بقلم/د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

الجهاد المسلح للقوى السلفية: (2 )

جذور الفكر السلفي الجهادي .

يعتبر الاتجاه الجهادي السلفي أن الجهاد في سبيل الله طلبا للشهادة التي بشر الله بها لمن اصطفاهم لها بقوله تبارك وتعالى: (ويتخذ منكم شهداء). (آل عمران – الآية- 140) إنما هو انتقال من دار إلى دار ومن حياة ضيقة إلى حياة أخرى مطلقة، ومن حياة النكد والغش والخداع والنهب إلى حياة السعادة والرضوان. ففي أواخر السبعينات من القرن العشرين ظهرت مساهمة قوية جدا في الدعوة للجهاد من أجل إقامة الخلافة الإسلامية التي بشرت بها أحاديث الرسول كما يدعي التيار السلفي تمثلت بكتيب صغير لـ “محمد عبد السلام فرج” بعنوان ” الفريضة الغائبة “، والذي انفرد باستحضار الفقه الجهادي من بين ثنايا تراث الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم, خاصة ما تعلق بالحديث عن دار الكفر ودار الإسلام وقضايا الحاكمية والردة ومشروعية الجهاد وأحكامه وشروطه.(84). ومنذ ذلك الحين توالت الإصدارات بكثافة هائلة خلال مراحل الجهاد الأفغاني وحكومة الطالبان سيّما مع إصدارات الشيخ “عبد الله عزام” في أفغانستان, والتي مثلت صميم فقه الواقع ربما للمرة الأولى بعد انهيار الخلافة, وكنا قد أشرنا في القسم الأول من دراستنا إلى دور “عبد الله عزائم” كأحد المؤسسين لتنظيم القاعدة أوالتيار الجهادي السلفي كيف أخذ مباركة مشايخ الحركة الوهابية والعديد من الشخصيات الإسلامية المؤمنة باستخدام السلاح وعل رأسهم “الإخوان المسلمون” لتحقيق المشروع الإسلامي الذي وضع مخططه الجغرافي أحد قادة تنظيم القاعدة وهو أبو “مصعب السوري” منذ ثمانينيات القرن الماضي, هذا المشروع الذي يشمل جغرافياً. بلاد الشام وفيها القدس وهما تقعان في وسط المنطقة المستهدفة بإقامة مشروع الخلافة الإسلامية, وتظهر الأكناف أو المناطق المباركة لتشمل هنا بالإضافة لبلاد الشام بما فيها القدس, مناطق الصراع الواقعة شمال الجزيرة العربية، وتركيا ومصر والعراق وحواف الشمال الغربي لإيران وأقصى حواف الشمال الشرقي للسودان وحواف من الشمال الشرقي لليبيا وقبرص وبحر إيجة وأطراف من جنوب أوروبا ونحو ثلثي البحر الأبيض المتوسط. (85). بيد أن المنطلق الجهادي يجب أن يكون بداية من الاستيلاء على بلاد الشام لما لها واليمن والعراق من أهمية جغرافية وتاريخية ودينية مقدسة, وفقاً للعديد من أحاديث الرسول الكريم حيث جاء في بعض هذه الحديث:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): ” سَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً جُنْدٌ بِالشَّامِ وَ جُنْدٌ بِالْيَمَنِ وَ جُنْدٌ بِالْعِرَاقِ قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْكَ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَ أَهْلِه”ِ. قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث يقول: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه. وروى البخاري: “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا”. وروى أبو داوود: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) قَالَ: ” إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ”. وروى الترمذي عن رَسُولُ اللَّهِ(ص) أنه قَالَ: ” إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلا خَيْرَ فِيكُمْ لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ”. وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَال:َ ” كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنْ الرِّقَاعِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ(ص) طُوبَى لِلشَّامِ, فَقُلْنَا: لأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ِ قَالَ: لأَنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا”. وفي رواية أخرى عن زيد بن ثابت: ‏”‏ … إن الرحمن لباسط رحمته عليه‏”‏‏.‏ وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله(ص) يقول: ” إِذَا وَقَعَتِ الْمَلاحِمُ خرج بَعْثٌ مِنَ الْمَوَالِي من دِمَشْق هُمْ أَكْرَمُ الْعَرَبِ فَرَسًا وَ أَجْوَدُهُم سِلاحاً يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِمُ هذا الدِّينَ”. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(ص) : “إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام”. وعن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله(ص) : “ستخرج نار في آخر الزمان من حضرموت تحشر الناس قلنا: بما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام”. وأخرج السيوطي والطبراني أن رَسُولُ اللَّهِ(ص) قَال: “عَقْرُ دارِ الإسلامِ بالشام”. وعن ابن عمر أن رسول الله(ص) قال: “‏اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا‏.‏ فقال رجل‏:‏ وفي شرقنا يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏‏اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا‏‏‏.‏ فقال رجل‏:‏ وفي مشرقنا يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏”اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، إن من هنالك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال‏”‏‏.‏ وعن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله (ص) ‏: “‏لا يزال أربعون رجلاً من أمتي قلوبهم على قلب إبراهيم، يدفع الله بهم عن أهل الأرض، يقال لهم‏:‏ الأبدال‏”‏‏. وعن شريح بن عبيد قال‏:‏ ذكر أهل الشام عند عليّ وهو في العراق، فقالوا‏:‏ العنهم يا أمير المؤمنين، قال‏:‏ لا إني سمعت رسول الله(ص) يقول‏:‏ “‏البدلاء بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يستقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب‏”‏‏. (86).

