تعود نشأة الإرهاب التكفيري إلى ظروف دولية ناجمة عن تحولات تكنولوجية وسياسية واقتصادية التقت مع فشل الدولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الوصول إلى الدولة المدنية والمواطنة، حيث بقيت مرتبطة بنخب متسلطة وفاسدة لا تفكر إلا في مصالحها.

هذه العوامل وغيرها خلقت مطامع لدى بعض القوى العظمى، جعلتها ترفض وجود الدولة الوطنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وغيرها من المناطق بهدف رسم خريطة جديدة للعالم، مستغلة في ذلك عوامل دينية وطائفية وقَبَلية… بغية تفتيت أوطانها خدمة لإستراتيجيتها الدولية. وقد ساعد على ذلك تكلس عقل النخب السياسية لهذه المناطق الذي استعصى عليه الانفتاح والتجديد والتخيل والإبداع…

كما يمكن تفسير وصول جماعات الإسلام السياسي إلى الحكومة بأخطاء أغلبية ما يسمى بالزعامات السياسية الحزبية التي لا تمارس السياسة بشكل مستقل، وإنما تمارس التسول السياسي من أجل الاستفادة من الريع. لذلك نجدها عاجزة عن فعل أي شيء، لأن المتسول لا يفكر وليس مؤهلا لتطوير أي مشروع… إنها زعامات بدون التزام وطني أو أخلاقي…

أضف إلى ذلك أن ظاهرة الإرهاب التكفيري قد خرجت من رحم جماعات الإسلام السياسي، كما أنها نتيجة تاريخية لغياب أي حركة شبيهة بالحركة “اللوثرية” للإصلاح الديني والتدين، تقوم بإعادة تفسير النص بناء على الوقائع الجديدة التي فرضتها التطورات السياسية والاجتماعية والعلمية التي انطلقت منذ خمسة قرون في أوربا وغيرت مجمل خرائط العالم.

ويشكل نمو الإرهاب التكفيري أكبر دليل على انهيار النظام الإقليمي بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكمله، حيث استفاد من الفراغ الموجود في المنطقة، وركب على الاستبداد وتفقير المواطنين… من أجل توسعه بالرغم من عدم امتلاكه لأي مشروع سياسي واضح، واستناده إلى مجموعة من العقائد التي لا يقبلها عقل ولا دين ولا روح الإنسانية.

يعود أصل الإرهاب إلى عاهة فكرية، كما أنه يشكل رد فعل على السلطًوية والإقصاء والفقر والفساد… وإذا ما تمَّ إرساء الإصلاح فستزول ردود الفعل السلبية والعنيفة…

يلاحظ أغلب المتتبعين للشأن العام في المغرب أنَّ ما هو مفزع اليوم هو استفادة جماعات الإسلام السياسي من أوضاعنا الحالية، لأن الجهات التي تم إيصالها إلى الحكومة لا تفكر ولا تنجز أي شيء، بل إنها مجرد قناع تستعمله جهات خارجية وداخلية لاتخاذ ما تشاء من القرارات، ما يمنح فرصا لهذه الجماعات كي تترسخ ثقافتها المعادية بطبيعتها للديمقراطية وحقوق الإنسان…

ومن الممكن أن تجر هذه الثقافة البلاد إلى صراعات طائفية تصيبها بوباء الأفغنة (نسبة إلى أفغانستان). ويعود ذلك إلى أن جماعات الإسلام السياسي تتقن التقية والمكر والخداع لتمنح نفسها فرصة التمكّن من إحداث انهيار الوطن والدولة والمجتمع. ويبدو أن “حكومة” المغرب الحالية هي مجرد أداة لتعميق الظلم والتفقير…، ما جعل بعض الملاحظين يستنتجون أن بعض القوى العظمى توظفها لتوفير الشروط الضرورية لانتشار الإرهاب التكفيري في بلادنا…

وإذا تأخر المغرب في إنجاز التحديث والبناء الديمقراطي، وتمكنت جماعات الإرهاب التكفيري من الترسّخ في شرايين النسيج الاجتماعي، فإنها ستزج بالبلاد في مستنقع الخراب… وهذا ما يفسر معارضتها لأي إصلاح ديمقراطي فعلي.

يقتضي ما يحدث اليومَ الشروع في الإصلاح فورا لقطع الطريق على دعاة الإسلام السياسي وعلى القوى الأجنبية التي تسندهم وتوجههم. ويستوجب هذا الانخراط في بناء ديمقراطي لا يفرق بين الناس بسبب اللون أو الجنس أو العقيدة أو الفكر… كما ينبغي التصرف بحزم من أجل إصلاح يكرس حرية الرأي والتعبير في الإعلام والثقافة… لمواجهة ثقافة الإرهاب بشكل عقلاني وسلمي، وإرساء ثقافة الديمقراطية التي تنهض على الشفافية في العمل السياسي وضمان حرية الفكر والتعبير والمعتقد، والممارسة السياسية السلمية والحضارية.

