مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء 1 اكتوبر 2014

 

يقول الله تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله} ال عمران

ومن ابواب في سبيل الله السعي من اجل مصالح الناس وضعفائهم ونصرة المظلومين والمستضعفين … والخروج في طلب العلم  حتى الرجوع منه .. والساعي على الارملة والمسكين …

 

…يستعد المسلمون للاحتفال بعيد الاضحى المبارك ويجددون الاحتفال به سنويا سيرا على نهج سيد ولد ادم محمد عليه الصلاة والسلام … قائد ورمز التضحية والفداء هو ومن سبقه من الانبياء والمرسلين من اجل اقرار العدل وحماية الناس من الظلم ومناهضة الاستبداد والاستغلال والاستعباد وبناء عدالة وتضامن اجتماعي ونبذ كل سياسات التفقير والاستخفاف بكرامة الناس …

…قال ابن القيم ( يامخنث العزم اين انت  والطريق ؟ طريق تعب فيه ادم. وناح لاجله نوح . ورمي في النار الخليل . واضجع للذبح اسماعيل .وبيع يوسف بثمن بخس  ولبث في السجن بضع سنين . ونشر بالمنشار زكرياء .وذبح السيد الحصور يحيى .وقاسى الضر ايوب . وزاد على المقدار بكاء داود. وسار مع الوحش عيسى. وعالج الفقر وانواع الاذى محمد صلى الله عليه وسلم  .. )

 فلا معنى للتَّضْحية ان لم يكن هناك بذل للنفس او الوقت او المال في سبيل  تحقيق غايات اسمى تستحضر انصاف المظلومين والذين تطالهم سياسات التفقير والاضطهاد الاجتماعي وطغيان الخصاص في مجالات ومناحي مستلزمات الحياة في حدودها الدنيا ..

ولا معنى للتضحية ان قصد بها ان يضحي الذين كانوا ضحايا للسياسات السلبية بما تبقى لديهم من جهد ومال لايسمن ولايستجيب حتى  للحد من فقرهم ..

ولا معنى لاصلاح الاوضاع بادعاء ان علينا ان نضحي بالمزيد من الصبر على رفع الاسعار  ومنها ثمن الماء والكهرباء ونسبة الاقتطاع من الاجور وتوقيف تشغيل العاطلين و…والخطاب هنا يستهدف فقراء الامة  وعمالها وموظفوها البسطاء و المهددون بالتفقير …

ان الذين علموا للبشرية التضحية بمفاهيمها الراقية والمشبعة بالانسانية والرحمة قصدوا نقيض ما نراه في السياسات العمومية في العديد من الدول … قصدوا به ان يضحي الذين هم في مقاليد الحكم  والذين   يتحكمون في تسيير وتدبير الثروات الوطنية المتواجدة  برا وبحرا وجوا وتحت الارض … وخاصة اهمها الثروة البشرية  اي الشعب …قصدوا   اعمال ميزان التوزيع العادل للثروات بفتح منافذها وابوابها  للجميع لتثمينها وتطويرها ومن اجل ان يعم الخير الغالبية العظمى .. بدفع الفقر والحد من زحفه على الشعب باغلب طبقاته الكبرى …

ان افكار وادعاءات الحكام قبل ان يتحملوا مسؤولية الشان العام سواء عن طريق انتخابات سليمة او موجهة  شيئ ؟؟ وممارساتهم وتصريحاتهم بعد استوائهم على الكراسي ..يتبين يوما بعد يوم في هذا العصر او عصور موغلة في القدم  انه شيئ مخالف ومناقض وسلبي  وملتبس ..رغم عمليات التجميل والتنميق الرقمي والكلامي و…ونتذكر هنا مقولة للفيلسوف الانجليزي  بيرتراند راسل  – بطبيعة الحال لاقياس مع وجود الفارق  – عندما  سئل:” هل أنت مستعد للتضحية بحياتك من أجل أفكارك؟. قال: لا، لأني على يقين من حياتي، ولكني لست على يقين من أفكاري…”

…ان المتامل للتاريخ المعاصر للمغرب سيجد بوطننا هذا  رجالا ونساءا بافكارهم  الثورية الواقعية التي  كانت تسعى الى استقلال المغرب من الاستعمار الفرنسي والاسباني  بهدف بناء الدولة المغربية على اسس ديموقراطية تكون فيها كلمة الشعب مسموعة وارادته محترمه  وحريته وعيشه الكريم  متوفرين في اجواء  يسودها  العدل والثراء المعرفي والاستفادة من خيرات الوطن … فعندما خاض عبد الكريم الخطابي والمغاربة بالريف ثورة ضد الاستعمار كانوا جاهزين للتضحية بكل ما يملكون من اجل المغرب ولو فكروا لانفسهم ما ثاروا .. وعندما خاض المقاومون  ومنهم علال بن عبد الله والزرقطوني وحمان الفطواكي والالاف من امثالهم المعارك من اجل هذا البلد فاسترخصوا ارواحهم  من اجل حرية المغاربة واستقلال الوطن وحماية الشرعية فنالوا الشهادة من اجلنا جميعا … وعندما استشهد المهدي بنبركة وعمر بنجلون والمئات من امثالهما مناضلات ومناضلين في الكثير من المحطات التي عرفها المغرب طوال سنوات الجمر والرصاص بعد الاستقلال .. لم يكونوا يفكرون الا في مصلحة الشعب المغربي ورخائه وازدهاره ..وكان بامكانهم وهم في مراكز تسهل لهم ان يحكموا المغرب ويتحكموا في قر اراته  الا انهم انحازوا الى التضحية فكتبت اسماؤهم مع الذين قال فيهم تعالى ”   : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما

…  ان التضحية قيمة روحية واخلاقية وفكرية راقية ومثالية وطاهرة تجعل التاريخ الانساني منذ سيدنا ادم الى الان له معنى واهداف نبيلة وان هناك بالفعل اسباب عظيمة للوجود بمختلف تجلياته …فلكل الثقافات والمعتقدات ثراث خاص او مشترك يسجل بمداد من الفخر كل تلك التضحيات البعيدة عن الانتهازية والوصولية والارتزاق والركوب على نضالات الاخرين   …

..انه لايجب الخلط بين الذين يضحون بكل شيئ من اجل ذواتهم ومنظماتهم وافكارهم حتى ولو كان باستعباد الناس وتفقيرهم  واسبلادهم  وبين اسياد وابطال التضحية الحقيقيين …ولن نسرد هنا في هذا المقال العديد من الاسماء التي افسدت حضارات وحطمت ارادات الشعوب بل وابادت امما بدعاوى ظاهرها الاصلاح وباطنها اشياء اخرى وعندما لايجدون ما يفعلون يزورون ويفترون على التاريخ النضالي للامم …

 ونختم  في سياقات دلالات حكم الاضحية ومشروعيتها التي ترمز في تطبيق فعلي الى اهمية حسن العلاقة بين الانسان وخالقه وبين الانسان واخيه الانسان .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا” (مسند أحمد)…

فالله نسال ان يحفظ امتنا من الذين قال فيهم سبحانه  : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا }

 ونساله بمناسبة هذا العيد المبارك ان يفرج هم المهمومين وان يخفف من الام المستضعفين وان يوسع على خلقه من فقراء هذه الامة …

عن أبى بكر الصِّدِّيق، أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ” دَعَواتُ المكروبِ: اللهُمَّ رَحْمَتَكَ أرجُو، فَلا تَكِلْنِى إلى نَفْسى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأصْلِحْ لى شَأنى كُلَّهُ، لا إله إلا أنْتَ ”

 


 

 

.