الجهاد المسلح للقوى السلفية: (3 )

بلاد الشام هي منطلق الجهاد لإقامة الخلافة الإسلامية .

إذاً من هذا المنطلق الذي يتضمن الأهداف القريبة والبعيدة التي يطمح إليها السلفيون الجهاديون ومن يدعمهم من مشايخ وأئمة السلفية المعاصرة كالحركة الوهابية أو غيرها, هو إقامة الخلافة الإسلامية في بلاد الشام أولاً, ثم إقامة الخلافة الإسلامية الأوسع التي حددها لهم “أبو مصعب ألزرقاوي السوري” ثانياً. ولتحقيق ذلك لا بد من الاستعداد لتوفير كل الظروف الموضوعية والذاتية لتحقيق هذا المشروع.

إن ما يجري اليوم في سورية والعراق مؤشر واضح على أن ما يجري ليس وليد ثورات الربيع العربي كما يحاول البعض أن يقرر, وإنما هو وليد استعدادات فكرية وعملية تعود إلى سنين طويلة, تعود إلى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي عندما تشكل تنظيم القاعدة, حيث استطاع التيار الجهادي السلفي المعاصر أن يستفيد من طبيعة الصراع ما بين النظام الشيوعي الذي يمثله الاتحاد السوفيتي سابقاً من جهة, والولايات المتحدة الأمريكية والمركب الرجعي وعلى رأسه آل سعود وأمراء البترودولار من جهة ثانية. ومع سقوط الاتحاد السوفيتي, عاد التيار الجهادي لينظم نفسه من جديد لمحاربة الولايات المتحدة الأمريكية, فكانت مجموعة الاعتداءات التي قام بها تنظيم القاعدة على المصالح الأمريكية في بعض الدول وأخرها في 11/أيلول , إلا أن تنامي قوة إيران وخوف أمراء البترودولار وأمريكا وإسرائيل على مصالحهم من تنامي القوة الإيرانية, وقيام ثورات الربيع العربي وأولها في البحرين, جعل مصالح القاعدة وحلفائها السابقين آل سعود وأمراء النفط وأمريكا والغرب والكيان الصهيوني تعود إلى التحاف من جديد, ولكن لكل منهم مصالحه الخاصة. فالقاعدة مصلحتها إقامة الخلافة الإسلامية في بلاد الشام والعراق أولاً , وهذا ما جعل أيمن الظواهري يصرح مع استفحال النصرة وداعش في سورية (بلاد الشام) والعراق, بأن ما يجري اليوم في البلاد العربية يشكل الفرصة الذهبية التي يجب أن تُستغل لتحقيق مشروع خلافتهم العتيدة. أما أمريكا والغرب وإسرائيل, فأهدافهم إقامة مشروع الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة, بهدف إضعاف المنطقة نهائياً والقضاء على ما تبقى فيها من أنظمة حكم مركزية معادية لإسرائيل وداعمة للمقاومة وفي مقدمتها سورية, وبالتالي الحفاظ عل أمن إسرائيل ومصالحهم جميعاً في المنطقة. أما آل سعود وأمراء النفط فهدفهم القضاء على إيران وإخراجها من المنطقة أو تدميرها. كل ذلك كان وراء تحويل الصراع في سورية بشكل خاص إلى صراع دولي, كون روسيا الاتحادية والصين تدركان مع إيران خيوط اللعبة الكبيرة ونتائجها المدمرة على المنطقة, وبالتالي انعكاساتها التخريبية على دولها بسبب المد الأصولي الجهادي ومن يسخره اليوم لمصالحه الاقتصادية والسياسية.