قد تشاء إرادة بعض الجهات الداخلية والخارجية أن يحتل دعاة الإسلام السياسي الصدارة مؤقتا، لكن ثقافة الديمقراطية وشفافيتها وحرية الفكر والمعتقد ستضع حدا لأحلام هؤلاء الدعاة.

ومن الأكيد أن حرية الفكر والتعبير ستمكن المثقفين الأحرار من مناقشة المسكوت عنه في ثقافة الإرهاب التكفيري تمهيدا لدحضها عقليا وسلميا عبر كشف تناقضاتها مع الإنسان والطبيعة وصحيح الإسلام…

يلجأ الإرهاب الديني إلى القوة لأنه غير مؤهل للحوار مع معارضيه فكريا وسياسيا، فيعمد إلى العنف لفرض آرائه، ومصادرة الفكر المختلف معه. وهذا هو أسلوب تصرفهم، حيث كلما اكتسبوا نفوذا إلا واستخدموه في إرهاب خصومهم في الفكر والسياسة ليستأثروا بكل شيء، وبعد ذلك يعلنون أنهم يمثلون الله ودينه على الأرض!!

لذلك لن يتحقق البناء الديمقراطي باللجوء إلى منع فكر الإسلام السياسي، وإنما بوضع حد للعنف بما يضمن المساواة وتكافؤ الفرص دون تدخل السلطة لصالح هذا الطرف أو ذاك. وبما أنَّ فكر الإسلام السياسي لا يستطيع احتكار الإسلام إلا باستخدام القوة والعنف ضد خصومه، فسيكون ميسورا وسهلا كشفه وهزيمته من داخل الإسلام ومن خارجه. وهكذا، سيبطل مفعول شعار “الإسلام هو الحل” الذي ترفعه جماعات الإسلام السياسي.

أما في ظل السلطوية فسيستمر الإسلام السياسي في الانتشار، حيث سيركبها دعاته لممارسة التسلط على خصومهم في المجتمع والدولة…

نحن في حاجة إلى خطاب جديد ومتماسك يجمعنا بعيدا عن خطاب الوصاية سواء باسم الطائفية أو القبلية… خطاب يضمن تعايش كل مكونات المجتمع بشكل ودّي، ويصون كرامة الجميع في سياق تتعايش فيه مجتمعات متعددة الأديان والطوائف والأعراق، كما يضمن المساواة وتكافؤ الفرص للجميع في إطار دولة القانون القائمة على أساس مبدأ المواطنة وحده. فخطاب المواطنة المتساوية والانتماء إلى الدولة المدنية يحمي المواطنين جميعا بغض النظر عن دينهم وعرقهم وجنسهم… وبذلك، فهو يحافظ على إنسانيتهم. أما إذا ساد خطاب آخر غير هذا، فقد ينتصر لطائفة معينة أو قبيلة معينة، وقد يدعو إلى القضاء على غيرها، ما يؤسس لنظرة عنصرية قائمة على أساس ديني أو طائفي أو قبلي…

وبدون ترسيخ “خطاب التعايش” في نسيج مجتمعنا وشرايينه، لن نتدمقرط، وستترسخ النزعة السلطوية في بلادنا، ولن نتقدم، بل ستتعمق هزيمتنا، وسيتعرض الوطن ومؤسسات الدولة للتفتيت…

وإذا تمَّ إرساء إصلاح مؤسسي وسياسي وديني وثقافي وتعليمي وإعلامي واقتصادي واجتماعي، ستزول كل الأمراض وتختفي عوامل ضعف الدولة والمجتمع وعيوبهما، والنزعات الإسلاموية أبرز البثور التي ينبغي أن تختفي ليستقر المجتمع ويتم التحديث والبناء الديمقراطي…

لا نريد لبلادنا أن تسقط في “الأفغنة”، فيحكمها تجار الحروب الأهلية وقطاع الطرق وأعداء الوطن داخليا وخارجيا الذين يريدون تقويضه… لذلك، نريد إصلاحا سلميا يحفظ دماء الجميع، ويعيش فيه المواطنون في ظل سيادة المساواة والعدل والحرية والإخاء وحقوق الإنسان. فمن الضروري أن يتمتع الإنسان بإنسانيته باعتبارها أفقا لا متناهيا لنموه حتى يتمكن من تحقيق ذاته ويتمتع بكرامته واستقلاله الفكري، فتنجو البلاد من خطر ضياع الدولة والوطن والمجتمع والإنسان…

عن الاخ محمد بليليض

 منشورة بصفحة التواصل مع عضوي المكتب السياسي بالفيس بوك

10 اكتوبر 2014