الفعل الإرهابي المتأسلم، بكل فظاعاته وبكل الدمار المعنوي والمادي، الجغرافي والتاريخي، الذي أوقعه ويهدد بالمزيد منه في جزء هام من الجغرافية العربية…ذلك الفعل، لا يحدث هناك فقط، أو بالأصح لا يهدد هناك فقط… هنا أيضا في هذا المغرب المشاطئ للمحيط ( الأطلسي )، الذي لم يحفز التاريخ على إشعال كثير حرائق في صفحاته…هنا أيضا صَهدُ ذلك اللهيب قد وصل… تلك بديهة من أساس قراءات زلازل الوضع العربي وارتداداتها.
غير أن تلك الحقيقة لبست كل حقائقها، في شكل وقائع وأرقام واضحة ودالة على أن الأمر يتعلق بحرب ضروس. فقط هي حرب بالعشرات من المشتبه في كونهم جنودها، ولحظ المغرب هي حرب بلا ضحايا ولا دماء. لأن نباهة العقل الأمني المغربي، جردت تلك الحرب من إبرة عنفها… ذلك ما نَضَحَ من مداخلة السيد محمد ياسين المنصوري مدير عام “الدجيد”، أمام اللجنة المتتبعة للإرهاب في مجلس الأمن. المداخلة كشفت كيف أن أجهزة الأمن المغربية المتعددة والمتكاملة العمل، تمكنت من الانقضاض على العصابات الإرهابية في الزوايا المعتمة لنواياها الاجرامية. المداخلة قدمت لوحة عامة جامعة لما تفرق في بلاغات وزارة الداخلية في السنتين الأخيرتين للإخبار بتفكيك عصابات إرهابية كانت على أهبة اقتراف جرائمها. حوالي 280 عملية إجرامية متنوعة الأشكال والأدوات والاستهدافات، أجهضت وأحبطت وأبطلت مفعولها المصالح الأمنية التي تميزت بيقظة مهنية ووطنية نموذجية… لولا تلك الفعالية الاستباقية، لكانت تلك المخططات عمليات فعلية حَدثت، قَتلت، خَربت، سَرقت أَغارت على سكينة الوطن وأفزعت المغاربة… بكل ما لذلك من تأثير وارد على الأوضاع السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية للبلاد. كنا سنكون في مغرب آخر غير هذا المغرب الآخر الذي هو قيد التشكل، كنا سنكون في مغرب فُرمل تقدمه، وقد بدد مواطنة مواطنيه في مطاردة يومية للعنف الذي يكون قد أحرق مساحات السياسة في السياسة وفي مساحات وثنايا العيش الحيوية للمغاربة.
ليس القصد أن نقول بأن المغرب هش وكل هذا المعمار الديمقراطي والتنموي الذي يجتهد المغاربة في رفعه وتمنيع أساساته واستكمال أروقته، ويدافعون عنه اختيارا ثابتا ويعقمونه ضد نزوعات الارتداد، وأن كل ذلك آيل للانهيار على وقع عمليات إرهابية معدودة متفرقة… القصد أن ما أنجزته المطاردة الاستباقية للعصابات الارهابية، وفر على المغرب ضحايا وتخريب ورعب وصفد أذى مشروع إجرام. ولكن الأهم أن الاستباق قطع على ذلك التخطيط الإرهابي، إمدادات التغذية بحالة الرعب التي تكون قد استبدت بالبلاد، والتيه المحتمل عن المسار الديمقراطي في حالة علو دوي الإرهاب على أصوات النفير التنموي.
المعطيات التي كشفتها مداخلة السيد ياسين المنصوري أوضحت أن ذلك المخطط الإرهابي، حتى وقد تناسل حتى وقد تكاثر حتى وقد تواصل، ظل فعل مجموعات محدودة منعزلة عن بعضها البعض، غير مندمجة في تنظيم شبكي بكل المقومات المذهبية والتنظيمية للشبكة…وهو أيضا، ليس نابعا من نسيج الحراك السياسي ( والإسلامي ) والاجتماعي المغربي، إنه من خارجه…

المشتبه فيهم ما بين منعدمي التكوين الثقافي والديني إلى محدوديه، مجرد منفذين، بلا مطالب سياسية أو اجتماعية أو دينية، هم بلا ثقافة وبلا حضور ديني أو سياسي ولا نقابي ولا جمعوي في البلاد، هم مجرد مجندين في مهمة ومنفذون لأوامر عصابات من خارج المغرب…إنهم نتاج الانجذاب إلى ذلك الشّرك المرعب الذي نصب للأمة تحت مسمى الجهاد في سوريا وبعدها العراق، وكان الدولار فيه هو الطعم البراق ولا يزال، وطبعا مع بهارات تعاويذ من هوامش النص الإسلامي عن الطريق السريع المؤدي إلى الجنة.
الحقل الديني المغربي أثبت أنه معقم ضد الغواية الإيديولوجية وضد الارتزاق بالعمالة الخارجية، مما عزل تلك المجموعات المعتقلة عن أي احتضان مجتمعي أو سياسي أو ديني…وهو ما يؤكد مناعة المقومات القيمية والاختيارات المجتمعية للنسق السياسي المغربي، حتى والفصائل المسماة إسلامية متفاوتة (وحتى متصارعة) في نوعية تعاطيها أو تفاعلها مع مؤسسات النظام السياسي المغربي. وكانت عزلة تلك المجموعات من شأنها تعقيد عمليات ترصدها وتعقب استعداداتها للتحرك من طرف المصالح الأمنية، غير أن العكس هو ما حصل، إذ ساعدت عزلتها عن محيطها الإسلامي الحركي من تطويقها وتفكيكها.
وما كان للمجهود الأمني أن ينجح لو وجدت في حقلنا السياسي -الديني مسارب ومخابئ ومستنقعات، وبالمثل ما كان المغرب قد وقى نفسه من فتن تلغم مسار تطلعاته الديمقراطية والتنموية لو لم تكن الأهبة الأمنية حاضرة آناء وأطراف هذا الاهتزاز المتصاعد في الجغرافية العربية.
وبالذات، من ذلك اهتزاز يهب علينا نقع نزال الإرهاب، مما يستوجب مراعاة أن الخطر الإرهابي ليس مجرد حمى متولدة عن «ضربة» حماس عابرة، ولا هو مجرد» لعب عيال» جراء إغراء إيديولوجي محدود المفعول…إنه خطر ماثل وقابل للتوالد وجدي…لأننا جزء من تضاريس هذا الكل العربي وحتى ونحن نجتهد لأن نقتطع لنا مساحات ومسارات أخرى من التاريخ وفيه ومختلفة….لا نملك إلا أن نواصل الاستعداد للحرب لكي نحصن السلم.

عن جريدة .ا.ش

9 اكتوبر 2014