لم يمر إعلان وزارة العدل والحريات على متابعة 5 مؤسسات عمومية و16 جماعة محلية، متهمة بارتكاب مخالفات جنائية، استنادا على تقرير المجلس الأعلى للحسابات عام 2012، دون إثارة موجة من الجدل، خاصة داخل الجسم القضائي، رغم أن القرار جاء، وفق رأي آخر، تفعيلا لمبدأ ربط المسؤولية العامة بالمحاسبة، وتحقيقا للمتابعة الزجرية لظاهرة الفساد الإداري والمالي.

محمد براو، القاضي بالمجلس الأعلى للحسابات، اعتبر أن قرار الوزارة التي يرأسها مصطفى الرميد، يبعث على طرح تساؤلات ملحة ومشروعة، من قبيل اختلاف الرواية الرسمية الصادرة عن الوزارة والمجلس، موضحا أن الأولى قالت في بلاغها إن الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات أحال على الرميد فقط تقريرَيْن عام 2012، أحالتهما بدورها على النيابة العامة، “وهو ما كان مخالفا للعدد الذي سبق أن أعلن عنه المجلس الأعلى للحسابات في ستة ملفات”.

وتسائل رئيس مركز الأبحاث والدراسات حول الحكامة والمحاسبة ومكافحة الفساد، في تصريح لهسبريس، فيما إن كانت النيابة العامة لدى المجلس الأعلى للحسابات، بهذا الاختلاف، “لها عقيدة خاصة بها في التكييف الجنائي التمهيدي.. تختلف عن تلك التي تعتنقها لجنة وزير العدل المختصة”.

وانتقد براو استناد النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية المالية، على تقارير أنشطة المجلس الأعلى السنوية، “في الوقت الذي يفترض طبقا لنص وفلسفة مدونة المحاكم المالية وكذا أفضل الممارسات الدولية في مجال الرقابة العليا على المال العام.. أن تكون الوقائع المنشئة للمسؤولية الجنائية المحتملة محجوبة من النشر العلني في التقرير، وتسلك مسالك أخرى، غير إشهارية”.

ولم يستبعد براو في أن تكون الطريقة التي تم بها الإعلان عن متابعة المؤسسات العمومية المذكورة أمام القضاء، “استعراضية تخدم خلفية مطلبية معينة استجابة لغرض سياسي معين”، موضحا أن الأمر يثير تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية واعتباراتها التكتيكية “ويفتح باب إشكالية استقلال النيابة العامة”.

ونبه المتحدث إلى مدى التكامل والانسجام الحاصل بين “السياسة الرقابية العليا”، ممثلة في المجلس الأعلى للحسابات، و”السياسة الجنائية العليا”، ممثلة في وزارة العدل والحريات والسلطة القضائية، مضيفا “مازال الطريق طويلا لتنزيل مبدأ الالتقائية الأثير في الخطاب الحكومي حول منهجية الحكامة.. ولاسيما بين الحكومة ومؤسسات الحكامة الدستورية المستقلة”.

أما لغة وزارة العدل والحريات، في إعلان “فتح أبحاث قضائية حول مخالفات جنائية” للمؤسسات العمومية الخمسة والجماعات المحلية الـ16، فوصفها براو بكونها تخلق “حالة من الهلع والإرهاب”، و”تكرس ظاهرة تجريم المجتمع الإداري جملة وتفصيلا”، مشيرا إلى أن هذه الأخيرة “ما فتئ الأستاذ بنكيران يتجنب الوقوع فيها استنادا لتصريحه الشهير حول ‘العفو عما سلف'”.

وحذر المتحدث من تحول المجلس الأعلى للحسابات، إلى ممارسة “استخدام مؤسساتي مزدوج” مع الهيئة المنتظرة للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها المختصة في مكافحة الفساد، التي اقلت إنها لا زالت عالقة في مسالك إعداد النصوص القانونية.