عن التجديد العربي

 

عندما كتبت في الأسبوع الماضي عن نواقص ومطبات ممارسة الديمقراطية في الغرب لم أقصد، بالطبع، الانضمام إلى جوقة المحذرين، بلؤم وتلفيق وكذب على النفس، من انتقال مجتمعات العرب إلى الديمقراطية،

لإيمانهم الراسخ الانتهازي بعدم ملائمة الديمقراطية لمزاج العرب كبشر ولثقافتهم وأوضاعهم الاجتماعية المليئة بالتخلف. وهذا التحذير بالطبع يصب في خدمة المستبدين والفاسدين.
المطلوب كان هو العكس تماماً.. المطلوب هو أن تحاول أمة العرب عيش تجربة جديدة مماثلة لما أنجزته منذ خمسة عشر قرناً، بالنسبة لحملها مشعل رسالة دينية جديدة تمثلت في دين الإسلام. لقد كانت هناك ديانات عديدة، وكان بالإمكان تبني أحدها، وبالتالي تجنب الصراعات والعرق والدموع التي تصاحب تبني الجديد. لكن أمة العرب رأت ما اعتبرته في زمانها نواقص في هذا الدين، أو ذاك، فتطلعت إلى ما اعتقدت أنه سيكون أفضل، فوجدته في الرسالة السماوية الجديدة المعروضة عليها من قبل رسول نبي جديد. فكان أن حملت تلك المسؤولية التاريخية وضحت من أجل ما آمنت بأنه جزء من مسؤوليتها تجاه العالم، فكان ذلك التاريخ المبهر لمن كان العالم يومئذ لا يرى فيهم أكثر من بدو جهلة فقراء أجلاف متصارعين.

اليوم، في ضوء وألق ذلك التاريخ، يحق لنا أن ننظر إلى ديمقراطيات الآخرين بتلك العين الناقدة نفسها والروح المتطلعة إلى ما تعتقد أنه سيكون الأفضل. ومن البداية يجب التأكيد بأنه لا في الماضي كانت التجربة تحقيراً للديانات الأخرى، ولا في المستقبل ستكون تحقيراً لديمقراطيات الآخرين.

ديمقراطية الآخرين، مثل الديانات الأخرى التي نظر إليها العرب منذ خمسة عشر قرناً، فيها الكثير مما هو حسن ومبهر ومطلوب، لكنها لا يمكن أن تكون نهاية المطاف، فالإنسانية ستبقى إلى نهاية وجود عالمها تتطلع نحو الأسمى والأنقى، تماماً مثلما أمرت كل الديانات السماوية وغير السماوية ذلك.

ونحن، إذ ننتقي التمعن في الديمقراطية (أو الديمقراطيات؟) الغربية فلأنها أفضل الموجود في عالمنا اليوم. ولكن كونها الأفضل لا يعني أنها هي الأقصى الممكن وأنها، كما ادعى البعض، هي نهاية التاريخ، أي السقف الأعلى الممكن لمسيرة الديمقراطية.

إذن، ونحن هنا لا نثرثر ولا نضحك على النفس، فمن حق العرب وواجبهم أنهم مثلما انتقلوا من جاهلية الشرك والممارسات الدينية البدائية البليدة، إلى ما اعتبروه ديناً ملائماً لهم وللإنسانية، فان المطلوب، وهم ينتقـــلون من استبداد الماضي وممارسات الحكم البدائية البليدة المليئـــة بالنواقـــص إلى ما يعتبـــرونه نظـــام حكم أفضل وأسمى، فان المطلوب هو أن يحاولوا القفز فوق ما هو موجود إلى ما هو أحسن مستوى وأفضل تنظيماً مما هو موجود.

هل هذا صعب؟ نعم، ولكنه غير مستحيل ويستحق المحاولة على الأقل. تدفعنا إلى ذلك أحداث وممارسات وحقائق كثيرة في عصرنا الحالي. فالديمقراطية في العديد من المجتمعات أضحت ممارستها مثل توالد وتربية الأسماك في الأحواض المائية الاصطناعية، إنها أسماك بلا طعم منعش ولا مذاق حسن.

والديمقراطية في واقع ممارساتها الحالية عبر العالم كله يستحوذ عليها، بالسرقة والتشويه والتضليل، كل أنواع القراصنة من سياسيين وأصحاب ثروة وديكتاتوريين متخفين وراء ألف قناع.

وباسم دمقرطة الثقافة هبطت الآداب والفنون وبرامج الإعلام إلى مستويات متدنية في محتواها وقيمها وعمقها الفكري وذوقها، لتنتج بدورها أناساً غير صالحين لحمل مسؤوليات المجتمع الديمقراطي.

والديمقراطية السياسية أصبحت في ضعف متزايد في عالم أضحت فيه الفروقات بين مؤسسات المجتمع المدني، وعلى الأخص الأحزاب السياسية، فروقات غير فكرية أو مبدأية، وإنما فروقات في مقدار ونجاعة البهلوانية التي تمارس في لعبة الوعود والأكاذيب والتلاعب بعواطف الجماهير من أجل استلام الحكم والبقاء فيه.

وبسبب ذلك أصبح النظام الديمقراطي لا يجـــتذب للعـــمل في الحياة السياسية، إلا أنواعاً من البشر تتصف غالبيتهم بالبذاءة والسلوكيات اللامسؤولة، مما أفسح المجال لأن يصبح كل من يملك نفوذ ومؤسسات المال رجل دولة.

كل ذلك أدى إلى خلـــق بيئة ثقــافية اجتــــماعية تزيد من سقم الديمقراطـــية، بعـــد أن تضـــاءلت التعــــددية الفكـــرية السياسية بين الأحزاب فأسقمت السياسة، وبعد أن تقلصت الطبـــقة الوســطى في العدد والمستوى المعيشي والحيوية فأسقمت الاجتماع، وبعد أن أصبح الإعلام حبيس الإعلان وشعبية الثقافة المسطحة وثرثرة المطبلين الانتهازيين فأسقم الرأي العام.

قد يبدو الكلام في موضوع الديمقراطية في أزمنة التراجع المفجع التي نعيشها كلاما في الفاضي، غير أن الحقيقة التي ستدوم هي أن مستقبل الوطن العربي هو أهم وأكبر وأسمى من مماحكات أنظمة التسلط والفساد العابرة ومن عبثيات داعش والنصرة وأخواتهما الطارئة.

نشر المقال بالتجديد العربي

الاحد 14 شتنبر 2014