(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي (21من 28)

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

الموقف السلفي من العصمة والمهدويّة:

لقد أشرنا في القسم الأول من هذه الدراسة إلى موقف دعاة السلفية من العصمة التي تقول بها الشيعة, وبخاصة الشيعة الجعفرية وتكفيرهم على موقفهم هذا, حيث جاء رأي السلفية رافضاً لفكرة العصمة التي قال بها الجعفرية أو الموقف العلوي عموماً, مؤكدين أن العصمة للأنبياء فقط,, وذلك انطلاقاً من رفض دعاة السلفية تجسيد المبادئ في أشخاص ومنحهم صفة العصمة مهما يكونوا عظماء, هذا وقد أجمع أهل السلف على أن كل من يقول بعصمة غير الأنبياء يعتبر ضالاً وكاذباً ومنحرفاً عن الدين الصحيح, بل إن أئمة السلفية بعمومهم, وهم أصحاب (الفرقة الناجية) ومنهم الأشاعرة والوهابية منهم, قد كفروا أهل العصمة من الشيعة وسموهم بالباطنية, لتفسيرهم بعض الآيات القرآنية خدمة لهذا الاعتقاد, وذلك لعدم وجود ما يشير إلى عصمة آل البيت بحديث أو نص قرآني قطعي الدلالة, وكل ما اعتمدوا عليه في هذه المسألة هو تفسيرهم بعض الآيات مثل الآية القرآنية التي تقول: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).{سورة الأحزاب: الآية 36}, فهم يؤولون هذه الآية على أن التطهير هنا يعني ابتعادهم عن ارتكاب الذنوب, وبالتالي عصمتهم. وكذلك تفسيرهم قوله تعلى: ( فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). (التوبة – 105). فالمؤمنون عند الشيعة حسب تفسيرهم لهذه الآية, هم آل البيت. وكذلك في قوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وألي الأمر منكم.). (النساء-59). فأولي الأمر كما يفسرون هم الأئمة من آل البيت.

من خلال تطرقنا في موقع سابق من هذه الدراسة إلى مسألة بشرية الرسول ورفض اعتماد الحديث من قبله وقبل أبي بكر وعمر, لهو مؤشر على نفي العصمة حتى عن الرسول الكريم نفسه. وحتى لا يقتدي الناس بكل اجتهاد نبوي، كان نزول الوحي لتصويب بعض اجتهادات الرسول ، بل وعتابه – أحيانًا – على بعض هذه الاجتهادات والاختيارات كموقفه من الضرير في قوله تعالى: (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى ) (عبس- 1-10). وكذلك في مسألة ماريا القبطية عندما (حرمها) الرسول تحت إلحاح عائشة وبعض زوجاته, حيث جاء الرد على تحريمه قول عز وجل : (يا أيها النبي لِمَ تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير ) (التحريم- 1-3). وفي اجتهاده عليه الصلاة والسلام فى أمر الأسرى فى وقعة بدر، إذ قيل بمبدأ أخذ الفداء من الأسرى بدلاً من قتلهم كما اقترح عليه عمر بن الخطاب فنزل الوحى مؤيداً لرأى عمر : في قوله تعالى: (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) (الأنفال – 67-68 ). وهذه الآيات لم تاتي إلا في مواقع اشتهد فيها الرسول كما هو معروف, فجاء التنويه إلى ضرورة عدم التكرار. بل إن الله تعالى في آيات أخرى قد نفى العصمة عن أنبيائه ورسله. كما في قوله تعالى عن آدم: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى* ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى {طه: 121-122}، وهذا دليل على وقوع المعصية من آدم، وعدم إقراره عليها، مع توبته إلى الله منها . وفي قول نبي الله موسى بعد أن قتل القبطي كما جاء في الكتاب الحكيم: (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ* قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {القصص: 15-16}. وهذا موسى يعترف بذنبه ويطلب المغفرة من الله بعد قتله القبطي، وقد غفر الله له ذنبه كما جاء في التنزيل الحكيم) :فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب* فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) {ص: 24-25}.
عموماً هناك من أئمة السلفية من قال: إن الرسل معصومون في تحمل الرسالة، وفي التبليغ عن رب العزة سبحانه وتعالى، ومعصومون من الوقوع في الكبائر، وأما الصغائر فهم ليسوا بمعصومين منها، وإذا وقعت منهم فإنهم لا يقرون عليها.
قال ابن تيمية: القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول الأشعرية، وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول. (80).
هذا وقد استصعب بعض الناس القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر، ويذهبون إلى تأويل النصوص من الكتاب والسنة الدالة على هذا ويحرفونها، والدافع لهم إلى هذا القول شبهتان: الأولى: أن الله تعالى أمر بإتباع الرسل والتأسي بهم، والأمر بإتباعهم يستلزم أن يكون كل ما صدر عنهم محلا للإتباع، وأن كل فعل أو اعتقاد منهم طاعة، ولو جاز أن يقع الرسول في معصية لحصل التناقض، لأن ذلك يقتضي الأمر أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول بإتباعها وفعلها، من حيث إننا مأمورون بالتأسي به، والنهي عن موافقتها, كونها معصية. وهذه الشبهة صحيحة وفي محلها لو كانت المعصية خافية غير ظاهرة بحيث تختلط بالطاعة، ولكن الله تعالى ينبه رسله ويبين لهم المخالفة، ويوفقهم إلى التوبة منها من غير تأخير.
ومع ذلك ظل الكثير من أئمة السلفية وجمهورها يؤكدون ليس عصمة الرسول فحسب, وإنما عصمة الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى القرن الثالث الهجري. وقد وجدنا في مواقف الكثير من هؤلاء الأئمة والمشايخ ما يؤكد المصداقية المطلقة والعصمة عن الخطأ في قولهم مثلاً بصدق كل ما جاء في الصحيحين (مسلم والبخاري) كما اشرنا في موقع سابق, عند قول بعضهم : بأنه لو قال الرجل بطلاق زوجته إن كل جاء في صحيحي مسلم والبخاري صحيح, لما طلقت الزوجة. فهذا الموقف لم يزل يؤكد مسألة عصمة الرسول من جهة نص الحديث الوارد عندهما, وعصمة مسلم والبخاري بما وثقاه من أحاديث من جهة ثانية. وهذا يخالف المنطق والدين والنص المقدس معاً.
أما القول بمسألة المهدي المنتظر وإعابة الشيعة عليها من قبل السلفية (الفرقة الناجية), فهذا التاريخ يثبت أن من كان من أهل السنة والجماعة ومن يناصرونهم تاريخياً ضد شيعة آل البيت كونهم يقولون بالمهدويّة, نجدهم ذاتهم قد قالوا بهذه المسألة وروجوا لها حفظاً على سلطتهم واستمراريتها, وهذا ما نجده في ظاهرتين تاريخيتين هما:

1- مهدويّة الأموي السفياني: وهو خالد بن يزيد بن معاوية (وأرادوا بذلك أن يكون للناس طمع فيه حين غلبه مروان بن الحكم على الملك, وتزوج أمه أم هشام .( 81).
2- المهدويّة العباسي : التي أراد المنصور بها أن يوحي بأن المهدي المنتظر هو ابنه محمد المهدي, وقد وضعوا حديثاً عن الرسول, بأن منصور بن إياس روى للمنصور أن النبي قال: (المهدي منا محمد , وابن عبد الله وأمه من غيرنا, يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً . ).(82).
عموماً نقول في مسألة العصمة إن كان للشيعة أو السنة معاً كما قال رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: (إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع, فمن قضيت له بحق أخيه فلا ياخذ منه شيئاً, فإنما أقضي له قطعة من نار). (فجر الإسلام- احمد أمين ص 335 وما بعد).
وكذلك في قول علي بن ابي طالب في نهج البلاغة (لاتكلموني بما تكلم به الجبابرة, ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة, ولا تخالطوني بالمصانعة, ولا تضنوا بي استثقالاً في حق قيل لي, فإنه من استثقل الحق أن يقال له والعدل أن يُعرض عليه, كان العمل بهما أثقل عليه, فلا تكفوا عن مقالة بحق آو مشورة بعدل, فإني لست من نفسي بفوق أن أخطئ, ولا آمن ذلك من فعلي.) .(نهج البلاغة – ط. بيروت – 1982- ص 79- ).
ملاك القول: إن ما نريد قوله في هذا الاتجاه هو: إن مسألة إنكار العصمة للأنبياء أو الأئمة الإثنا عشرية لا تقدح فى عصمتهم. بل هى أقرب لتوكيد بشريتهم. فهم بشر, والبشر عرضة للخطأ فى التصرفات والاجتهادات الشخصية، ولكنهم معصومون من الخطأ فيما يتعلق بالنص المقدس (القرآن) تبليغاً أو تنفيذاً. وهذا يجعلهم أقرب للقدوة والأسوة، فلو أنهم أصبحوا نوعاً آخر من الخلق غير بقية البشر، لا يقع فى تصرفاتهم كلها ما يقع للبشر العاديين كما يريدهم محبيهم, لأصبحت القدوة بهم عسيرة، ولما بعث الله كل مئة عام للناس من يجدد لهم دينهم.
حقيقة إن مثل هذه المواقف المثالية والإمتثالية معاً فيما يتعلق بقضية العصمة, كانت وراء الكثير من الفتن والحروب وتبديع وتكفير للآخر عبر التاريخ الإسلامي. وهذا ما فتح الباب واسعاً أمام من غُذوا بالفكر التكفيري عن طريق مشايخهم وأئمتهم, وبخاصة من أهل الفرقة الناجية من السلفيين, بغية تبرير مقاتلة المخالف لهم تحت ذريعة الخروج على آهل السنة والجماعة. (ولكن أكثر الناس لا يعلمون ). وهذا هو موضوع فقرتنا اللاحقة.

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر

19 شتنبر 2014