لعل أصدق لحظات برنامج مباشرة معكم ليوم الأربعاء كانت لحظة عبر فيها المسؤولان الأولان لحزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية عن غير قصد عن طبيعة العلاقة التي تجمع الجهاز التنفيذي برئيس الدولة ؛ والتي يعرفها المسؤولون الحزبيون والحكوميون ورجال ونساء الدولة ؛ والتي تزكيها الممارسات والمقاربات والتي عجزت الهندسة الدستورية القائمة عن تطويرها أو مواءمتها مع مبادئ دستورية متعارف عليها؛ ومع تحليل واقعي لأعطاب المنظومة السياسية المغربية؛ ومع مخارج عريقة تبدو صعبة التحقيق .
لا أعرف ما الذي صدم المتتبعين خلال البرنامج المذكور كما لا أعرف ماهية الاكتشاف الذي بزغ فوق بلاتوه القناة الثانية ؛ والذي خدش قناعات مجموعة من المتفاعلين الذين استاؤوا من كون الحكومة والمعارضة تعيش في جلباب صاحب الجلالة كما لا يُفهَمُ لماذا اعتبر جزء من الرأي العام الحزبي والإعلامي والفايسبوكي أن المسؤولين الحزبيين خذلا السياسة؛ ولماذا تهاطلت بيانات سياسية تدق ناقوسا مبحوحا عن خطر فاتر قديم بنيوي؛ تلوكه المشاريع الإصلاحية دون أن تقوى على تصحيحه أو تفكيكه ؛ كل الحكومات تعتبر نفسها حكومات الملك ورغم مستجد التنصيب البرلماني ؛ وكلها تقدر أن إشهارها أوراق ثبوتيتها يحميها من نزلات المقاومة ومن تشنجات الإدارة والدوائر المسيطرة؛ ومعظم الفاعلين السياسيين يجمعون بإصرار ما يكفي من مؤونة القرب والتقرب والسباحة في فلك المماهاة ؛ ويحرقون المراحل ويحققون المستحيلات بالانخراط العلني في نادي الدوائر المتحكمة ؛ فهل اكتشف المتفرجون والصحفيون ًوالسياسيون شيئا جديداً فعلا ً ؛ ألم يسمعوها مراراً على لسان السيد رئيس حكومة الدستور الجديد والذي ابتدع منصبا جديداً لا يعرفه الدستور اسمه معاون جلالة الملك في إدارة وتسيير حكومته ؛ ألم يروها من خلال التفويض المطلق الذي قدمه رئيس الحكومة بشأن المسؤولية تجاه تفعيل الدستور؛ ألم يتذوقوها من خلال بدعة حصرية إعداد القوانين التنظيمية على الحكومة والمجلس الوزاري؛ ألم تتخلل دائماً وأبداً البرامج الحكومية التي يتأرجح وزراؤها بين الدستور والتوجيهات الملكية ؛ ألم ترمى في وجوه المنتقدين مكابح التعليمات الملكية ؛ ألم يتساءلوا مراراً عما يفعله ثلة ساكنة المقرات المركزية للأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني غير تطبيق المواقف الرسمية؛ ألم يلمحوها في غموض استقلالية ما يُسمى المؤسسات المستقلة؛ ألم تعترض سبيل عقولهم في الوثيقة الدستورية نفسها التي استنفدت كل التركيبات اللغوية والقانونية والتنظيمية دون أن تُفلح في تسطير فلسفة ديمقراطية للحكم؛ ودون أن توضح حدود مسؤولية الحكومات المنتخبة فوق صراط ربط المسؤولية بالمحاسبة .

أما الرد بمعارضة صاحب الجلالة ؛ فسياق نزوله واضح في إطار تفاعل لفظي مع جرعة التزلف المركزة التي تملأ بها الحكومة كؤوس التداول والحوار والانتقاد ؛إلا أنها تبقى أيضاً امتداداً  طبيعياً لحكومة صاحب الجلالة ؛ التي تستقرئ على ما يبدو إخفاقات الحكومة في تطبيق التعليمات الملكية وفي تحويل التوجهات الكبرى إلى استراتيجيات وبرامج ونتائج وأرقام ؛ والتي ترقب ضعف امتثال الجهاز التنفيذي لمقررات المجلس الوزاري وبالتالي تحمل على عاتقها مسؤولية كشف الحكومة التي لا تعدو أن تكون آلية  تقنية لتطبيق خيارات علوية ؛ وطبعاً معارضتها أيضاً لن تخرج عن دور مفتش أو مراقب للآلية التقنية ومدى سرعتها في تطبيق التوجيهات  ؛ وما يتطلبه الأمر من سرعة بديهة وكفاءات مختلفة في القفز على الألغام وتجنب الفخاخ المتربصة عند كل عبارة وبين جنبات كل موقف وعند ناصية كل تحليل ؛هكذا فقط يمكن أن نُعرف معارضة صاحب الجلالة ؛ وهذا حسب تقديري ما يُمكن أن تُحدده كأجندة عمل هذه المعارضة وتضمن هي أيضاً حصتها من احترام قانون اللعبة وأرجوحة التوازنات  عكس المعارضة التي طالما رمتها الحكومة وبعض الواجهات الإعلامية بالمنتهية الصلاحية والمهووسة بماضي الصراع وسحن الشهداء ؛ ووصمتها بالدستورانية المفرطة وأحياناً بالمؤامرة واللاوطنية .
 أعتقد أن أهم ما في النازلة هو اهتمام الرأي العام بها وتوقفه عندها واستهجانه لسياسة الاختباء وراء الملك والمشي فوق  الدستور عوض المشي به ؛ كما أنها ستكون فاتحة مكاشفة  بواقع عليل يعطي الأحزاب والحكومات بعض هامش القرار ويحاسبها على تبعات كل القرار ؛ كما سيتوقد حتماً عند الأفراد خوفهم على السياسة وشرفها ودورها ؛وعلى الدستور ومقتضياته وآفاق تفعيله ؛ وسيجعلهم حتماً يتحسرون على أعلام نضالية لم تُنصف وأحزاب كبيرة عاثت فيها آلة التخريب الخارجية والداخلية الكثير من الصدوع ؛ وعلى رأي عام لم يرحم أعزة مواقف وتاريخ أذلتهم النضالية  ؛ وعلى إعلام لا يزال يدق بمعاول التسطيح والشعبوية ..بقي أن نذكر سياسيينا الكرام  أن  لفظ «الجلالة» المحفوف بالقداسة خرج  من دستور ما بعد الحراك،   وأن تشبثهم باستبقائه يعكس قناعة عميقة  باستحالة  الانتقال إلى الزمن الدستوري الجديد .

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي 26 شتنبر 2014