسه وروحه بالحقد والكراهية لايصبح فيها مكان   للخير الخالص لوجه الخالق سبحانه وتعالى ..

يقول الله تعالى  : (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وأتيناهم ملكاً عظيماً فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه وكفى بجهنم سعيراً) النساء . وقال (ومن شر حاسد إذا حسد)[الفلق]

  وقال رسول  الله صلى الله عليه وسلم : “إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب”.

و قال: “لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث”.

… كما يقتضي اصلاحا وتطويرا للافكار وتطهيرها من الاحكام المسبقة وسوء النية والافكار المتحجرة الرافضة للاخر  جملة وتفصيلا ..من اجل اعادة تاهيل قدرات الاستيعاب والاستنتاج والتحليل والاختيار والترجيح بعد الملاءمات الزمانية والمكانية  والبناء المعرفي الخلاق …حتى نتمكن  من فهم  الواقع  بمرجعياته المتنوعة والمتداخلة المشكلة للهويات العامة والخاصة .. وتملك سلطة القرار تجاه الذاث ومع الاخرين  باعتماد طرق التواصل المتجددة  لتبليغ الفكرة والراي وتطوير الكفاءات …

…انه لابد لنا كذلك  كمجتمعات اسلامية   من تحديد اولويات الاصلاح في امور الدين في علاقاتها  بالواقع المعيش و صلتها بالمتخيل  والميولات و”القناعات ” التي تعوق الفهم والعمل السليمين  من تفشي  الخرافات والبدع والتحريف والغلو والجهل …

ومن هنا نتساءل ..هل مجال   الاصلاح الديني يقتصر على اشخاص  بعينهم بصفاتهم وشخوصهم … ام انه ممكن تحققه بالافراد المجتهدين المجددين حقا .. وكذا باللجن والهيئات العلمية المتكاملة المتخصصة  التي يجتمع اهلها  حسب الموضوع لبدل الجهد الجماعي التكاملي لانتاج اجتهاد مؤسسي معتمد   على العلوم التطبيقية و الحقة والتطور المطرد للمجتمعات ومستلزمات الحياة البشرية في العالم التي تحقق نموا سريعا ومبهرا ..وبهذا سيكون الاصلاح  اكثر ضبطا واحترازا وفقها …

…ان  الاصلاح لايجب ان ينصب على الاني والمناسباتي  بل يجب ان يتوجه الى الحاضر والمستقبل القريب والبعيد لان اعمار المجتمعات مقاييسها ممتدة في عمق التاريخ كما تتشوف البعد المستقبلي  في تجاوز للسلبيات والاخطاء واستثمار للنجاحات والايجابيات دون اغراق في التقليد والاستنساخ  و دون تنكر وتجاهل للخصوصيات وجوهر مقومات المجتمع   ..

ان الطامة الكبرى هي ان نجد من يعتبر الاصلاح  افسادا ومضيعة للوقت والمال  وعرقلة متعمدة  لا لسبب سوى ان البعض ينصحهم ويرشدهم ويقترح عليهم طرقا مغايرة لما يعتقدونه هم انه اصلاح وهو حقيقة دون ذلك ….او ان نجد من يتهم من يسعى للاصلاح بالتي هي احسن بانه رجعي …او يصنف الاصلاحيون الجذريون بالمتشددين والاستئصاليين و …

ان الذين يدعون الاصلاح  بمبرر انتماءهم الى “دين ما ” متخيلين انفسهم ان كانوا مسيحيين بانهم يمثلون الروح القدس بالارض.. وان كانوا يهودا يدعون بانهم شعب الله المختار .. اما البعض من الذين ينتسبون الى ديننا الاسلامي   فان منهم من يريد ايهام الناس بان الاخرين – اي غيرهم –  مفسدون ومارقون  وعلى ضلال وان كل من يريد الاصلاح واقرار  الحق فلابد ان يكون تابعا  لهم ولاشياخهم الخاصين حيث  عليه ان لايرى الا مايرون ولو كان  مايرون  ليس بالضرورة هو الصواب  او الاصلاح الامثل…

… ان البعض منهم – كما نلاحظ في العديد من الاقطار-  يختفون  وراء الدين ويدعون  بانهم  من سيحقق دولة الخلافة التي  لايتصورونها  و لايرونها الا في انفسهم واتباعهم .. ولا يدخرون الجهد من اجل اقصاء غيرهم  … فيعمدون الى ضرب هذا بذاك وابرام تحالفات لاتبغي الاصلاح قط بل تسعى الى التسلط والتحكم وتحلم بان تخلو الاوطان من الناس  الا منهم وان لايكون الحكم الا بهم ولهم …فبادعاء الاصلاح قتل سادتنا عمر وعثمان وعلي والحسين رضي الله عنهم .. وغيرهم من خيرة الناس عبر العصور والازمنة…

ان  ما يجعلنا نميز بين اصحاب الحق والاصلاح او المنتسبين له افتراء هو تشبعنا بالوعي والمعرفة والعلوم المتجددة التي ندرك بها حقائق الاشياء وخلفياتها ومالاتها .. ورغم ذلك فاننا لانستطيع ان نغوص في النوايا للتعرف على ما في النفوس  .. فالله وحده يعلم المصلح من المفسد .. قال تعالى ” والله يعلم المفسد من المصلح ..”البقرة

 …ان ادعاء الاصلاح وانتاج سياسات مضرة بالصالح العام والخاص هو جوهر الافساد او افساد بالجملة …ففساد السياسات يحس به  فقراء الامة ومعطلوها وعمالها واجراؤها  والمجتمع المدني  والقوى الحية  ولا يتم الحد منه  بالكلام المجمل  والشعارات الفضفاضة و…