إن من أهم الوسائل التي تستخدم في هذا الصراع اليوم, هي طرح العودة إلى الجذور والنبع الصافي للدين, وتزكية النفس وفقاً لما تركه لنا الخلف الصالح من قيم أخلاقية وسلوكية علينا التمسك بها, تحت ذريعة محاربة الفساد والفاسدين أعداء الله والدين, معتبرين أن كل الدمار الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم هو ابتعادها عن هذه القيم الأخلاقية وتمسكها بقيم العصر وحضارته, وهذه الطرح يوجد ما هو قابل عندهم على تفجيره وتسخيره, فالنظام السوري البعثي ممثلاً برئيسه هو برأيهم نظام كافر, نظام علماني من جهة, وعلوي من جهة أخرى, والعلوية شيعة كفار ومن الفرق النارية في الفهم السلفي كما تدعي الفرقة “الناجية”. وحزب الله شيعي رافضي كافر وكذلك إيران الحليف الإستراتيجي لهما. هذا مع وجود دول عربية مجاورة لسورية والعراق يهمها أن تعيش المنطقة حالات فوضى وبخاصة الأردن كدولة عميلة, كان ملكها أول من حذر من الهلال الشيعي. وهناك آل الحريري وتيار الرابع عشر من آذار جاهز لتقديم كل الدعم لهذا التيار الجهادي خدمة لإسقاط النظام السوري تحت مسميات المعارضة والحرية والديمقراطية, ومن ثم إسقاط حزب الله والقضاء عليه. وهناك آل سعود المستعدون دوماً لتقديم الدعم اللازم مالياً وعسكرياً ولوجستياً لكل من يطلب المساعدة ضد النظام السوري. وكذلك قطر رأس الحربة للإخوان المسلمين والداعم اللامحدود لهم, تسانده تركيا حزب العدالة والتنمية ألإخواني. وهناك الغرب وأمريكا والكيان الصهيوني على أهبة الاستعداد للانقضاض خدمة لمصالحهم عبر مشروع الفوضى الخلاقة. يضاف إلى كل ذلك, العقلية الدينية السلفية التي تم الاشتغال على تكوينها لأكثر من عقود ثلاثة في سورية من قبل مشايخ سورية منذ حوادث الثمانينيات بقيادة الشيخ البوطي الذي وصل في سورية إلى حالة التقديس, حيث حورب العلمانيون والعقلانيون في سورية وأقصوا من الحالة السياسية والفكرية في القطر من قبل هذا التيار الديني السلفي الأشعربي الحنبلي, بعلم ومساندة قوى سياسية وصلت إلى أعلى مفاصل قيادات الدولة والحزب.الأمر الذي غرب وغيب الكثير من الشباب وبكل توجهاتهم وانتماءاتهم عن الحس الوطني والمواطنة, وعن الفهم الحقيقي لجملة ظروفهم الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية, وبالتالي وجدوا أنفسهم بشكل طبيعي في حالة صراع مع الدولة التي لا تمثل قيمهم وطموحاتهم التي علمها لهم مشايخهم في الجوامع ودروس الدين, وهذا الأمر ذاته لم يجعلهم يشعرون بالغضاضة أن يتعاملوا مع غيرهم من المسلمين في العالم, بل وحتى مع أعداء سورية والإسلام ذاته من أجل إسقاط الدولة السورية, بيد أن الشيء المحزن في هذا الأمر, هو أن الكثير من اليساريين والعلمانيين والليبراليين راحوا يتعاونون مع هذه القوى السلفية التكفيرية نكاية بالدولة ذاتها التي أقصتهم من الساحة السياسية والثقافية, إرضاءً للقوى الأصولية التي فتح أمامها المجال واسعاً لحركة ونشاط الدعوي دون مراقبة من المعنيين في الدولة.

إن كل الذي جئنا عليه كان وراء ما كان من حراك أصولي تكفيري تحولت فيه سورية والعراق ولبنان إلى مركز للقاعدة من كل أنحاء العالم .

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر

29 شتنبر 2014