وأخيرا.. يتعين الآن على الشعب المغربي أن يتنفس الصعداء، فقد نجح وزير التعليم في أصعب مهمة واجهت كافة الحكومات وهي إصلاح التعليم. وسيعود الفضل في هذا النجاح الباهر لحكومة تحالف «الإسلاميين» و(«الشيوعيين») والليبيراليين ولمن لا انتماء لهم. ذلك أن الوزير رشيد بلمختار توفق أخيرا في الوقوف على السبب الحقيقي للداء، وقد شخصه هكذا في أن انحطاط قطاع التعليم إنما يعود إلى رهط من الأساتذة يحرصون على استكمال تعليمهم الجامعي، وهو ما جعله يقرر ألا تُمْنَح لهؤلاء الرخصة الإدارية المعلومة التي تتيح لهم التسجيل في الجامعات. و»كي يزيد في العلم» ارتأى سيادته أن الجانب الثاني في معضلة التعليم إنما يكمن في رهط آخر من نساء ورجال التعليم المكلفين بمهمةالتأطير التربوي الذين عوض أن يحرروا مئات التقارير يحررون بضعة تقارير تربوية فقط .
وهكذا فإن السيد الوزير بعث من القبر نظرية وزير للتعليم سابق هو المرحوم عز الدين العراقي من مماتها ليسترشد بها، وهو الذي كانت له خطيئة حرمان المعلمين والأساتذة من إتمام تعليمهم الجامعي بقرار إداري ظالم راحت ضحيته وضحية ظلمه الفائض أجيال وأجيال من رجال ونساء التعليم .
يذكر الناس أنه وباسم حزب الاستقلال تم تعيين السيد العراقي وزيرا للتعليم في العام 1977 في حكومات السيد أحمد عصمان والمرحوم المعطي بوعبيد وعبد الكريم العمراني . ونظرا لسياسته اللاشعبية في قطاع التربية ، فقد غضب منه حزبه ليقدم هو في النهاية استقالته منه في العام 1986، وتنعم عليه الدولة بتعيينه وزيرا أول في العام نفسه معوضا عبد الكريم العمراني في الحكومة العشرين من حكومات المغرب المستقل.
ما يذكره الناس أيضا للوزير عز الدين العراقي أمران اثنان:


1- سياسته في مجال تعريب تدريس المواد العلمية الذي تم بطرق عليها مآخذ لا مجال للعودة لها الآن، والتي لا يزال المغرب يحصد نتائجها السلبية وبالأخص في التعليم الجامعي، وضمنه ، بصورة أو أخرى التكوين الضعيف والمتواضع الذي تشتهر به مراكز التكوين الجهوية بالمغرب.


2- مذكرته المشؤومة بمنع نساء ورجال التعليم من التسجيل في كليات التعليم الجامعي وهي المذكرة التي أسقطها مسؤولون من بعد، وهكذا عاد الناس ليستعيدوا حقهم في التعلم.


اليوم، قررت الحكومة استعادة مذكرة المرحوم عز الدين العراقي التي أثبتت فشلها. وقررت بواسطة وزيرها في التعليم السيد رشيد بلمختار منع نساء ورجال التعليم من حق دستوري، وهو حق الشخص في استكمال دراسته وتعلمه سواء من أجل الترقي المهني أو فقط من أجل الترقي المعرفي والعلمي. وفي هذا الأمر الذي هو ذو خطورة كبيرة في مجال العبث بحقوق الإنسان وحقوق الشخص يتحمل الجميع المسؤولية :


1- الحكومة بالدرجة الأولى والأخيرة. 2- السيد رشيد بلمختار كوزير وكمواطن استغل موقعه الحكومي ووظف سلطاته ضد موظفي قطاعه في الوقت الذي كان منتظرا منه أن يساعدهم على أداء مهامهم كمدرسين وعلى تنمية معارفهم التي هي جزء أساسي من تكوينهم. وقد استعرض النقابيون أمام السيد الوزير في آخر لقاء له بهم خطورة مذكرته … وأعطوه ما يكفي من الأمثلة التي بينت وتبين أن عددا كبيرا من أطر المغرب الفكرية والإدارية والاقتصادية التي يفخر بها البلد، إنما كانوا مجرد موظفين بسيطين استكملوا تعليمهم الجامعي وهم موظفون، فكان لهم شأن كبير في تاريخ المغرب المعاصر. وهذا موضوع يطول الحديث فيه. 3- السيد عبد الإله بنكيران بوصفه أولا رئيس الحكومة، وبوصفه كاتبا أول لحزب العدالة والتنمية ، لا باعتباره يقود الحكومة فقط ، بل ولأنه في الماضي حين كان في المعارضة وقف ضد مذكرة المرحوم عز الدين العراقي التي يُحييها اليوم وزيره في التعليم… وبوصفه أخيرا، رجل تعليم.
ستكون هذه المذكرة وصمة عار ليس في تاريخ عبد الإله بنكيران الشخصي وحسب ، ستكون وصمة عار في تاريخ حزبه الذي يقول عن نفسه إنه حزب «ذو مرجعية إسلامية» يقول رسولها الكريم، النبي الأمي:» اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»، بل ويقول أيضا» اطلبوا العلم ولو في الصين» .
وإذا كان المغرب هو البلد الوحيد في العالم الذي يمارس شيئا غرائبيا يتمثل في اعتباره البكالوريا تطابق تماما المواد الغذائية التي تفسد بالتقادم، فها هو يضيف إليها شيئا غرائبيا آخر وهو :» إذا كنت مدرسا فإنه يُمنع عليك أن تستمر في التعلم» …

عن جريدة .ا.ش

23 شتنبر 2014