كتبت صحيفة «لفيجارو» الفرنسية معلقة على الحلف الاسلامي الواسع ضد حركة داعش الإرهابية: «كان لا بد من كل هذا الدم حتى يقتنع المسلمون بأن عليهم أن يمارسوا عملية النقد الذاتي»، معتبرة أن الإسلام بحاجة إلى القيام بمجهود الإصلاح الجذري الذي مرت به المسيحية قبل قرون في طريق التحديث الاجتماعي والسياسي.

تتكرر هذه الأطروحة على نطاق واسع في الأدبيات الغربية والإسلامية معاً، خصوصاً بعد استفحال موجة التطرف الراديكالي الذي يفسر عادة بمواقف عقدية وفكرية من قبيل طغيان التصورات «السلفية» في نزوعها التكفيري ومواقفها العدائية من الآخر، في حين تذهب بعض الأقلام إلى ربط هذه المسلكيات العدوانية بجوهر التصور الإسلامي في ثوابته العقدية والتشريعية.

ما نريد أن نبينه هنا هو أنه حتى لو كان من الصحيح والمؤكد أن مطلب الإصلاح الديني في الإسلام مطروح بقوة وضرورة دينية وفكرية، إلا أن تفسير أزمات العالم الإسلامي الراهنة بغيابه مسألة فيها نظر، ولا تصمد أمام التحليل الدقيق والتمحيص الجاد. فمن الخطأ إرجاع ظاهرة التطرف الديني المسلح إلى سياقات مرجعية في التقليد الإسلامي سواء في نصوصه الرئيسية ومذاهبه المعتمدة (كربط الاستبداد بالعقيدة الأشعرية أو التصوف) أو في اتجاهاته الثانوية وانشقاقاته الفرعية (كربط النزوع التكفيري الإقصائي للمجموعات المتطرفة بآراء ابن تيمية والسلفيات المتأخرة).

ما تبينه الدراسات الاجتماعية والإنسانية هو أن النسق الديني والثقافي لا يمارس دوره التأثيري الفاعل بصفة تلقائية لا تاريخية، بل إن منظوره الدلالي والمفهومي يتحدد وفق سياقاته التأويلية التي تتمايز بحسب الظرفيات المجتمعية والتاريخية. ولسنا نحتاج إلى إبراز الفروق الجلية بين سياقات فهم وتوظيف المقولات المرجعية المتشابهة ما بين التقليد الإسلامي الوسيط وخطاب التطرف الديني الراهن، فأين الحضور الفعلي لمقولات مثل الكسب لدى الأشعرية وتوحيد الألوهية والربوبية وفناء الشهود.. في الخطاب الإسلامي المشترك؟ وهل من المشروع بمحض الاستناد للاستشهادات المفصولة عن سياقها المرجعي تفسير مواقف متطرفة راهنة بخلفيات تراثية لها آفقها المفهومي والتاريخي؟

الإصلاح الديني إذن المنشود تتطلبه مقتضيات «المسافة التأويلية» بلغة «ريكور»، أي الوعي بأن استحقاقات الوفاء للرسالة والانتماء للتقليد لا يمكن أن تتم إلا بتجديد أدوات النظر وآليات الفهم، وهو مجهود له من دون شك آثاره العملية الإيجابية، بيد أن رفض هذا المجهود لن يلغي المسافة التأويلية، بل سيفضي إلى ضروب غير واعية ولا منسجمة من المراجعة والتعديل والتحوير باسم الحفاظ على حرفية التقليد والعودة إلى الماضي غير الملوث.

ولنستحضر هنا تجربة الإصلاح الديني في المسيحية التي تتخذ عادة نموذجاً يقاس عليه، في إطار شيوع نظرية التدرج التلقائي بين محطات الإصلاح الديني والتنوير والثورات الديمقراطية في الغرب الحديث.

ومع أن هذه الأطروحة قد تجذرت مع عالم الاجتماع الألماني «ماكس فيبر» في ربطه بين نشأة الرأسمالية وروح البروتستانتية، إلا أن النظرية قديمة، وقد ظهرت بقوة في الأدبيات الفكرية والسياسية الأوروبية منذ منتصف القرن التاسع عاشر. في هذا السياق، نشير إلى كتاب المؤرخ الفرنسي «ادجار كينت» Quinet الذي أصدره عام 1845 بعنوان «المسيحية والثورة الفرنسية»، وقد ذهب فيه إلى القول إن الثورة في فرنسا فشلت في إحداث التغيير النوعي المنشود واتسمت بالعنف الشديد قبل أن تعود الملكية وتنهار التجربة الجمهورية لأن فرنسا ضيعت فرصة القيام بإصلاحها الديني في القرن السادس عشر، وتشبثت بعقيدتها الكاثوليكية التي اعتبرها منافية للحداثة ومنشدة للماضي والتقليد. «كنيت» يحيل هنا بوضوح إلى موقف كنيسة روما الذي عبر عنه في عصره «البابا بيوس التاسع» في رسائله الرافضة لمبدأ الإصلاح الديني والنابذة لقيم الحداثة والتنوير.

والمعروف أن «فيبر» اعتبر أن نشوء الرأسمالية مرتبط بعقيدة الخلاص البروتستانية التي تؤكد قيم العمل والمثابرة والربح والفاعلية في الدنيا في مقابل عقيدة الخلاص التقليدية في المسيحية المهووسة بالخلاص في الآخرة وبجزع الموت وأهوال الآخرة.

إن نظرية «فيبر» التي هيمنت طويلاً على حقل الدراسات الاجتماعية خضعت في السنوات الأخيرة لمراجعات جذرية نادراً ما يتم التعرض لها في الأدبيات العربية، وما نريد أن نكتفي بإيضاحه أنها تقوم على خلط صريح بين ديناميكيات ثلاث متداخلة عرضياً لكنها تختلف من حيث الدلالة والرهانات: حركية الإصلاح اللاهوتي في المسيحية وديناميكية التنوير الفلسفي، وحركية التحديث السياسي.

فبخصوص الإصلاح الديني، من المعروف أن البروتستانتية لم تكن حركة تحديثية لا من حيث الخطاب ولا الأهداف، بل اتسمت بالنزوح المحافظ الشديد وطمحت إلى الرجوع للمسيحية الأصلية غير المحرفة، وتمحورت حول فكرة حاكمية الله المطلقة وقدرته غير المقيدة مع تأكيد عجز الإنسان الكامل عن إدراك مقاصده والتأثير في مقاديره. فلم تكن إذن حرية الانسان حاضرة بأي معنى في هذه العقيدة، التي انتهت إلى تحوير مقولة الخلاص في اتجاه الرهان على رحمة الله والثقة في حكمه وقضائه ومن ثم التصالح مع الحياة المادية واعتبار منافعها نعمة من الله (لا يختلف هذا التصور كثيراً عن مواقف مألوفة في التصور الإسلامي).

وكما يقول الفيلسوف البروتستانتي المعاصر «أوليفي آبل» لم يكن التأثير البروتستانتي الدافع للرأسمالية راجعاً لمعايير أو مواقف عقدية أو مذهبية، وإنما للنتائج الاجتماعية غير المباشرة لهذه الدعوة مثل النشاط العملي والتجاري للأقلية الدينية الجديدة وطبيعة المدن الكوسمبولوتية التي احتضنتها، فضلا عن ضعف السلطة الدينية القمعية، وقيام نمط من التعددية الفكرية والدينية يتطلب – بعد فشل الحلول الأمنية والقمع الوحشي- تدبيراً تعددياً حراً.